حسين قدوري الفنان كبير المقام الذي أخذته الطفولة إلى عوالمها

حسين قدوري الفنان كبير المقام الذي أخذته الطفولة إلى عوالمها

د. علي حداد
كان (حسين قدوري) موسيقياً بارزاً كرس الغالب على جهوده في الموسيقى للطفولة وشعرها وغنائها، فارتقى بحسه الفني بكثير من نصوص شعر الأطفال إلى مدارج أداء جمالي متميز، مما جعلها في مساحة التناول ـ حفظاً وترديداً واستذكاراً مستعاداً ـ لدى معظم الأطفال العراقيين والعرب.

اتجه (حسين قدوري) لدراسة الموسيقى ليصبح طالباً في (معهد الفنون الجميلة) ببغداد الذي تخرج فيه العام 1960م، مستجيباً في ذلك لموهبته التي لم يشأ أن يفرط بها، ولرصانة توجهاته الفنية مبكرة الوضوح، فقد شق طريقه في معترك الحياة الموسيقية، مطوراً إمكاناته ومكانته، فأصبح بعد سنوات رئيساً للفرقة الموسيقية في دار الإذاعة والتلفزيون العراقية، وعضواً في الفرقة السمفونية الوطنية، وخبيراً لدى أكثر من قطر عربي في المجال الموسيقي، مواصلاً ـ في ثنايا ذلك دراسته الأكاديمية خارج العراق،وبذا يكون قد توافر على كل ما يحتاجه الفنان الموسيقي كي يصير متميزاً وكبير المقام، حين ماهى بين الدراسة الأكاديمية الجادة والممارسة العملية الملتزمة مهنياً(.وكان ـ إلى جانب ذلك الدأب الجمالي الجاد ـ باحثاً ميدانياً رصيناً في مجال الطفولة وأدائها الشعبي، ليسهم ـ عبر ما تحقق له من مدرك لأهمية هذه الوجهة الثقافية ووعي بقيمها ـ في توثيقها بأكثر من كتاب، ومن ثم ليوظفها في أكثر من مجال موسيقي وغنائي متعلق بالطفولة واحتياجاتها التعبيرية والجمالية. وهكذا انصبت جهوده التأليفية والتلحينية في امجالين مهمين، الأول : موسيقى الأطفال وأغانيهم، والآخر : جمع شعر الأطفال الشعبي ـ المؤدى عبر ترانيمهم وألعابهم ـ وتوثيقه أخذاً به إلى حيث اشتغالاته البحثية والتطبيقية الموسيقية الرصينة.اللذين تضافرا عنده وأنتجا منظومة من الفكر والتنظير والجهد الميداني المثابر الذي هيأ له أن يكون الرائد في هذه الوجهة من الاشتغال، حتى أمسى مرجعاً أساساً لجميع الدارسين بعده.
أدرك الأستاذ (حسين قدوري) منذ وقت مبكر من انهماكه في العمل الموسيقي محدودية  ما نالت الطفولة من توجهات الجهد الموسيقي العراقي، فانتدب نفسه لهذه الغاية النبيلة. فما إن أصبح ـ في العام 1967م ـ رئيسا للفرقة الموسيقية في دار الإذاعة والتلفزيون حتى سعى ـ وبالتعاون مع قسم الأطفال فيهما ـ إلى تشكيل أول فرقة موسيقية خاصة بهم، أشاع من خلالها خبرته في محال موسيقى الأطفال، حيث قام بتلحين العديد من الأعمال الموسيقية والغنائية، حتى ناف جهده المنجز في هذا المجال على خمسمائة أغنية وترنيمة للأطفال، جرى تداول معظمها في المسرحيات والأغاني الافتتاحية لمسلسلات الرسوم المتحركة (الكارتون)تلك التي رددها المشاهد العربي الصغير لعقود عدة، من مثل: (عدنان ولينا، بسمة وعبدة، صفر صفر واحد، مغامرات نحول، بشار، أمين،سنان، ولد حراً)، وهي في معظمها من تأليف الأستاذ (حسين قدوري) أو منإعداده الموسيقيوكذلك كانت له إسهاماته في البرامج التلفزيونية والمهرجانات التي تخص الطفولة، تلك التي نال في معظمها جوائزها ومراتب التميز فيها، مثلما نال التكريم وشهادات التقدير عليها. ولم يغب عن باله أهمية التأليف المعرفي في هذا المجال فأصدر أكثر من كتاب فيه، منها: (الموسوعة الموسيقية)، (التربية الموسيقية للأطفال)،(سبع كراريس في التربية والثقافة الموسيقية للطفل)، (غناء الأم العراقية لطفلها)، (التعليمفي الكتاتيب العراقية) ثم ليكمل جهده المثابر والنبيل بإصدار موسوعته (لعب وأغاني الأطفال في الجمهورية العراقية).
