في ذكرى وفاته في اليوم الأخير من آب 1932 بعض الشيء عن ساسون حسقيل

في ذكرى وفاته في اليوم الأخير من آب 1932 بعض الشيء عن ساسون حسقيل

 إعداد : عراقيون
ينتمي ساسون  حسقيل الى عائلة يهودية بغدادية برزت واشتهرت بالتجارة، كان والده من رجال الدين المتفقهين في الشريعة الموسوية.. ولد ساسون في بغداد عام 1860 ودرس في مدرسة الاليانس، ثم ذهب الى اسطنبول للدراسة عام 1877.. عين ترجماناً لولاية بغداد بعد عودته الى بغداد عام 1885 وانتخب نائباً في مجلس النواب التركي الاول عام 1908،

 ويعتبر ساسون احد الاعضاء الثمانية في أول حكومة قام بتعيينها السير برسي كوكس (المندوب السامي البريطاني). عين اول وزير مالية في حكومة السيد عبد الرحمن النقيب وانتخب ساسون لوزارة المالية في وزارة النقيب الثانية "1921" والثالثة ووزارة عبد المحسن السعدون الاولى وكذلك في وزارة ياسين الهاشمي..
اعتبر ساسون من الشخصيات العراقية المهمة في تاريخ العراق المعاصر، وقد حرص على التقاليد البرلمانية الصحيحة وتطبيق النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي، وقد وصفته المس بيل بأنه "أقدر رجل في مجلس الوزراء، هو صلب قليلاً وينظر إلى الأمور من وجهة الحقوقي الدستوري دون أن يعطي اعتباراً كافياً لأحوال العراق المتأخرة، ولكنه حر ونزيه إلى أبعد الحدود".
شغل ساسون حسقيل منصب وزير المالية 5 مرات في فترة الحكم الملكي. ويعد ساسون اشهر وأنزه وزير عراقي في تأريخ الحكومات العراقية المتعاقبة، فكان أول وزير مالية عراقي أسهم بشكل كبير في وضع الأسس الصحيحة لقيام الاقتصاد العراقي وبناء ماليته على وفق نظام دقيق، وخير دليل على ما نقول هو سجلات مفاوضات النفط مع الانكليز، حينما اشار على المفاوض العراقي اضافة كلمة (ذهب) على جملة (اربعة شلنات) عند احتساب عوائد النفط، لكي يضمن استقرار نسبة العوائد. ومن الطريف ما أوردته الخاتون الانكليزية (جرترود بيل) التي يقال بأنها كانت عشيقة الملك فيصل الأول، في رسائلها، بان تعيين ساسون (اليهودي) وزيرا قد تم بتدخل شخصي منها، ولم يستغرق إقناع عبدالرحمن النقيب إلا نصف ساعة، بينما لم تقنعه ايام طوال من التدخلات والتبريرات من طرف (الخاتون) لتعيين وزير (شيعي) في وزارته!.
ومن النقاط الهامة في سيرة ساسون حسقيل، اشتراكه مع جعفر العسكري في مؤتمر القاهرة عام 1921 الذي دعت اليه الحكومة البريطانية للنظر في مستقبل العراق، على الرغم من ان ساسون كان يفضل عودة الاتراك ، غير ان السياسة البريطانية، رشحت الامير فيصل ملكا على العراق، ولما كان الامر كله بيد بريطانيا، فلم يبد من ساسون او من غيره رأي حول الموضوع، سوى سؤال وجهه ساسون للمستر تشرشل وزير المستعمرات البريطاني بان العادة جرت في البلاد المنسلخة عن الدولة العثمانية، ان يأتي الامراء من الشمال الى الجنوب، وليس من الجنوب الى الشمال. فأجابه تشرشل، نعم، ولكن لا تنسى ان المستر كورنوالس ذاهب مع الامير فيصل وهو من الشمال.
وكما لايخفى ، فان اجابة تشرشل تحمل دلالة واضحة، فقد بقي كورنوالس مسيطرا على شؤون العراق المختلفة لسنين طويلة.
