شجاع العاني: التعليم الجامعي غير قادر على أن يخلق نقاداً

شجاع العاني: التعليم الجامعي غير قادر على أن يخلق نقاداً

لقاء اجراه:سعدون هليل
في البدء سنعرف بالناقد العاني فنقول إنه من مواليد الأنبار 1940 عمل في التعليم منذ 1963 وانتقل الى الخدمة في جامعة البصرة عام 1976 وله من الكتب:
1- المرأة في القصة العراقية 1972
2- الرواية العربية والحضارة الأوربية/ سلسلة الموسوعة الصغيرة 1979.

3-  في أدبنا القصصي المعاصر 1989
4- البناء الفني في الرواية العربية في العراق/ بناء السرد 1994.
5- البناء الفني في الرواية العربية/ الوصف وبناء المكان.
6- قراءات في الأدب والنقد 2000.
نشر عشرات المقالات في الصحف والمجلات العراقية، واشرف على العشرات من طلبة الماجستير والدكتوراه، وهو الآن أستاذ النقد الأدبي في جامعة بغداد..
هو واحد من أبرز المثقفين في النقد الأدبي، أكاديمي مرموق منذ بداياته عام 1976، والثقل الذي حققه في النقد والابداع، متميز وشهرته لم تقتصر على العراق، وانما تعدتها الى العالم العربي، وهو القائل:”بفضل محمد خضير عليّ اذ شعرت اني ناقد حقيقي بفعل فنه العالي”له الكثير من المؤلفات والمقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية، أشرف على العشرات من طلبة الماجستير والدكتوراه.
وفي هذا الحوار، تطرق العاني الى دور النقد وعلاقته بالنص الأدبي، ومهمة المثقف في المجتمع.
* عن المنهج الاجتماعي في النقد.. كنت ضمن تياره، وانتجت فيه دراستك عن المرأة في القصة، ثم بدأت بالتحول نحو منهجية التجريب في دراستك لقصة”الصرخة”لمحمد خضير.. هل جمعت الأكاديمية عندك بين رؤيتي المنهجين؟
ـ كتب”المرأة في القصة العراقية”عام 1964 وطبع عام 1973 للمرة الأولى، وكتب مقال”محمد خضير ومغامرة القصة العراقية”بعد صدور”المملكة السوداء”مباشرة عام 1972، اذن بين العملين عقدان من الزمان تغيرت فيهما أمور كثيرة، وانحسرت الموضوعات الواقعية الخاصة بالخبز والدواء ومشاكل الفقراء المادية، تلك التي وجدناها عند عبد الملك نوري، غائب طعمة فرمان، عبد الرزاق الشيخ علي في الخمسينيات، وبرغم أن ابطال محمد خضير معظمهم من قاع المجتمع ومن النساء إلا أن طبيعة الهموم التي تناقشها قصته تغيرت كثيراً عنها عند اسلافه القصاصين المذكورين، فضلاً عن أن فنان مثل محمد خضير يفيد من السينما والفنون التشكيلية، ويؤسس لحقبة جديدة وحساسية جديدة في القصة العراقية، ابرزها الاحتفال بالسحري والمدهش والفانتازي، دون تغييب الواقعي، هذا الفن كان لابد من ادوات نقدية جديدة مؤهلة لفهمه.