 لا يمكن تصور اهتمام (حسين قدوري) بالتراث الموسيقي الشعبي للطفل محض مصادفة طارئة أو رغبة آنية، فلعل جملة من العوامل التي أسست لتلك الوجهة وأنتجتها، فيها ما هو خاص متعلق بالنزوع الذاتي لشخصيته، وما تمثلته من دواع ذوقية، وقبلها استدراج إمكاناتها إلى حيث التكيف مع سياق الموهبة التي أدركت توافرها عليها. وفيها ما يأتي إلى الذات من خارجها، عبر استجابات لقيم البيئة وطبيعة المكان الذي تطالعه المدركات والحواس، وتتلقى بثه المتواتر وتتأثر به وتتمثله، وتستعيده وقائع منتجة تتسرب إليها قيمه، وتستحيل جزءاً من تمثلات عطائه اللاحق. وسيلحق بذلك الرغبة اللاحة في صقل التجربة بالوعي واشتراطات تشكله المعرفية. وذلك كله مما تعلن عنه تجربة هذا الفنان في اشتغالها على حصة الطفل في الموروث الشعبي العراقي. 
وسوف يتعزز ذلك عنده لاحقاً حين أتيحت له الفرصة للدارسة في (معهد العلوم  الموسيقية التابع لأكاديمية العلوم المجرية في بودابست / هنكاريا) خلال الأعوام 1973- 1975 التي أمدت تجربته بوعي مضاف لوجهة موسيقية جديدة عنده، إذ نبهته إلى الموسيقى الشعبية وأهمية توثيقها وتبويبها ودراستها، ولاسيما موسيقى الأطفال تلك التي كرس لها سنوات من الجهد الصادق في الجمع والتدوين والتوثيق، من خلال مسوحات ميدانية متواصلة قام بها منذ عام 1974م، وذهب فيها إلى معظم مدن العراق وأريافه، ليضع ذلك كله في كتاب من أجزاء ثلاثة ضخمة، جعل عنوانه : (لعب وأغاني الأطفال الشعبية في الجمهورية العراقية) الذي لم يكتف فيه بتدوين النص وشرح مفرداته، وطبيعة اللعبة أو المناسبة التي يجري تداوله فيها، بل ذهب إلى تدوين النوتة الموسيقية لكل نص منها.
     حدد الباحث (حسين قدوري) في مقدمات كتبه الدوافع التي دعته إلى تكريس جانب كبير من جهوده في جمع أغاني الأطفال الشعبية وترانيمهم، وقد تمثلت عنده في :
ـ ما أحدثه التحول السريع الذي شمل معظم نواحي الحياة العصرية، فأدى إلى اختفاء معظم الموروثات الشعبية، ومنها لعب وأغاني الأطفال.
ـ إعطاء الجيل الجديد صورة حية وواضحة عن الألعاب الشعبية التي كان يمارسها الأجداد والجدات والآباء والأمهات في مرحلة الطفولة.
