بمناسبة صدور الأعمال المختارة عن دار المدى..الاقتراب أكثر من عالم بولغاكوف

بمناسبة صدور الأعمال المختارة عن دار المدى..الاقتراب أكثر من عالم بولغاكوف

د. فالح الحـمراني*
 بعد أن صدرت مؤخراً"الأعمال المختارة"للكاتب الروسي ميخائيل بولغاكوف عن دار المدى بترجمة عبد الله حبة، بات بوسع القارئ العربي تكوين صورة واسعة عن أدب الكاتب الروسي الشهير ميخائيل بولجاكوف (1891 ـ 1940). وستساعد الأعمال المختارة بترجمتها الجديدة من الروسية في الاقتراب أكثر من عالم بولغاكوف الغرائبي المشحون بالغموض والتورية والايمائيات واستخدام أدوات السرد المتنوعة والحبكة الفنية، ليتيح للقارئ تفسير اعماله المثيرة للجدل على مستويات عدة،

 بممارسة آليات التأويل والتأمل والحصول على متعة القراءة. علماً أن عبد الله حبة مترجم قدير يمتلك حس تحويل الصورة والعبارة من الروسية الى العربية، وبرهن على ذلك من خلال ترجماته العديدة بما في ذلك ايفان بونين ويوري كازكوف وجنكيز ايتماتووف، فضلاً عن الأعمال الاجتماعية / السياسية.
وميخائيل أفاناسيفيتش بولغاكوف روائي روسي شهير ولد في الثالث من مايو / أيار عام 1891 في مدينة كييف، عاصمة أوكراينا لأبٍ منغمسٍ في البحث الدِّيني اعتُبِر أحد علماء الدِّين وعمل أستاذاً مساعداً في الأكاديميَّة اللاهوتية كمؤرخ ومنظِّر، ولأم تعمل مدرِّسة وكانت متحدِّرة من أسرة دينية أيضاً. كان بولغاكوف في السادسة عشرة من عمره عندما توفي والده، وبعد سنتين انتسب إلى كليَّة الطِّب في جامعة كييف. تخرَّج بولغاكوف طبيباً وهو في الخامسة والعشرين، فأرسل إلى المستشفيات العسكرية عند جبهات القتال في أوكراينا عام 1916. كان بولغاكوف قرَّاءً قبل أن يبدأ رحلتيه في الطب والكتابة ومنحه شغفه بقراءة الأدب الروسي الكلاسيكي فرصة الغوص في الشخصية الروسية من وجهة النَّظر المغايرة لقواعد الكتابة التي أرادها أوائل السوفييت ولمعايير تقييم الإبداع على أرضية الالتزام بأهداف ثورة أكتوبر. قرأ غوغل ودستويفسكي وتأثَّر بأدبهما.
وانتشرت أعمال بولغاكوف في عهد الاتحاد السوفياتي السابق في دائرة ضيقة من القرّاء، بل كانت شبه ممنوعة يتم تبادلها بين المولعين بالأدب بحذر، ورأت النور بشكل واسع منذ عهد"البريتسرويكا"(اعادة البناء) التي دشنها ميخائيل غورباتشوف في أبريل/ نيسان عام 1985 لتنقل الى المحيط العالمي، حيث ترجمت أعماله الى غالبية اللغات الحيّة وصدرت عنه الدراسات بها، كما تحولت الى اعمال سينمائية ومسرحية شاهدها الزعيم السوفياتي الأسبق يوسف ستالين 13 مرة كمسرحية في المسرح الفني، ورغم أنها تتعامل بروح انتقادية صريحة مع الأجواء التي خلقتها ثورة اكتوبر البلشفية، وصورت معسكر"الحرس الأبيض"المعادي للثورة التي خاض ضدها حرباً مسلحة لاستعادة روسيا القيصرية، بيد أنها عرضت انهيار الروح المعنوية والشعور بالهزيمة أمام مد الحرس الأحمر والثورة البلشفية. إن الصدق الذي ساد الجو الروائي وايقاعه وسمات الشخصية علاوة على لغة كتابتها المثقلة بالصور الشعرية الشفافة، هو الذي جعل الرواية عملاً فريداً يثير الصدمة الفنية لدى المتلقي، بغض النظر عن مواقفه من الحدث التاريخي الكبير الذي غيّر مجرى التطور البشري في القرن العشرين.