خذ قصته العظيمة”المملكة السوداء”التي يتناص فيها القاص مع عمل عالمي شهير من عصر النهضة في ايطاليا وهو الكوميديا الإلهية وبخاصة”الجحيم”إن شخصيات القصة هم من قاع المجتمع، ولكن مشكلة بطلها”علي”ليست الطعام أو التعليم أو الدواء، بل اصبحت مسالة إنسانية وكونية وهي أعمق بكثير من مشكلات أسلافه في”العاملة والجرذي والربيع”أو”شمس وعصيدة”أو، أو، ان فن محمد يضرب على وتر يتجاوز اليومي العادي الى ما هو جوهري وكلي في النفس البشرية. (علي) مات أبوه الذي تزوج من غير أمه، ولم يره، يذهب الى جدته وهي في حال احتضار، يبحث في اشياء أبيه وصندوقه الصغير، ويعثر على صورة قديمة لأبيه مع اشيائه البسيطة الأخرى، لكن فرحة الطفل برؤية أبيه لم تكتمل، لأن الزمن محا معالم وملامح وجه أبيه. اصبحت مشكلة هؤلاء الفقراء، هي هذه الحيوات التي يبددونها وسط جحيمهم الخاص أو حيواتهم المليئة بالضعة، وأصبح السؤال الاجتماعي يتعانق مع السؤال الكوني في فن جديد اطلق عليه القاص مصطلح الواقعية الافتراضية، واسميناه الواقعية السحرية، فلم تكن الأدوات النقدية الاجتماعية البسيطة قادرة على الامساك بهذا الفن، كذلك الأمر في قصة الصرخة التي ذكرتها انت والتي اعتمدت على لوحة لفنان مكسيكي بعنوان (صرخة طفل) وعلى”الساحرة”لهنري روسو. ليست هناك شخصية بشرية في القصة، هناك عين واصفة من خلال زجاج شاحنة لشوارع مدينة في يوم ممطر والسماء بلون الرصاص، تنتهي بصرخة كائن هلامي غير مجنس توشك الشاحنة ان تدهسه. أنها قصة واقعية ضد المخاطر الكبرى في عصرنا، عصر الاسلحة الذرية والهيدروجينية، وفي ثوب فني جديد، أحدث خرقاً، ليس في القصة العراقية حسب، بل والعربية. وأنا أزعم والعالمية، بمعني أن فن محمد يرتقي الى مصاف فن أي قاص عالمي كبير، ولو ترجمت أعماله واخرجت للسينما لوجدت جمهوراً في كل بلدان العالم.
حين نشر مقال”محمد خضير ومغامرة القصة العراقية”عام 1973، تقدم مني أحد النقاد من جيلنا وقال بالحرف الواحد. هذا المقال احسن بكثير من كتابك”المرأة في القصة العراقية». هذا الناقد هو أيضاً لم يضع في حسبانه أن القصة العراقية انجبت تكرلياً واحداً ومحمداً واحداً. بعد ذلك بحوالي عقدين كتبت المقال الآخر”الكتابة بالكاميراً- دراسة في المؤثرات السينمية في أدب محمد خضير 1992”الذي نشر ضمن كتابي”قراءات في الأدب والنقد”وأنا اعترف بفضل محمد خضير عليّ. إذ شعرت انني ناقد حقيقي بفعل فنه العالي، فالنص الجيد يخلق نقاده الجيدين أم الضعيف فلا.
* أنت على صلة يومية بالطلبة.. والدرس النقدي.. وهما مسألتان كانتا ضمن توجهات الدرس الجامعي المتخصص، هل لمست في الأجيال الجديدة نماذج مثلما كنتم أنتم طلبة كليات؟ أم أن التعليم الجامعي لم يعد مؤثراً أو فاعلاً في تنمية الذوق الأجنبي، ولم نقل النقدي؟
ـ لا بالأمس ولا اليوم التعليم الجامعي قادر على أن يخلق نقاداً، والآن الوضع اسوأ من قبل، اذكر اننا تخرجنا في عام واحد ومرحلة واحدة أنا والناقد عبد الجبار عباس، والدورة التي سبقتنا بعام واحد خرجت الناقد طراد الكبيسي والشاعر الناقد والأكاديمي خالد علي مصطفى وآخرين. الآن.. عدد هؤلاء يقل بين الطلبة والسبب هو أن الكتاب المطبوع خسر مواقعه لصالح التلفزيون والكومبيوتر، وفي رأيي وسائل الثقافة الجديدة هذه قد توسع آفاق المعرفة أفقياً لكنها تقلصها عمودياً، إنها تمنح ساندويجاً ثقافياً لا وجبات دسمة، وربما كان الكتاب المطبوع كذلك في عصر الطباعة فقد نشر الكتاب العلم والمعرفة وخلق ديمقراطية التعليم، لكنه أنهى عصر الثقافة الموسوعية التي سبقت الكتاب واتجه بها نحو التخصص الضيق. وهكذا يخلق كل منعطف جديد في المعرفة والثقافة. طبعاً هناك من الطلبة اليوم من هم افضل منا معرفة وأطول باعاً لكن عددهم في تناقص. كما أن ناقدي الأدب المعروفين لم يكونوا نقاداً لأنهم خريجو جامعات، بل إن جهودهم الذاتية هي التي خلقت منهم نقاداً، وإن كنا لا نغفل فضل أساتذتهم في دفع هذه المواهب الى أمام.