ـ إن جهده هذا ـ طبقاً لما وصفه ـ"سيكون مرجعاً ومصدراً مهماً من مصادر البحث في عادات وتقاليد ومعتقدات الشعب العراقي، إضافة إلى كونه نواة للدراسات الاجتماعية والاقتصادية، لأنه دراسة لجزء مهم من الثقافة الشعبية، وذلك من خلال العلاقة والترابط بين الموروثات والثقافة الشعبية".
ـ حماية ذلك الموروث من التشويه الذي أصابه  بسبب"جهل بعض الملحنين في التعامل معه، حيث شوهت بعض جوانبه نتيجة الممارسات المخطئة، حتى بات من المستحيل التعرف على الأصل". 
ـ سيكون عملي هذا ـ يقول حسين قدوري ـ رافداً من الروافد الأساسية في إغناء المؤلف الموسيقي العراقي والعربي. وبالفعل ـ وبعد صدور الجزء الأول عام 1980م ـ فقد استفاد منه العديد من المؤلفين والموسيقيين».
ويضيف :"إن البحث في دورة حياة الطفل منذ ولادته وحتى سن الشباب ـ من خلال تقصي ألعابه وأغانيه الشعبية ـ يعد  وصفاً قد يكون متكاملاً لحالة ذلك المجتمع المتمثلة في تقاليده وعاداته وطقوسه التي يمارسها".
ـ مسعاه الجاد  في أن يجعل لعب وأغاني الأطفال الشعبية"رافداً من الروافد الأساسية في انبثاق المذهب العربي الموحد للتربية الموسيقية، مع الأخذ بنظر الاعتبار الخصوصية المحلية لكل قطر عربي».
وفي آخر المطاف لا يفوته أن يؤشر ـ من بين دوافع توجهه ـ حميمية الانتماء ـ انتمائه ـ إلى هذا التراث الخصيب، وإلى بيئته المعطاء،وما استتب لذلك من دافعية فاعلة عنده
 وإذ يتأمل المادة  التعبيرية التي وفرتها له مسوحاته الميدانية في هذا المجال فقد لفتت انتباهه السمات التي تؤسس لطبائع البيئة التي أنتجت ذلك، والكيفيات التي عبر أفرادها عن ذواتهم من خلالها، وهم يرثون عصوراً طويلة من المماحكة الإنسانية المتفاعلة والمنفعلة بكل ماهو حولها. إن المجتمع العراقي ـ طبقاً لما قرره ـ يتكون من أنسجة متينة"تزداد قوة كلما ضريت جذورها في العمق، وهذه الأنسجة تتكون من (العادات) و (الأعراف والتقاليد) و (القيم) و (التراث الشعبي)، ومن تلاحم هذه الأنسجة وتعايشها يتكون الهيكل العام للمجتمع العراقي".
ويبدو أن هذه المقومات ـ من التقاليد والعادات والطقوس ـ وهي تتمثل في الممارسات الطفلية ونصوصها ـ قد تنافذ حضورها على مساحة التكوين الاجتماعي العراقي، مما جعلها تكاد تتماثل وتتشابه في كافة مناطق العراق، مع شيء من الاختلاف والتباين المحلي، تبعاً للموقع الجغرافي أو البيئي لهذه المنطقة أو تلك.ولكن ذلك لايمنع ـ عنده ـ من حركيتها خارج المحيط الذي حدده لها، لتبدو ذات تشابه كبيرمع ماهو موجود في بقية الأقطار العربية، وبصورة خاصة في قراها وأريافها. ومما لاشك فيه أن هذا التماثل والتشابه لم يكن عفوياً أو مصادفة بل ناتج عن أصل واحد مشترك. ربما أدى إلى تشابه تلك الألعاب على صعيد يشمل كثيراً من بلدان العالم  العالم.وتعليله ـ عند الباحث ـ يتجلى فيما يتمثله (مفهوم التربية الطفلية عموماً) أي من منطلق تشابه احتياجات الطفل الشعورية وأفاق فعله وحركيته الجسدية والصوتية التي لا يختلف الأطفال الأسوياء عن بعضهم في كثير من تفصيلاتها وتدرجها المرحلي.
