غرفة تجارة الموصل في اوائل تأسيسها في العشرينيات

غرفة تجارة الموصل في اوائل تأسيسها في العشرينيات

سفانة هزاع الطائي
تأسست غرفة تجارة الموصل عندما دعا متصرف لواء الموصل ناجي شوكت في (27 تموز 1926 - 19 آب 1927) 77 تاجراً وشركة ومصرفاً للاجتماع به في يوم 15 تشرين الاول 1926، وفي الوقت المحدد حضر من العدد المذكور 59 ممثلاً، وبعد ان ابلغهم المتصرف خبر تأسيس غرفة تجارة بغداد طلب منهم ان يؤلفوا فيما بينهم غرفة تجارية للعمل.

 وفي 28 تشرين الاول 1926، اجتمعت اللجنة الادارية لغرفة تجارة الموصل في متصرفية اللواء لانتخاب رئيس اول ونائب وسكرتير، واسفرت الانتخابات عن فوز محمد نجيب الجادر  رئيساً وسعيد جلبي الدباغ نائباً للرئيس وحمدي جلميران سكرتيراً.
عملت غرفة تجارة الموصل منذ تأسيسها عام 1926على تشجيع تجارة التصدير، وذلك بأزالة  العقبات التي تعترض طريقها، ففي عام 1927 أكدت الغرفة على ضرورة وضع رقابة شديدة على معامل تنظيف المصارين، وتحسين طرق تحضيرها، اذ كانت تلقى صادرات المصارين العراقية رواجاً كبيراً وخاصة في الاسواق الامريكية. وفي العام نفسه أفادت الغرفة في تقريرها ان الصادرات الى تركيا، قد ادت الى نقصان ما نسبته 90% خلال السنوات التي اعقبت الحرب العالمية الاولى، لأن المناطق التركية المتآخمة للعراق تستورد اغلب هذه البضائع عن طريق الموانئ السورية، لتوفر وسائط النقل مثل سكة حديد نصيبين وكذلك التسهيلات الكمركية التي هي ثمرة اتفاقية كمركية بين سوريا وتركيا، فأذا اراد تجار الموصل استعادة التجارة مع الجزيرة عليهم ايصال بضائعهم الى نصيبين بمبلغ يتجاوز تكاليف البضائع المشحونة الى الاسكندرونة والمنقولة اليها بالقطار. لذلك فقد قدم التجار الموصليين بعض المقترحات التي تعمل على تحسين وتنشيط تجارتهم مع تركيا ومنها: مد السكة الحديدية العراقية الى الموصل بأسرع وقت ممكن لتوفير وسائط النقل الرخيصة في العراق لنقل البضائع المستوردة عن طريق البصرة، وانشاء طريق جيد للسيارات الى الحدود، ووجوب تحسين المواصلات البرقية والبريدية بين البلدين، وجعل الطريق التجاري من الموصل الى تركيا بموجب معاملات كمركية خاضعة لدفع رسم الترانسيت، وقدره نصف بالمائة فقط، ((بينما يدفع في الوقت الحاضر رسم الوارد كاملاً ويسترد بضعة اثمان الرسم عند اعادة اخراج البضائع))، وتدبير امر اجراء المعاملات الكمركية في الموصل على البضائع الواردة اليها عن طريق البصرة فأرسلت الحكومة العراقية موظفاً كمركياً خاصة لدراسة ما يتعلق بالاقتراحات المار ذكرها، فكانت الحكومة العراقية ميالة الى مفاوضة تركيا حول عقد اتفاقية كمركية وتجارية معها، ولكنها انتظرت ان يبت نهائياً في خط الحدود العراقية التركية وتعيين ممثلها السياسي في انقره قبل الشروع في مفاوضات كهذه.
 وهنا لابد من الاشارة الى جهود بعض التجار الموصليين، لتحسين التجارة العراقية فعندما قدم المعتمد السامي الى الموصل عام 1929 دعت البلدية وجهاء وتجار الموصل وعلماءها لمقابلته، ومنهم ضياء يونس الذي لم يتسنَ له الحضور لهذا الاجتماع، لكنه ارسل رسالة الى المعتمد السامي، حدد فيها المطاليب الموصلية ومنها المطالبة بربط الموصل بقطار بغداد، ثم طلب تأمين الجزيرة من عبث الطامعين، واعادة العلاقات التجارية مع تركيا، وأكد ان تحقيق ذلك يساعد في تحسين حال الموصل الاقتصادية.