المؤسسات التعليمية ذات مناهج قديمة بالية غير حوارية، قائمة على الرأي الواحد والصوت الواحد، وطرائق التعليم تتم عن طريق التلقين وحفظ المعلومات حفظاً ببغاوياً، بل إن العديد من الاساتذة يعيشون عصر الشفاهية اذ يطلبون الى طلبتهم حفظ النصوص ونقدها شفاهاً كما أن نظم التعليم تفتقر الى التعدد، وقد اصف لك الواقع مائة بالمائة حين اقول إن طلبة اللغة العربية لا يعرفون من الشعر الحديث سوى السياب، ولا يعرفون من السياب سوى مطلع”إنشودة المطر”لأنهم درسوها في المتوسطة ولا يعرفون من الروائيين سوى الركابي لأنهم درسوه في الكتاب المنهجي، وانك قد لا تجد واحداً بين مائة طالب وطالبة قرأ رواية أو قصة أو قصيدة حديثة. وقد تجد من يحضر رسالة الدكتوراه عن روائي لم يقرأ مؤلفاته، ولا يعرف روايات مجايليه من العراقيين أو العرب.
* الساحة النقدية العراقية مضطربة، وفيها ما يمكنه أن يتطور وفيها ما لم يتطور، كيف ترى ذلك..؟
ـ هذا قانون كل الأشياء وكل العصور وأحوال التمدن (بعبارة ابن خلدون) الجيل الجديد يولد مع ثقافة جديدة وأشكال معرفة جديدة تظهر عالمياً، بعض الأصوات تستمر وتنمي قابلياتها وبعضها يتوقف. ثمة عناصر شابة ذات صوت قوي جداً الآن في النقد. فقد قرأت كتاب الناقد الشاب سعيد المرهج تحليل النص الشعري وذهلت لسعة وعمق معرفة الكاتب، ولكن أنا اطمح الى رؤية نقاد عمليين بهذا المستوى، وهذا هو معيار النقد الحقيقي، إذ لا يطير طائر النقد بجناحه النظري ولابد من الجناح التطبيقي أو العملي، والواقع أن نقادنا مقلون، أما ما اقرأه فهو لنقاد من أجيال سابقة كحاتم الصكر وطراد الكبيسي وعبدالله ابراهيم، فاضل ثامر، مالك المطلبي.