اشترك ساسون حسقيل في الوزارة العراقية خمس مرات وفي جميعها كان وزيرا للمالية، وذلك في وزارات السيد عبد الرحمن النقيب الثلاث، ووزارة عبد المحسن السعدون الاولى، ووزارة ياسين الهاشمي الاولى، وكان اشتراكه امرا طبيعيا لكفاءته الفائقة في الامور المالية وخبرته الادارية التي صقلتها تجاربه الادارية منذ العهد العثماني. وقد برزت كفاءته في مواقف عديدة، لعل اهمها دوره في قضية (امتيازات النفط) عام 1924، فقد طالبت شركة النفط التركية ببعض الحقوق التي زعمت انها حصلت عليها من الحكومة العثمانية، ومنها امتياز التنقيب عن النفط في الموصل وبغداد، وقد اعتمدت هذه الشركة الانكليزية على اسناد المندوب السامي لها، غير ان الحكومة العراقية برئاسة عبدالمحسن السعدون قررت عدم الاعتراف، وخولت ساسون حسقيل، وزير المالية بمفاوضة الشركة في لندن، وعندما بدأت المفاوضات اقترح ساسون بوجوب دفع حصة العراق من عائدات النفط بالذهب، وقد استغرب الجميع من هذا الاقتراح لان الباون الاسترليني كان يستند على سعر الذهب. وامام اصرار المفاوض العراقي وتصميمه على تنفيذ مقترحه، وافقت الشركة الدفع ذهبا، وعندما ظهرت الازمة المالية في انكلترا عام 1930، خرج الباون عن قاعدة الذهب وانخفض سعره امام سعر الذهب بنسبة لا تصدق، فعاد هذا التغير على العراق بفوائد مالية كبيرة.
على الرغم من شهرة ساسون حسقيل بين طائفته ، فانه قد فشل في الحصول على عضوية المجلس التاسيسي بسبب حادثة طريفة في الانتخابات ، فقد ظهرت بين الاوراق الانتخابية لقضاء بغداد ثلاث اوراق تحمل اسم (ساسون افندي) وقد اهملت هذه الاوراق مما ادى الى حصول ساسون حسقيل على 73 صوتا بينما حصل منافسه (الياهو عاني) على 76 صوتا، فاعترض ساسون على ذلك، غير ان لجنة تدقيق المضابط الانتخابية اجابت انها وان ترجح ان تكون الاصوات الثلاثة لساسون حسقيل فان هذا الترجيح ترجيح ظن دون دليل محسوس وعلى المجلس التاسيسي النظر في القضية. وفي مناقشات المجلس التاسيسي لعام 1924 نجد ان (محمد زكي ) قد ذكر ان كل ورقة انتخابية كتب عليها (الياهو عاني) اعتبرت لصالح (الياهو حسقيل عاني) مع ان بعض اليهود رشحوا (الياهو عزرا عاني) فليس من الانصاف ان تهمل الاصوات باسم (ساسون افندي) مع ان الجميع يعرفون ان المقصود به ساسون افندي حسقيل، وايد اصف قاسم اغا ذلك بقوله انه منذ اربعين عاما يتردد على بغداد ولا يعرف ان ساسون افندي هو غير ساسون حسقيل.
وبعد ان طالت النقاشات، قرر الياهو عاني الانسحاب ليحل ساسون حسقيل محله، غير ان المجلس اعترض على ذلك وقال ان القضية عامة وليست شخصية.
وبانتهاء ايام وزارة ياسين الهاشمي حسقيل في الوزارة العراقية، وبقي عضوا في مجلس النواب في جميع الدورات حتى وفاته عام .
توفي ساسون حسقيل في 31 اب 1932 في باريس ودفن هناك، ولعل خير ما بقي له قصيدة الشاعر الكبير معروف الرصافي في رثائه، ولم يكن له عقبا ، اذ قضى حياته دون ان يتزوج، ولازال بيته الفخم مشرفاعلى نهر دجلة في شارع المستنصر (النهر) مع مجموعة من القصور الكبيرة كانت سكنا لعوائل يهودية معروفة قبل هجرتهم الكبرى الى خارج العراق. ومما قاله الرصافي :
* اما معروف الرصافي فقد رثاه قائلاً:
نعى البرق من باريس ساسون فاغتدت
بغداد أم المجد تبكي وتندب
ولا غرو أن تبكيه اذ فقدت به
نواطق اعمال من المجد تعرب
لقد كان ميمون النقيبة، كلها
تذوقته في النفس يحلو ويعذب
تشير اليه المكرمات بكفها
اذا سئلت اي الرجال المهذب
الا لاتقل قد مات ساسون، بل فقل:
تغور من أفق المكارم كوكب