شجاع العاني والمنهج النقدي الثقافي

شجاع العاني والمنهج النقدي الثقافي

علوان السلمان
لاشك أن الأدب يتمركز في أبعاد معرفية تتمثل في التجربة الأدبية ومبدعها والحقبة الزمنية والتاريخية التي أنجز فيها.. والتي يكشف عن أبعادها الفنية والمضمونية ويحقق أداتها النقد الأدبي.. كونه الحاضنة الرؤيوية التي تأخذ الناقد الى كنه النص الأدبي فيستنطق ما وراءه ويكشف عن خباياه.. باعتماده منهجاً نصياً.. تحليلياً.. تاريخياً.

والناقد شجاع مسلم العاني يرى كما نرى أن كل منهج من مناهج النقد يركز على جانب من جوانب العمل الفني.. لذا فالنص هو الذي يقترح لنفسه المنهج الذي يمكن أن يستجيب له.. وإن الوظيفة الجمالية هي التي يجب أن تتصدر اهتمام الناقد..
الدكتور شجاع مسلم العاني، الأنباري المولد  سنة 1940..هناك تعلم وترعرع.. وفي بغداد كان تخرجه الجامعي وعمله في التعليم الثانوي عام 1963.. ثم انتقاله الى الخدمة الجامعية والتدريس في جامعة البصرة عام 1976.. وهناك يشارك في تأسيس المركز الثقافي لجامعة البصرة الذي ضيّف العديد من الشخصيات المنتجة للثقافة محلياً وعربياً.. وفي نهاية الثمانينيات يؤسس ملتقى السياب.. والمشغل الفني داخل أروقة كلية الآداب نهاية التسعينيات، حيث جعل أبواب الكلية مشرعة أمام الأدباء لطرح تجاربهم الابداعية أمام الطلبة..
العاني فضلاً عن كونه أكاديمياً، فهو ناقد حداثي متميز يعد في طليعة النقاد المحدثين بما أنجزه من بحوث وما قدمه من مؤلفات إبداعية ممسكة بأدواتها النقدية بثقة عالية تكشف عن بعد موسوعي مع انحياز لموضوعية المعاصرة، وتنحصر هذه المؤلفات في:
1ـ المرأة في القصة العراقية  /1972
2ـ الرواية العربية والحضارة الأوربية /1979
3ـ أدبنا القصصي المعاصر  /1989
4ـ البناء الفني في الرواية العربية في العراق / بناء
السرد/1994
5ـ البناء الفني في الرواية العربية في العراق/ الوصف وبناء
المكان/1994
6ـ قراءات في الأدب والنقد /2000
7ـ تمرينات نقدية في التخييل أو الافتراض /2010
فالعاني في درسه النقدي ناقد يتميز بقدرته على الاسترسال ودقة الملاحظة وعمقها باختراقه اجواء الامتدادات التاريخية الأدبية وعبور الأسوار والحدود لنقل منتجات ثقافية تدل على رقي معرفيته وموسوعيته في التحليل وتفسير الممتنع بسهولة.. لذا فالعاني ناقد يستحق بجدارة أن نقول عنه أنه الناقد السهل الممتنع.
العاني يطمح الى تطبيق منهج فني ثقافي تكاملي عبر ممارساته النقدية التطبيقية واشتغالاته الفكرية مع تجاوز الانطباع الذي يقترن بالقراءات التأثيرية والغوص في ثنايا النص لغةً وتركيباً ودلالة. مع محاولة توكيد المنظور الجمالي في لغته النقدية، وتجاوز المنهجية بتبنيه المقاربات الحديثة وإفادته من البنيوية والسيميولوجيا وعلم الدلالة، لتحقيق الاستجابة للحاجات الفنية والتقنية والجمالية..
