التحولات الفلسفية للجسد في طروحات الروائي علاء مشذوب

التحولات الفلسفية للجسد في طروحات الروائي علاء مشذوب

د. عمار الياسري
شهد الجسد تحولات انطولوجية مردها المركزيات التي سادت ثم ذوت ، فمع الصيرورة الأولى وقع الجسد تحت حيف الطبيعة بكل ثورتها وجبروتها ، لذا حاول الإسان أن يبحث عن ملاذات آمنة ، فكانت الالهة هي المهادات الأولى ، وكانت الطقوس الدنيسيوسية مثالاً لذلك ، ومع بزوغ السؤال الفلسفي للفلاسفة الاغريق ، ذهب أفلاطون إلى أن المثل العليا هي التي تسمو بالنفس الى المثل السامية في حين ذهب أرسطو الى محاكاة الجوهر ،

 ومع نشوء الفلسفية الاسلامية حاول فلاسفة الاسلام التوفيق بين الدين والفلسفة ، بينما ذهب كانط مع بزوغ الفلسفة الحديثة الى اليقين ، وعد الشك هو الطريق العقلي الأول للوصول الى اليقين ، في حين ذهب فلاسفة ما بعد الحداثة الى أن الجسد وقع تحت استلاب سلطوي سببه المركزيات السلطوية مثل اللاهوت والمؤسسة الاجتماعية والتربوية والسياسية ، ومنها دعا نيتشه الى أفول الاصنام ، واضحت دراساتهم تناقش الجنون والمصحات كما نلحظ ذلك في اشتغالات ميشيل فوكو على الجنون ، أو فلسفة الاقليات والهوامش كما في أدبيات الجنسانية أوالزنوجة لدى فرانز فانون أوما بعد الكولونيالية لدى ادوارد سعيد وهومي بابا ، وبدا الحفر في كل ما هو متروك وهامشي وواقع تحت سلطات التحقير ، والمتتبع لكتابات الكاتب الراحل الدكتور علاء مشذوب يجد التجليات الفلسفية التي تمّ ذكرها في كتابيه الجسد صورة .. سرد وجماليات الجسد بين الأداء والاستجابة إذ تناول الجسد في الفنون التشكلية والسينمائية والتلفزيونية والمسرحية والتي حاول فيها أن يستكشف المنظومة العلائقية ما بين الجسد ومقترباته الحياتية ، فالجسد في الأزمنة السالفة ارتبط بالفحولة والقداسة حتى أصبح من المركزيات الواجب اتباعها والتي تعمل على كتابة السنن والقوانين التي من الصعب مخالفتها ، كما يتجسد ذلك في الكثير من الأعمال الفنية ، في حين ناقش في جسد الحداثة الجسد واشتغالاته السردية حينما يصبح بطلاً لرواية تتعلق به باقي الشخصيات الدرامية ، في حين أن الجسد الما بعد حداثي لدى الراحل مشذوب خرج من توصيف الفلسفات السابقة ، فهو البطل الأسود المهمش في فيلم 12 سنة من العبودية الذي استطاع ان يفكك مركزيات البطل الأبيض التي تعمل على عبودية الأسود المختلف ، فقد كان البطل مبدعاً صابراً مفكراً حتى نال حريته ، هذا على المستوى الثيمي في حين كانت بطولة الفيلم لبطل أسود والإخراج لرجل أسود ليعلن مشذوب انتهاء عصر الوصاية الأبوية ، ولم يكتف الكاتب بذلك بل اشتغل على الانساق المهمشة في الحياة المعاصرة عادا منها أساطير جديدة تقوض الأساطير السابقة مثل حبل الغسيل والصور الشمسية والملصقات السينمائية وغيرها ، فمع عصر شيوع الصورة عد الصورة المهمشة قادرة على تحريك الرأي العام أكثر من الصورة المركزية ، كما في صورة الشاب التونسي بوعزيزي الذي أحرق نفسه احتجاجا على ما تعيشه الطبقة العاملة في تونس والتي تجسدت بمصادرة عربته التي يبيع بها الخضار ، إذ تسيدت صورة الهامش على صورة المركز المتمثلة بالرئيس التونسي .
إن اشتغالة الروائي علاء مشذوب على الجسد حاولت تخليص الجسد من كل التابوهات التي تقوض حراكه الإنساني والاجتماعي والثقافي من خلال التنقيب الايركولوجي في المسكوت عنه والبحث في التفاصيل المنسية من حياتنا ، وكانت جريدة تاتو هي ملاذه الآمن لنشر هذه الطروحات الفكرية التي دونها ، ولكن لم يبحث كاتبنا الراحل عن ملاذ آمن لجسده الذي مزقته طلقات المركزيات الكبرى ، ليكتمل الجزء الثالث من مؤلفاته الذي اجترحت له مسمى جديد هو ، حينما يذوي الجسد .