* الأدب العراقي، هل تجد من الضروري أن يقرأ ثانية خاصة الستيني في ضوء المناهج الحديثة؟ أم تكفي بالحكم عليه بما صدر من آراء لنقاد واقعيين وأكاديميين؟
ـ الأدب والنقد العراقيان في الستينات صار جزءاً من تأريخ الأدب وهو جزء من تاريخ الحضارة، وهو يقرأ الآن في رسائل جامعية كثيراً وإن كانت ذات مستوى غير حميد. لكن أيضاً القانون واضح، الأدب الجيد يقرأ في كل العصور، وتضفي عليه العصور من لونها معانيَّ متجددة، خذ مثلاً شكسبير والمتنبي، وخذ من رواية”موسم الهجرة الى الشمال”ولا يزال يكتب حتى يومنا هذا ولن تتوقف الاقلام عن الكتابة عنها، وقد يحدث أن عصراً لا يكترث لمؤلف أو كتاب من جنس الأدب، لكن عصراً يليه ينتبه لهذا الكتاب ويوليه عناية كبيرة، كما فعل الشكلانيون الروس مع رواية (تريستام شاندي) للكاتب الانكليزي (ستيرن) فقد أعادوا الاعتبار لها، وكل ما يكتب اليوم من روايات تدعى ما بعد الرواية أو المينتافكشنن تعود لجذرها، أي رواية (شتيرن). ادب الستينيات يقرأ ويدرس لكن النقد بدرجة اقل بكثير. لكني لاحظت بضع رسائل في جامعة ديالى أعدت عن فاضل ثامر وعني وعن نقاد عرب محدثين.
* الناقد العراقي مطالب من قبل الكتاب بأن يكون حاضراً في المشهد الثقافي.. هل بقيت مهمة الناقد مثلما كانت متابعاً وقارئاً ومعلقاً؟ أم أن النقد ابتعد قليلاً عن الأدب ليعود إليه بعد أن يتسلح بالفلسفة والعلوم؟
ـ من حق المبدع الذي ينشر عملاً أن يتوق الى رؤية هذا العمل يُشهر على ألسنة النقاد، ولكن ليس من حق أحد أن يرغم الناقد على الكتابة عنه، أو يغضب عندما لا يكتب عنه هذا الناقد أو ذاك. أنا من تجربتي الكثير من القصاصين يناصبونني العداء لأني لم اكتب عنهم، وفي هذا اليوم بالذات مرَّ من أمامي كاتب معروف، وتجاهلني، لأني صوّت يوماً الى رواية غير روايته عندما عرضت الروايات للتحكيم لغرض طبع واحدة منها. الناقد يقرأ عملاً وعندما يخلق العمل استجابات ايجابية أو سلبية لابد عندئذ أن يكتب شيئاً، وقد يبتعد عن كتابة ما هو سلبي لكي لا يثير صاحب العمل لكن الاستجابة الايجابية لابد وأن تأخذ طريقها للتعبير عنها.
ثمة حقيقة، أن معظم نقاد اليوم، في العالم هم فلاسفة في الوقت نفسه، وإن الفلسفة باتت تعبر عن نفسها من خلال النقد الأدبي وخاصة النقد الروائي أو السرديات وهذا سيف ذو حدين، فالأول هو صياغة جمالية للفكر وهو بالتالي على صلة وطيدة بالفلسفة، لكن غزو الفلسفة للأدب والنقد له سلبياته بخاصة في المناهج الحديثة، التي راحت تشرح النص الأدبي وتفتته، بحيث ابتعد النقد عن القراء بعد أن كان وسيلتهم لفهم العمل الأدبي وتذوقه، كما أن الارتفاع بالعمل النقدي الى مصاف العلوم الطبيعية اضرَّ هو الآخر بالنقد وباعد بينه وبين القراء، ولذا لم يعد للنقد من قراء سوى جمهور خاص ومحدود جداً، وقد سبقه الأدب، بكل أجناسه في ذلك. وسأضرب مثلا، يتغنى الشاعر بعينين جميلتين لامرأة يعشقها، والمفروض بالناقد أن يوصل هذا العشق وتأثير العينين وجمال القول الشعري الى القارئ، لكن الناقد الحديث يقدم العينين الى القارئ وقد شرحت على طبق ومعها مشرط، الشبكية والقرنية واجزاء اخرى. الواقعة العلمية شيء والواقعة الشعرية شيء آخر، وينبغي أن يضع النقاد ذلك في اعتبارهم وهم يعاينون النص المنقود.
