فى صُحبة الدكتور رفعت السعيد

فى صُحبة الدكتور رفعت السعيد

مراد وهبة
تزاملنا فى مجلة «الطليعة» منذ صدورها فى أول يناير 1965 بناء على مطلب من رئيس الدولة جمال عبد الناصر، ومع ذلك اشترط عدم تدخل الرقيب أو أى مسئول آخر حتى لو كان الأستاذ هيكل الذى كان فى حينها رئيساً لتحرير صحيفة الأهرام مع أن المجلة تصدر عن مؤسسة الأهرام. وكان لطفى الخولى رئيس تحرير المجلة ويعاونه ميشيل كامل وعبد المنعم القصاص وسعد زهران ويوسف أبو سيف وكلهم شيوعيون أفرج عنهم عبد الناصر فى عام 1964،

 وهو العام الذى أسس فيه «التنظيم الطليعي» والذى كانت مجلة الطليعة منبراً له. وفى نهاية ذلك العام دعانى لطفى الخولى إلى الكتابة منذ العدد الأول، ثم المشاركة فى اجتماعات هيئة التحرير. وبعد فترة انضم إلينا رفعت السعيد وكان يدون فى صمت مع تعليقات موجزة قد تكون أحياناً ساخرة.
وإثر غلق الرئيس السادات مجلة «الطليعة» فى عام 1977 واصلنا اللقاء فى «دار الثقافة الجديدة» لمالكها ومديرها محمد يوسف الجندي. وكان رفعت السعيد عضوا معه فى حزب حدتو. وكنت أنا متعاطفا مع مدير الدار بحكم أن الدار قد غامرت بطبع «المعجم الفلسفى» الذى أمضيت سبع سنوات فى إعداده للنشر وذلك بسبب تهديد أى دار نشر توافق على نشره. وأظن أن سبب هذا التهديد مردود إلى أن أربعة من كبار أساتذة الفلسفة أصدروا كتابا عنوانه «مصطلحات الفلسفة» (1964) اقتصروا فيه على وضع المقابل العربى للمصطلح الافرنجى دون تعريفه ودون شرحه. وقد قالوا إن هذا الكتاب تمهيد لمعجم شامل يشتمل على تاريخ المصطلح مع ايراد النصوص المؤيدة. إلا أن هذا المعجم لم يصدر حتى الآن. وكانت اللقاءات تضم قيادات حدتو فيما عداي، إذ كنت متعاطفا أكثر منى ملتزما. والجدير بالتنويه فى هذه اللقاءات أنه عندما يحدث اختلاف فى الرأى بينى وبين رفعت السعيد كان يقول لى عبارة مأثورة «يا دكتور نحن لسنا فى الجامعة». والمغزى أننى أكاديمى منعزل عن النشاط السياسى والحزبي، إلا أن هذه العبارة كان يرددها أيضا لطفى الخولى إذا حدث خلاف فى الرأي. وكنت فى كل هذه الحالات ألوذ بالصمت حتى تنتهى الجلسة. وعندما أصدر الرئيس السادات قرارا بتأسيس الأحزاب تأسس «حزب التجمع"فى نهاية عام 1976 وكان يضم أربعة تيارات سياسية «الناصرية والإسلامية والماركسية والقومية». وكان لكل تيار نسبة مئوية من الأعضاء. وإثر الانتهاء من تأسيس الحزب فى سياق النسب المئوية المقررة لكل تيار قال لى لطفى الخولي: « للأسف لم نجد لك مكاناً فى الحزب فقد امتلأ». والمفارقة هنا أن صحيفة الجمهورية نشرت خبراً مفاده أننى انضممت إلى الحزب فسألت رفعت السعيد: إيه الحكاية؟ أنا لم أملأ استمارة العضوية، ولا أنا اقترحت على أحد أن أكون عضواً فى الحزب. وكان جواب رفعت السعيد المقتضب: «خطأ صراع"وامتنع عن الافصاح فاكتفيت بما قال. ومع ذلك فقد كنت على علاقة حميمة مع بعض قياداته، وكان الذى يخبرنى بما يدور فى الحزب هو الزاهد الشيوعى يوسف أبو سيف. وذات يوم دار الحوار الآتى بينى وبينه فى سياق ترشح رفعت السعيد لرئاسة الحزب للمرة الثانية:
قلت: هل ستنتخب الدكتور رفعت السعيد؟
قال: لا أريد ومع ذلك سأنتخبه لأن حزب التجمع بدونه لن يكون له وجود. ومع هذه الاجابة دار فى ذهنى ما أتصوره علاقة جدلية بين العامل الموضوعى والعامل الذاتي. وهذه العلاقة تعنى وحدة وصراع الأضداد، أى تعنى أن ثمة تضاداً بين طرفين نؤلف بينهما. وتأسيساً على ذلك يمكن القول إن العامل الموضوعي، فى حالة رفعت السعيد، هو التجمع فى تياراته الأربعة المتنوعة، وفى علاقته بالأحزاب السياسية الأخرى من حيث الاتفاق والافتراق. أما العامل الذاتى فهو رفعت السعيد ذاته فى تعامله مع هذه التيارات. وهو فى هذا التعامل يتجاوز الحد الذى ينبغى ألا يتعداه بصفته رئيساً للحزب. فالحزب يضم التيار الإسلامى ومع ذلك فإنه يهاجم الإخوان المسلمين أو ما يطلق هو عليهم مصطلح «المتأسلمون». وهو فى هذا الهجوم يقترب من السلطة السياسية فى موقفها من هؤلاء ويبتعد عن الحزب الذى يرأسه. ومع ذلك فإنه ينتخب للمرة الثانية. وتأسيساً على ذلك كله هل يمكن القول إن رفعت السعيد نسيج وحده؟
أظن أن الجواب وارد فى كتابين أحدهما عنوانه «أزمة الفكر العربى والإسلامى». وفى الإهداء كتب العبارات الآتية:
الأستاذ الدكتور مراد وهبة
لا أجد ما أقوله لك سوى ما قاله غاندي: «يتجاهلونك ثم يستخفون بك ثم يهاجمونك ثم تنتصر». وأظن أن ما قاله عنى يمكن أن يقال عنه ويعنى به أن التطور لا يرحم فالبقاء للأصلح وما يتبقى يتحول إلى حفريات.
أما الكتاب الآخر فعنوانه «مصر... التنوير عبر ثقب إبرة». وهو فى هذا الكتاب يقتبس عبارة من كتابى المعنون «جرثومة التخلف"وهى كالآتي: كلما زاد عدد المحرمات ازداد تخلف المجتمع. والمقصود بالتخلف هنا هو ما أراه ويراه معى رفعت السعيد وهو التخلف الحضارى وليس التخلف التكنولوجي. فمهما نستورد من أدوات تكنولوجية والعقل فى حالة غياب فالتخلف فى طريقه إلى النمو. الجرأة فى إعمال العقل فى جميع المجالات هو الكفيل وحده بتخطى حاجز الخرافة والأسطورة والقفز فوق خمسة قرون من التخلف. وهذا هو معنى التنوير الذى يلزم تأسيسه من غير وهم بأنه قائم ولكن بوعى بأنه قادم إذا التزمنا سلطان العقل، وإذا التزم حزب التجمع بأن يكون فى صحبة الدكتور رفعت السعيد.

عن صحيفة الاهرام