وخلال سنوات الازمة الاقتصادية لم تكن تجارة التصدير أحسن  حالاً من تجارة الاستيراد، اذ ان انخفاض الطلب الخارجي على منتوجات العراق الزراعية والحيوانية ادى الى ارتفاع عرض المواد وبالتالي انخفاض اسعار ها وهبوط صادراتها.. حدث في سنوات الازمة الاقتصادية هبوط في الصادرات من (6ر4) مليون دينار عام 1927 الى (6ر2) مليون دينار 1931. وبرزت ظاهرة افلاس عدد كبير من التجار. وضعف القدرة الشرائية للسكان وهذا ولد فائضاً انتاجياً لدى المزارعين، اذ حملهم هذا على عدم القيام بحصاد مزروعاتهم، وترك حقولهم، وبعضهم قام بقطع الاشجار للتعويض عن نقص الوقود الذي اصبح ظاهرة عامة في المدن والارياف، كما ان التجار تركوا ما لديهم من منتوجات زراعية  ليأكلها الدود.
وهنا لابد من الاشارة الى ان الازمة الاقتصادية لعام 1929 والتي تعرض لها العراق، لم تكن اول ازمة اقتصادية، فقد تعرض العراق الى ازمات اقتصادية كثيرة ومنها خلال سنتي 1921 و 1922، ومما زاد في الطين بلة الحواجز الكمركية التي وضعت بين العراق وسوريا وتركيا، فكان لذلك الاثر الواضح على الموصل دون بقية المدن العراقية، فبينما نجد كثيراً من المدن الاخرى قد اتصلت بسكة الحديد العراقية بقيت الموصل منعزلة لعدم اتصالها بخط حديدي ولصعوبة الموصلات ووعورة الطرق المؤدية اليها، وانخفاض مستوى تجارة الترانسيت مع ايران ومنافسة روسيا للعراق اولاً، واحتكار حكومة ايران تجارة بلادهم ثانياً.
اهتمت غرفة تجارة الموصل بتجارة الاستيراد، وعملت على تشجيعها، وتذليل العقبات التي تقف بوجه المستوردين بما يخدم مصالح البلاد، ويحمي المنتوجات الوطنية من منافسة البضائع الاوربية، ففي عام 1928، اقترح سكرتير الغرفة حمدي جلميران دعوة مدير مكتب البضائع في الموصل عبد الرزاق افندي ورئيس صنف الحياك الشماس ناصر قريزية وعدد من تجار هذا الصنف لمناقشة حالة التدهور التي اصابت المنسوجات الوطنية بسبب مزاحمة المنسوجات السورية. وبعد مناقشة الموضوع رفعت الغرفة مذكرة الى  وزارتي المالية والداخلية تتضمن بعض المطاليب ومنها اعفاء المواد الخام كالغزل والنيل الصناعي وبقية الاصباغ من الرسوم الكمركية، او تخفيض هذه الرسوم الى نسبة يتمكن من خلالها اصحاب هذه المهنة من مزاحمة المنسوجات السورية. ولتجاوز هذه الازمة، عقدت الغرف التجارية العراقية مؤتمرها الاول في بغداد يوم 23 حزيران عام 1930. وكان من نتائج هذا المؤتمر التأكيد على حماية المنتوجات الوطنية من مزاحمة البضائع المستوردة وتخفيض الرسوم على المواد النصف خام التي تستورد من الخارج وتصنع في العراق.
 وفي اواخر عام 1932، تحسنت الاوضاع الاقتصادية، فاستعادت التجارة العراقية مكانتها لأسباب عديدة منها بدء زوال آثار الازمة الاقتصادية العالمية، وانتعاش الاسواق العالمية، وانتقال العراق من مرحلة الانتداب الى مرحلة الاستقلال، أي دخوله عصبة الامم، ومع ذلك فقد بقيت تجارة الاستيراد والتصدير مقيدة بسياسة الباب المفتوح التي تضمنت تضمنت ان تعامل الدولة المنتدبة رعايا الامم جميعها معاملة متساوية في الشؤون الاقتصادية والتجارية في الاراضي المشمولة بالانتداب.

عن رسالة :الموصل في سنوات الانتداب البريطاني
 1920ــ 1932