* د. شجاع، كيف تتصورون العلاقة بين النص النقدي والنص الإبداعي؟ وما هي العلاقة بينهما؟
ـ هذا السؤال يتصل بالذي سبقه. ثمة مقولة لجلدمان أضعها نصب عيني حين أكتب في النقد. أن اسأل ماذا قال العمل الأدبي أو النص؟ وكيف قال؟ ولماذا لم يقله بالطرائق الأخرى؟ ولا يختلف النقد عندي عن المحاضرة، إذ من صفات الأستاذ الجيد والناجح ألا يكون حائزاً على المعلومة فحسب، بل أن يمتلك الطريقة المناسبة لإيصال المعلومة الى ذهن الطالب. وفي النقد اعتقد أن على الناقد ان يوصل معلوماته النظرية للقارئ دون تنطع أو معاضلة وان تكون لغته سلسة وعلى قدر المعنى وخالية من الثرثرة والترهل، والناقد الجيد هو من يتماهى مع النص المنقود ويخلق نصاً نقدياً جميلاً لا يقل في جماله عن العمل الفني المنقود. سأضرب مثلا بأبي نؤاس وخلف الأحمر حين جاء الأول يطلب من الثاني أن يعلّمه كيف يقول الشعر، فقال له: اذهب واحفظ ألف مقطوع من شعر العرب، فذهب وعاد الى خلف الأحمر، فقال له خلف: إذهب وانسها.
انا أميل الى هذا، طبعاً اعني في النقد العملي، أن افهم المناهج النقدية، لكنها يجب أن تظل في خلفية الصورة، أما النص فينبغي أن يحتل مقدمة الصورة.
* ما المصادر المعرفية التي تأثر بها النص النقدي العراقي في رأيكم؟
ـ مرجعيات النقد في العراق متعددة، ومختلفة بحسب الحقب، وفي العموم فإن مرجعيات الناقد العراقي، مرجعيات غير مباشرة، اعني، بأن ما يصدر في مصر ولبنان في الخمسينيات والستينيات عن الناقد المصريين واللبنانيين. وفي الثمانينيات انتقل المركز الى بلاد المغرب العربي، وبخاصة المغرب وتونس، وفي النقد الشكلاني كان النقد الانكليزي والأمريكي أو ما سمي بالنقد الارسطوطاليسي أو الجديد في الثلاثينيات والاربعينيات هو المصدر للعرب عموماً، وكان مصدراً مهماً لكتاب الشاعرة الناقدة نازك الملائكة.
ثم مع ترجمة الشكلانيين الروس في الثمانينيات، بدأ النقد العربي عموماً يتأثر بهذا المرجع، اما النقد الاجتماعي فكانت مصادره هاوزر وفيشر ولوكاش وأخيراً جلدمان وما سمي بالبنيوية التكوينية. ثم جاءت الثمانينيات وهي تحمل رياح النقد البنيوي الهيكلي وعرف العراقيون كغيرهم شعرية تودوروف، وآثار باكيسون، ورولان بارت ثم ما بعد البنيوية كجاك دريدا والنقاد الأمريكيين الذي كتبوا النقد التفكيكي. وهكذا فإن مراجع هذا النقد لا تحد، وهي متغيرة دائماً وفق ما يجري في العالم وفي العالم العربي.
