جون ستيوارت ميل في عن الحرية :  حرية الفرد مطلقة ما دامت لا تتعدى على حرية الآخرين

جون ستيوارت ميل في عن الحرية : حرية الفرد مطلقة ما دامت لا تتعدى على حرية الآخرين

عبد الاله النعيمي
"الحرية"مفردة  تثير استجابات عاطفية حادة في تاريخ الشعوب وتقاليدها الثقافية من"الماغنا  كارتا"أو الميثاق العظيم الذي صدر في انكلترا قبل اكثر من 800 سنة مقيداً  سلطات الملك الى الاعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في عام 1948 مروراً  بشكسبير وتوق بطله كاليبان الى الحرية في مسرحية"العاصفة".

وحين تناول جون ستيوارت ميل فكرة الفرد الحر والسيد في كتابه"عن الحرية"فإنه كان ينهل من تراث بلاده وتقاليد ثقافية أخرى.  ولكنه كان يقطف ايضاً مما أثمرته أعمال مفكرين أحدث عهداً مثل توم بين وآدم سمث ووليام غودون وإن كانت لديه أجندته الفلسفية التي تختلف عن أسلافه.
وكانت هذه التقاليد، الشعبية والراديكالية، تحتفي بشيء قريب، الى حد الخطر على الحكام، من الحالة الطبيعية.  وكان هدف ميل الواعي ان يحول فكرة الحرية الى نظرية فلسفية محترمة والتعبير عنها بشكل يمكن ان يتعايش مع الثقافة الفكتورية والمجتمع الفكتوري من خلال إنعاش الحياة السياسية ولكن دون ان يخضها. وكتب ميل"ان موضوع هذا المبحث ليس ما يُسمى"حرية الإرادة"التي توضع على نحو مؤسف في مواجهة مبدأ الضرورة الفلسفية ذي التسمية المغلوطة، بل الحرية المدنية أو الحرية الاجتماعية:  طبيعة السلطة التي يمكن ان يمارسها المجتمع على الفرد وحدودها". 
لم يكن هناك أنسب لمواجهة هذا التحدي من جون ستيوارت ميل الذي بعد ما تلقاه من تعليم استثنائي برز بوصفه فيلسوفا/اقتصادياً كبيراً في عصره.   وبعد سنوات تذكَّر رئيس الوزراء البريطاني المحافظ آرثر بلفور زميله ميل من ايام دراسته في كامبردج قائلا"كانت له هيبة في الجامعات الانكليزية تُقارن بهيبة ارسطو في العصر الوسيط".
استوحى ميل وضعه الشخصي الخاص في كتابة"عن الحرية".  فهو بعد ان رفض والده الذي أخضعه لتربية غريبة، اقام"صداقة مثلى"مع هاريت تايلور، التي كانت امرأة متزوجة ذات افكار بوهيمية عن الحب والزواج والطلاق.  وعلى امتداد علاقة استمرت 20 عاماً لم يتمكن ميل وعشيقته من الزواج الى ان توفي زوجها تايلور في عام 1849.  وحين تزوجا اعتكفا في الضواحي ليعيشا حياة خاصة مقطوعة عن التقاليد والأعراف والامتثال لها ومهجوسين بأسرار الموت وحتميته.  وكان ميل صريحاً في الاعتراف باستلهام هذه الأفكار حين كتب"عن الحرية".  وقال"لدينا قدرة يجب ان نحاول استخدامها استخداماً مفيداً خلال السنوات القليلة المتبقية لنا". 