لقد اعتمدت قراءاته النقدية للمنجز السردي على بنيتين أساسيتين: أولاهما: وحدات البناء السردي. اذ تتبع وتستقرئ بنى السرد والوصف من جهة.. وبناء الشخصيات وتشكل مستويات وعيها من جهة ثانية.. إضافة الى الزمكانية والأحداث وترابطها. أما البنية الثانية فتمثلت بالمعنى.. إذ كان تتبع المشكلات الاجتماعية التي تزج الشخصية في معترك الحياة من خلال الممارسة والصراع..
لذا فهو لا ينتمي على صعيد المنهج أو الرؤية للثوابت.. بل للمتحرك في سياق التطور والمتغير.. فكان واعياً بأن الكلاسيكية والرومانتيكية والواقعية والرمزية والاسلوبية ونظرية التلقي والاستقبال والتأويل كلها ظواهر ثقافية لا تعني أدباً بعينه.. بل تتحدد تاريخياً لتشمل آداب الأمم جميعاً.. كما يقول الدكتور الناقد عناد غزوان.
فالعاني يرى أن النص يتحرك بعوامل مرئية وأخرى مخفية (مسكوت عنه) كما يسميها الناقد فاضل ثامر.. والتي يكشف عنها من خلال طروحاته النقدية التأملية التحليلية التي تعتمد على تنوع مصادره ومرجعياته المعرفية التي اتسمت بانسجامها وحساسيتها الفنية واشتغال حدسه الابداعي وذائقته الجمالية اضافة الى حفرياته في الموروث الثقافي واهتمامه بالنصوص الحديثة، لذا فاللقطة المشهدية عنده تركيب هندسي قائم على دلالة الكلمة حتى تكون مشحونة بالمعنى من خلال ارتباطها الجملي، كون العلاقة بين النص والحدث علاقة عضوية.. جدلية.. لما يكشفه النص من ابعاد مضمونية وما يحققه الحدث من قدرة على تحرير المعنى من الافتراض فيجعله واقعاً.
إن ابداع الناقد العاني في اعماله النقدية يتمثل في تميزه بين المنهج بوصفه فكرة تجريدية والعملية النقدية بوصفها واقعة تجريبية.
فالعاني في نتاجاته الأولى يعتمد المنهج النقدي السوسيولوجي (الاجتماعي) الذي كانت مصادره ارنست فيشر وجورج لوكاتش.. والذي ينطلق من الجذور الاجتماعية والمضون الاجتماعي للنص والتأثير الاجتماعي. وهذا المنهج يرتكز على منطق العصر وحاجات البيئة ومطالب الانسان ولا يكتفي بالنظر في الموضوع شكلاً بل يتجاوزه الى المضمون، وهو في ذلك يقترب من فضاء (غولدمان) في نظرته النقدية.
العاني يرى أن مادة العمل الفني لا تنبع من العمل الأدبي فحسب، وإنما ترتبط بالوسط الاجتماعي وشخصية المبدع، لذا فهو يحلل التجربة في اطارها الاجتماعي والنفسي (السايكولوجي) ومن خلال بنائها اللغوي أو التصويري، فالربط بين مختلف المناهج للاقتراب من روح النص اضافة الى تركيزه على التجربة الذاتية التي تشكل العلاقات الانسانية روحها وجوهرها، لذا فهو يرى أن النص الجيد يخلق ناقداً جيداً فهو يقول: (أنا اعترف بفضل محمد خضير علي، إذ شعرت انني ناقد حقيقي بفضل فنه العالي)  كونه أول من درس قصص محمد خضير ودرسها في الجامعة خصوصاً (المملكة السوداء).
العاني ناقد يكتب بلغة سهلة خالية من التعقيد والتقعر، كونه يتماهى مع النص فيخلق نصاً لا يقل جمالية عن العمل الفني المطروح للدراسة والنقد والتحليل امامه، فهو الذي جمع بين مهام الباحث والناقد والتدريسي الذي كان على مستوى الدرس النقدي ناقداً يطمح الى تطبيق ما يشبه المنهج التكاملي مع ميل نحو المزج بين ما هو جمالي وانطباعي بروح حداثوية