           كان (حسين قدوري) على مدرك بيّن من الحدود المنهجية التي ينبغي له أن يتمسك باشتراطاتها في عمله، ليرقى به إلى حيث يصبح دراسة منضبطة في أدواتها ومسارات التقصي التي تسير عليها، وأولاها تخير طريقة البحث المناسبة له، وعلى هذا الأساس فقد تخيّر عملية المسح الميداني وسيلة لجمع مادته، عاداً هذه الوجهة هي جزءاً من البحث الوصفيالعلمي الدقيق.

        لم يكتف الأستاذ (حسين قدوري) بجمع أكثر من مائتي نص ولعبة من أغاني الأطفال الشعبية في العراق ولعبهم، باذلاً جهده في توثيق مناسبة كل منها، وشرح بعض مفرداتها، ثم (تنويطها) موسيقياً، بل قدم ـ وهو يتفحص تلك النصوص التي توافر عليها ـ فكراً قرائياً جاداً لكثير من الظواهر المتعلقة بالأدب الشعبي عامة، وبشعر الأطفال وألعابهم خاصة.
إخيراً...لقد أنجز الأستاذ الراحل (حسن قدوري) خلال مراحل حياته الخصيبة العطاء ما ينسب إليه وحده من نبيل المقاصد والفعل المعرفي والجمالي الخلاق، عبر توجهه الدائب ـ لسنين طويلة ـ نحو الطفولة وما يعزز وعيها وذائقتها من الجهد الموسيقي الذي جمع فيه بعدين من احتياجاتها، الأول :التراثي الذي رصده ووثقه وأعاده، ليتنفس حيوية وجوده، حين دونه نصاً وإيقاعاً وممارسة حركية متداولة، مستخدماً طرائق التوثيق الميداني العلمية في عمله عليها، مستعيداً بذلك بعض ما استقر في ذاكرته  من ألعاب طفولته، ومماهياً بينها وطفولة البيئة الشعبية العراقية، وما كان لها مما انعدم تداوله في حياتها الراهنة. وذلك  جهد أصيل، لابد للدراسات الثقافية أن تعود إليه أكثر من مرة، لتضع ما توافر عليه بين يدي توجهاتها القرائية الجادة، كونه مساحة استقراء مهمة لاستجلاء جوانب من تكوين الشخصية العراقية وموروثاتها الأخلاقية والثقافية والاجتماعية.
أما الجانب الآخر الذي لا يقل حرص الأستاذ الراحل عليه فتمثل بجهده الذاتي الثر واللافت من أغاني الأطفال وترانيمهم التي كانت تندرج في مسعاه التربوي والجمالي ووجهته المتأملة بوعي حصيف لاحتياجات الطفولة واستيعاب حسها الجمالي المرهف
لقد عايشت تجربة (حسين قدوري) في متحققها ـ وفي كلا الجانبين ـ حس الطفولة وبراءتها، والصدق الشعوري الذي يتردد في نصها، وجرأتها في التحرر من سطوة الكبار، وتحكمهم العقلاني الصارم، ونشاطها الحركي الذي لايمكن تخيل أدائها الصوتي بدونه. وفي الحالين كان (حسين قدوري) مبدعاً كبير المقام، وتربوياً بعيد الشأو فيما ارتكنت إليه إمكاناته من الوعي والخبرة والانجاز.
         لقد كان الهدف التربوي ـ من خلال توظيف الموسيقى ـ أعلى مراتب المسعى الذي أنتدب هذا المثقف النبيل نفسه وجهوده إليه، داعياً إلى اعتماد ذلك في مناهج الدراسية وسواها، ولكنه رحل عن الدنيا، ولم يشهد ذلك عياناً.