لقد سبق وأن ظهرت بالعربية أهم أعمال بولغاكوف لاسيما "المعلم ومارجريتا" وبترجمتين الأولى، عن الروسية للمرحوم المترجم السوري البارع يوسف الحلاق، والثانية لإبراهيم شكر ونشرت بعنوان "الشيطان يزور موسكو"، والعنوان هو أحد الخيارات التي كان بولغاكوف ينوي نشر الرواية بها، علاوة على ظهورها بلغات اجنبية بهذا الاسم وترجم الحلاق أيضاً مسرحية"الأيام الأخيرة لبوشكين". كما صدرت بالعربية"نشيد الشيطان"و"بيوض القدر"بترجمة السوري ثائر زين الدين، ومجموعة"مذكرات طبيب شاب"من ترجمة غسان مرتضى وقصة"الجزيرة القرمزية"بترجمة نزار عيون السود ومسرحية"دون كيشوت"و"حياة السيد مولير"بترجمة هفال يوسف، وقصة"مورفين"بترجمة اسكندر حبش ومسرحية"دون كيشوت"بترجمة هاشم حمادي و"قلب كلب"بترجمة السوري نوفل نيوف. ولم ترَ النور بعد أعمال مهمة لبولغاكوف من بينها"رواية مسرحية"التي تتناول الحياة في الوسط المسرحي الروسي، والعلاقات الغريبة بين مؤسسي المسرح الفني قسطنطنين ستانسلافسكي ونيميروفيتش دانتشكو وتحليل شخصيتيهما، علاوة على رائعته"الحرس الأبيض". إن الترجمات العربية من الروسية للعربية، وليس لأعمال بولغاكوف وحده، تعاني من القصور في نقل الظلال اللغوي واللهجة الخاصة التي تنفرد بها كل شخصية، بمفرداتها اليومية المعبرة، وهو اسلوب واضح لدى كبار الأدباء الروس. المترجمون العرب يستخدمون اللغة الفصحى الكلاسيكية، في نقل لغة الشخصيات العادية وتلونات لغة السارد التي تضفي الجمالية اللغوية على العمل الأدبي وتكشف عن ماهية الشخصية الروائية.
وبالرغم من أن اعمال بولغاكوف الرئيسة تحتمل مستويات تأويل متعددة، إلا أن هناك قسائم مشتركة يجتمع عليها دارسو أدبه. وليس من الصدفة أن تتعدد ترجمات بعض أعماله بما في ذلك للعربية، وبخاصة قصته"قلب كلب"التي تضمنته المختارات لأعماله الصادرة مؤخراً عن دار المدى. حيث اندمجت في هذا العمل ثلاثة أشكال أدبية. المناحي الفنتازية والاجتماعية المضادة لليوتوتبيا والفن الساخر. وتمحور البعد الفنتازي حول العملية التي أجراها البروفيسور جراح الطب بريأوبرَجينسكي لتحويل"كلب"الى إنسان والنتائج التي ترتبت على ذلك، وخلفية الحدث الذي تمت فيه العملية، اي ثورة اكتوبر البلشفية وطموحاتها في خلق عالم افضل من انسان غير مؤهل بعد لاجتراح المآثر الحضارية، وما تزامن مع العملية من مفارقات تبرهن على استحالة تلك الطموحات.
حقاً أن بولغاكوف كتب عمله للسخرية من تلك التجارب الفنتازية / العلمية التي سادت عصره الطامحة لتحويل الكائنات من نوع الى آخر، بما في ذلك تطوير الحيوان الى انسان، ولكن سخريته التي ينمّ عليها عمله تكمن في استحالة تطوير الشخصية البشرية التي هي مخاض عصر وتاريخ وذهنية"بقرار سياسي"كما كان يطمح له البلاشفة. في ايحاء الى أن ذلك يتطلب مرحلة تاريخية طويلة الأمد. وبرهن انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي على صحة دروس بولغاكوف التي أوحت بها معظم أعماله.

* كاتب من العراق يقيم بموسكو