الشيخ الوائلي في رسالة جامعية

الشيخ الوائلي في رسالة جامعية

عرض/ عراقيون
بوصفه موضوعا لم يتم تناوله في دراسة اكاديمية علمية مستقلة، فضلا عن إن تناول هذه الشخصية بالدراسة والتحليل تسلط الضوء على تاريخ العراق في أدق مرحلة من مراحله التاريخية التي تشمل النصف الثاني من القرن العشرين، والسنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين. تأتي اطروحة الدكتور غانم نجيب عباس التي صدرت مؤخراً والموسومة بـ(الشيخ الدكتور احمد الوائيلي.. مفكراً.. مربياً.. خطيباً.. وشاعراً)

 لتتناول شخصية الوائلي بجوانبها المختلفة، سيرته ودوره في الحياة الفكرية والاجتماعية في العراق للفترة من (1928 – 2003).
وهي فترة حافلة بالاحداث والمتغيرات السياسية التي ألقت بظلالها على حياة الشيخ العامة، وكانت جزءاً لا يتجزاً من همه الوطني والانساني، ويرى المؤلف في شخصية الوائلي انها شخصية دافئة شفافة اثرت في تفكير جيل كامل من الناس الذين كانوا يتطلعون الى من يحرك قيم الفضيلة والايمان، وحب الحياة المتطلعة الى غد افضل، والعمل من أجل الآخرة، وزرع المثل والقيم الانسانية العليا التي تنأى عن الاستغلال والعنصرية والطائفية المقيتة، وبقية الامراض الاجتماعية التي باتت تلاحق الانسان، ونحاول ان نصبح جزءاً من تكوينه الفكري فكان الوائلي بحق لسان أهل البيت الناطق، وجاءت محاضراته الفكرية العميقة التي لا تكتفي برصد الظاهرة الاجتماعية وتحليل المضامين الحقيقية للاسلام من مضانه الاصلية فحسب، وانما تغوص في العمق الانساني لتثير الحوافز المبدعة والقدرة على فهم الطابع الابداعي في الاسلام ودور العقل في توجيه تفكيره لما فيه خير المجموع والانسانية وتؤكد الدراسة ان الشيخ الوائلي سار على نهج سيد البلغاء وإمام المتقين سيدنا علي بن ابي طالب (ع) الذي قال (لاشيء عبد به الله افضل من العقل)، لذلك لم يكن من قبيل الصدفة ان يجعل الوائلي العقل هادياً لطريق الصواب، وتخليص الاسلام من الادران التي لحقت به، والشوائب التي علقت باطرافه، وتأسيساً على ذلك اختار المؤلف هذه الشخصية الفكرية لتكون محورً اساسيا لاطروحته التي تالفت من مقدمة واربعة فصول وخاتمة.. حيث تطرف الفصل الاول الى البيئة العامة للنجف الاشرف بوصفها النبع الأول الذي عاش في كنفه الشيخ الوائلي، فمتناول الفصل في مبحثه الأول تسمية النجف وموقعها ونشأتها، في حين عرض المبحث الثاني بيئتها الفكرية والدينية، في حين اختص المبحث الثالث بالبيئة السياسية للنجف الأشرف.
وخصص المبحث الرابع لتناول البيئة الاجتماعية وابرز العوائل والأسر في هذه المدينة العراقية المقدسة.. وبحث الفصل الثاني ولادة احمد الوائلي ودراسته وحياته العلمية وشعره عبر اربعة مباحث، اختص الأول منها بولادته وتسميته وعشيرته، في حين تطرق المبحث الثاني لدراسته الاكاديمية والحوزوية، وعرض المبحث الثالث لحياة الوائلي العلمية، اما المبحث الرابع فاختص بشاعرية الوائلي.. وما للشيخ من دور في مجال التفسير العلمي للقرآن الكريم، فقد فسر عدداً غير قليلة من سور وآيات القرآن الكريم تفسيراً علميا ينسجم مع روح الشريعة الاسلامية ومنطق العلم.. وكان للوائلي دور اساسي في نشر الفكر الاسلامي