* أي المناهج النقدية تعتقدون أنها أكثر افادة من غيرها أثناء القيام بعمل نقدي؟
ـ كل منهج من مناهج النقد يركز على جانب أو طبقة من النص أو العمل الأدبي ويهمل ما عداه، والافضل أن يقترح النص نفسه المناهج التي يمكن أن يستجيب لها، الأدب والفن يجب أن يكون لهما استقلال نسبي عن الايديولوجيا، أي أن الوظيفة الجمالية هي التي يجب أن تحظى باهتمام الناقد ثم تليها الدراسة الاجتماعية او النفسية او التأريخية
* كيف تتصورون مستقبل النص النقدي العراقي؟
ـ أي كان الوضع الثقافي، والوضع السياسي في العراق. فسيكون ثمة دائماً نقاد عراقيون، في داخل العراق وخارجه، يسهمون مع غيرهم من النقاد في المنطقة والعالم في بناء الثقافة والمعرفة، لكن من الطبيعي القول إن النقد لا يعيش إلا في البيئات الديمقراطية، وحيث توجد حريات عامة وخاصة، وسيزدهر النقد الأدبي عندما تتوفر هذه الشروط في البلد.
* ما المصادر الأدبية التي اثرت في تكوينكم الأدبي؟
ـ ربما أجبت على هذا السؤال، عندما أجبت عن السؤال الخاص بمرجعيات الناقد العراقي.
* هل يقوم المثقف العراقي بدوره في التوعية، ولن أقول في التغيير فلذلك حديث آخر؟
ـ المثقفون فئتان، فئة تتحلب ضروع المنافع في كل زمان وتشايع القوة في أي مظهر ظهرت، وهم للأسف الأكثرية، وفئة ملتزمة بالانسان وحقوق كرامته بغض النظر عن دينه او عرقه او طائفته، وهؤلاء هم المثقفون الحقيقيون وهم قلة لشديد الأسف، والفئة الاولى تغير جلدها من حقبة الى أخرى، وتمجد القوة على حساب حرية الانسان وكرامته، بالأمس واليوم، إن كثيراً من هؤلاء باعوا كلمتهم ومجدوا الديكتاتورية والحروب ونالوا جوائز وهم اليوم يمجدون المذهبية وينحازون لها. وأمامي في الصحف نمطان من المثقفين، ففي”الطريق الثقافي”كلمة لزميلنا الناقد ياسين النصير بعنوان (التاسع من نيسان تأريخ للتغيير.. ولكن) تحدث فيها عن التغيير الذي كان يأمله المثقف وعن الدولة المدنية الدستورية، دولة المؤسسات والقانون التي كان يصبوا إليها قبل التغيير، ثم جاء التغيير واذا نحن امام محنة كبرى ولدت مع الاحتلال هي هذا العنف الاهوج والبشع وامام التطاحن والخصومة المذهبية المقيتة التي يسهم فيها بعض مثقفينا للأسف. أنا أشد على يد الناقد النصير وأحييه على موقفه الشجاع. وأمامي في الصحف نمط آخر من المثقفين، عرفته جيداً، لأني عملت معه، ورأيته كيف يصول ويجول في العهد السابق، وكيف يضطهد زملاءه بل ورفاقه الذين يعملون معه إدارياً، زار في وفود رسمية قارات العالم كلها، ثم إذا به الآن –وهو الذي عرف بالحداثة والحداثوية- يرتدي مسوح الرهبان، يرتدي ثياب رجل الدين ويبرر انتماءه للعهد السابق بعدائه للشيوعية بدوافع دينية.
ثمة أذن مثقفون مغلوب على أمرهم، بعضهم يصمت خوفاً، ومن حقه أن يخاف، وثمة الى جانبهم مثقفو السلطة في كل زمان، ولكن ليس في كل مكان، وانا اذكر كيف أن أحد المثقفين وهو رسام انطباعي فرنسي رفض أن يتسلم جائزة من وزير المعارف وخاطبه قائلاً:”أنت غير مؤهل أن تمنحني جائزة في الفن”وللأسف نحن الشرقيين، نفتقر أو نكاد الى هذه النماذج من المثقفين! برغم أن علينا أن نفخر بمثقفينا التنويريين الكبار من طه حسين وحتى نصر حامد أبو زيد وعلي الوردي ومن سيأتي بعدهم من التنويريين الكبار.