كان عام 1859 عاماً متميزاً في التقليد الأدبي الانكليزي.  ففيه نُشر عمل دارون"اصل الأنواع"ورواية تشارلس ديكنز"قصة مدينتين"وكتاب صاموئيل سمايلز"مساعدة ذاتية"وانضم الى هذه الانجازات العلمية والأدبية كتاب ميلز"عن الحرية"بوصفه عملا كُتب باسلوب رائع عن"مبدأ بسيط جداً"، طرحه على النحو الآتي:  ان الغاية الوحيدة التي يكون فيها تدخل البشرية، فردياً أو جماعياً، في حرية عمل أي فرد من افرادها مطلوباً هي حماية النفس.  والغرض الوحيد الذي يمكن استخدام القوة بصورة مشروعة من أجله مع أي فرد من افراد المجتمع المتحضر، على الضد من إرادته، هو دفع الأذى عن الآخرين".
ما يعقب هذا القول شرح معقد لهذا"المبدأ البسيط جداً"في مجالات مختلفة ـ الفكر، النقاش، الفعل ـ حيث يذهب ميل الى ان حرية الفرد يجب ان تكون مطلقة طالماً انه لا يتعدى على حرية الآخرين. 
من المحتم ان تكون هذه الحرية مشروطة للحفاظ على السلام الأهلي برأي ميل ولكنه بوصفه فردانياً من الطراز الأول، لا يكف عن إعلاء سيادة الانسان الحر الذي يجب ألا يكون عبداً للأجر الذي يتقاضاه عن عمله أو مجرد ترس في آلة صناعية عملاقة.
 يعبر ميل عن ايمانه الراسخ بالانسانية في"عن الحرية"بالقول"ان الطبيعة البشرية ليست آلة تُبنى وفق نموذج ما وتُعد لأداء العمل المحدَّد لها على وجه الدقة بل هي شجرة تحتاج الى ان تنمو وتطور نفسها من كل الجوانب حسب منحى القوى الداخلية التي تجعل منها كائناً حياً". 
ومما قاله ميل ايضا"ان هناك من الأسباب الوجيهة ما يجعل من الضروري ان يكون البشر احراراً في تكوين الآراء والتعبير عن آرائهم بلا تحفظ، وتكون العواقب وخيمة على المثقف ومن خلاله على طبيعة الفرد الأخلاقية ما لم تُمنح هذه الحرية أو تُفرض رغم المنع.  ولنعاين تالياً ما إذا كانت الأسباب نفسها تتطلب ان يكون البشر احراراً في العمل بموجب آرائهم ـ تنفيذها في حياتهم بلا معوقات، مادية كانت أو أخلاقية، من أقرانهم البشر ما داموا يفعلون ذلك على مسؤوليتهم ويتحملون نتائج افعالهم". 
هذا كله يقود ميل الى خلاصة موجزة عن دور الدولة حين يقول"ان قيمة الدولة هي على المدى البعيد قيمة الأفراد الذين يشكلونها، وان الدولة التي تختزل مصالح تطورهم الفكري ورقيهم الى مهارة ادارية أو ما يشبهها من خلال الممارسة في تفاصيل المعاملات، والدولة التي تقزّم أفرادها ليكونوا أدوات طيعة بأيديها حتى لو كان ذلك من أجل أغراض نافعة، ستجد ان لا شيء كبيراً يمكن ان يتحقق في الواقع برجال ضئيلين، وان استكمال الجهاز الاداري الذي ضحت من أجله بكل شيء ليكون الجهاز الأمثل، لن يُجدي نفعاً في نهاية المطاف".
بعد عقد على صدور كتاب"عن الحرية"نشر ماثيو آرنولد كتابه"الثقافة والفوضى"الذي اعتبره البعض رداً  مفحماً  على مذهب ميل.  وذهب آرنولد الى ان"عمل المرء ما يحلو له"يعني منحه حق"السير حيث يشاء والدخول حيث يشاء والتزمير كما يشاء والتهديد كما يشاء والتهشيم كما يشاء".  وكان ذلك بداية رد فعل في العصر الفكتوري على دفاع ميل العاطفي والمدروس عن حقوق الفرد.  وهو سجال ما زال محتدماً بلغات مختلفة حتى يومنا هذا.