والدفاع عنه سواء من خلال محاضراته او عبر كتبه التي الفها لهذا الغرض، وطور الوائلي المنبر الحسيني بما ينسجم مع مهماته الكفرية واهدافه العظيمة، فلم يتوقف عند حدود ما وصله هذا املنبر سابقاً، وإنما اضاف اليه جوانب كان يتفقد لها سابقاً، وبين المؤلف حرص الشيخ الوائلي في محاضراته وكتاباته على تجاوز المذهبية الضيقة والتعصب والانفعال، فكان بذلك من رواد الدعوة الى وحدة المذاهب الاسلامية والتقارب بين الاديان، مشكلة هذه الجوانب اجملها الاطار الفكري الذي بحثه الفصل الثالث من الاطروحة الذي حمل عنوان (دور الوائلي الفكري والاجتماعي)، وتناول الفصل الرابع من الاطروحة (النتاج الفكري للوائلي) مبوباً في اربعة مباحث تطرق في الاول منها الى منهجية الوائلي في محاضراته ومؤلفاته، في حين اختص المبحث الثاني بكتابه (من فقه الجنس في قنواته المذهبية) وتطرق المبحث الثالث الى (احكام السجون بين الشريعة والقانون) بوصفها رسالة الماجستير التي قدمها الوائلي الى جامعة بغداد، اما المبحث الاخير فتطرق الى اطروحته للدكتوراه المعنونة (استغلال الاجير وموقف الاسلام منه) التي نال بها درجة الدكتوراه من كلية دار العلوم في جامعة القاهرة، وتضمنت الخاتمة ابرز الاستنتاجات التي توصلت اليها الاطروحة وتقييمها لهذه الشخصية الفكرية التي تعد من ابرز الشخصيات الفكرية الاسلامية التي انجبها العراق خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وكان له دور ريادي في تاريخ العراق والدول الاسلامية وأثرت محاضراته في جيل كامل من الناس، ما جعل نظاماً دكتاتورياً يجند اقلاما عدة من أجل منع تأثيره الفكري في العراقيين جميعاً.
وامتلك الدكتور الوائلي فضلا عن نبوغه وذكائه المنقد، قابلية التأثير في مستمعيه من خلال اختياره مقدمة لموضوعه وآية تدعم آراءه، ومعلومات شمولية تتلاءم مع وعي المستمع وإدراكه السهل الممتنع قريبة من الذهن، ومؤثرة لا تبعث على الملل، وإنما تجذب السامع للاصغاء إليها وتشده الى مضامينها لأهميتها وحيوتها وتناولها قضايا لازالت تثير الجدل بين المفكرين وعامة الناس..
وأشار الباحث في اطروحته ايضا الى ان الشيخ لم يكتف بالقراءة في المنبر الحسيني والتقيد بهذه المهمة الحيوية، وانما دخل ميدان التأليف من اوسع ابوابه، فاختار موضوعات في غاية الاهمية ومازال الجدل حولها مستمرا مثل (نحو تفسير علمي للقرآن) و(هوية التشيع) و(تجاربي مع المنبر) و(من فقه الجنس في قنواته المذهبية) وغيرها من المؤلفات التي تميزت بعلميتها وعمقها الفكري وشموليتها.. لقد جاءت دراسة الدكتور غانم نجيب عباس معمقة وشاملة ولعلها الدراسة الأولى التي تعني بالشيخ الوائلي وتتخذ من المنهج العلمي الاكاديمي منحى لها بوصفه واحداً من ابرز المفكرين الاسلاميين لا في العراق فحسب، وإنما على الصعيد الاسلامي، ولكنه سجل تقصيراً على الشيخ المرحوم الوائلي في عدم إقامة مركز او مدرسة لتخريج الخطباء يعوضون النقص الذي قد يحدث نتيجة وفاة رواد المنبر الحسيني، او هجرتهم، مستشهداً بالفراغ الذي نجم عن انتقال الشيخ الوائلي الى جوار ربه الكريم خير دليل على انه لم يخلف حسب رأيه من يعوض مكانه في الابقاء على حيوية هذا المنبر وقدسيته..