إضرابات عمالية رائدة

إضرابات عمالية رائدة

شاكر الناصري
إن الهدف من التذكير بإضرابات عمال العراق، أنما هو محاولة للتذكير بهذه الطبقة والدفع  باتجاه إعادة قراءة تاريخ نضالاتها وقدرتها الحقيقية على التنظيم والمواجهة من أجل الحقوق، وإمكانية التحول إلى قوة اجتماعية وطبقية مؤثرة، والتصدي لمحاولات محوها من الوجود والاستخفاف بدورها في عراق اليوم، حيث يتردد سؤال  ماكر وعدائي: هل توجد طبقة عاملة في العراق؟.

سيتم الحديث عن هذه الإضرابات بشكل مختصر ومن دون الخوض في تفاصيلها ووقائعها، أو في دور القوى السياسية المحرضة عليها أو التي ساهمت في إطلاقها، على أمل أن يسهم هذا التذكير في تنشيط همّة الذين يعنيهم أمر الطبقة العاملة في العراق وحركتها الاجتماعية والطبقية..

إضراب عمال السدود في
لواء المنتفك 1876
ما سجّلته الصحافة التي تصدر في أسطنبول، عاصمة الدولة العثمانية، في ١٨٧٦، عن إضراب عمال السدود في لواء المنتفك، الناصرية حالياً، يجعلنا نقف امام أول إضراب عمالي، موثّق في الصحافة التي كانت تصدر آنذاك، والتي تحدثت عن وقائع الإضراب الذي قام به عمال في المناطق التي تخضع لسطوة وسلطة الدولة العثمانية، وضمن شروط تلك المرحلة، حيث شاع التخلف الاقتصادي والصناعي وغياب أي ملامح تحديثية في البنى والمؤسسات الاقتصادية، معامل وورش صناعية، رغم المساعي التي بذلها مدحت باشا، في عام 1869، لتحديث الاقتصاد والصناعة في العراق بعد أن أوعز باستيراد معدات ومكائن وتوسيع"العبخانة"معمل النسيج الذي أسّسه سلفه نامق باشا في بغداد. وتأسيس تراموي بغداد، ومطبعة حديثة تُدار بالبخار، والاهتمام بورش تصليح الأسلحة...الخ.
جاء الإضراب نتيجة للضغط والإكراه الكبير الذي تعرض له العمال الذين يقومون بتشييد أحد السدود، الضغوط المتمثلة بعدم دفع الأجور والعمل لساعات طويلة"من بزوغ الشمس وحتى مغيبها". إلاّ أنَ متصرف الناصرية، آنذاك، ناصر السعدون، والذي كان هو شيخ عشيرة أصلاً، تمكن من إجبارهم على العودة إلى العمل تحت تهديد السلاح وتهديدات شيوخ العشائر.

إضراب دباغي
الأعظمية 1912
وبعد سنوات عدة من إضراب عمال السدود في لواء المنتفك، شهدت بغداد، أول إضراب عمالي، تحدثت عنه الصحافة الصادرة آنذاك، حيث أعلن دباغو الأعظمية، في أواخر خريف ١٩١٢، الإضراب عن العمل بسبب قلة الأجور ولن يعودوا إلى أعمالهم حتى تتم زيادتها، وقد تحقق لهم ذلك بعد مفاوضات مع رئيس صنف الدباغين الشيخ عبد الرزاق الجلبي*2 الذي أقنعهم بإنهاء الإضراب والعودة إلى العمل بعد تلبية مطلبهم المتمثل بزيادة الأجور اليومية.. ولم يكتف دباغو الاعظمية بما تحقق، بل أعلنوا الإضراب مرّة أخرى في أوائل كانون الأول عام ١٩١٣، حيث برزت أول قيادة عمالية تدير الإضراب وتوجه العمال إلى مطالبهم وما يتوجب عليهم فعله في مواجهة الضغوط التي يتعرضون لها. كان عبد الهادي الأعظمي هو قائد ذلك الإضراب العمالي الذي تمحور حول زيادة الأجور بمقدار ٢٥٪، وقد أضطر أصحاب المعامل إلى تحقيق رغبتهم، فعادوا إلى ممارسة أعمالهم.

إضراب عمال الميكانيك
في البصرة عام 1918
بعد أن أصبح العراق تحت الاحتلال البريطاني، أوجد الانكليز دائرة خاصة للعمل ووضعوها تحت إمرة ضابط برتبة جنرال يتبع رئاسة الأركان البريطانية بشكل مباشر. وكان على العامل وقبل البدء بعمله بشكل رسمي أن يوقع على تعهد في ثلاثة شروط، قاسية ولا إنسانية. أولاً: أعلم بأني أجير معرضاً إلى القانون العسكري وأكون تحت أمر قومندان قطعة الجيش التي أتعين لها، وأيضاً أكون تحت أمره بما يختص بالتربية"حسن السلوك"وغير ذلك من تاريخ استخدامي. ثانياً: أتعهد بأني أذهب إلى أيّ مكاني يأمروني به رسمياً وأتعهد أيضاً بأني أخدم مدة ستة أشهر من هذا اليوم وأعرف بأني لو أريد الاستعفاء من وظيفتي في أيّ وقت كان بعد نهاية هذه المدة يلزمني أن أخابر الضابط الذي أنا تحت أمره قبل الوقت بشهر. ثالثاً: أعترف بأني معرض إلى العزل في أي وقت كان، وهذا بسبب سوء الأخلاق والأمراض والاستغناء عن خدماتي*. لم يكتف الأنكليز بكل هذا، بل قسّموا العمال حسب الطوائف والقوميات وأن يكون هناك زيّ موحد للعمال حسب طوائفهم وقومياتهم. العمال العرب من السنة يرتدون كوفية حمراء وعقالاً أسود، بينما العمال من الشيعة كوفية زرقاء وعقالاً أبيض!!!*3، وكان كل إجراءات دائرة العمل المذكورة تهدف إلى فرض أبشع أشكال الاستغلال على العمال العراقيين وتسخيرهم لخدمة شركاتها وقطعات جيش الاحتلال...
وفي ظل أوضاع كهذه تحولت الشركات الاحتكارية إلى قوة كبرى في العراق، سياسياً واقتصادياً، تحظى بحماية السلطات الحاكمة آنذاك، مهما كانت قسوة ممارساتها بحق العمال الذين أصبح التفكير بأوضاعهم وأجورهم وشروط عملهم القاسية الشغل الشاغل لهم، فخاض العمال في العراق سلسلة إضرابات تهدف لنيل حقوقهم المشروعة ومعاملتهم إسوة بالعمال الانكليز الذين يقومون بنفس الأعمال. لكن إضراباتهم تلك كانت تواجه بردود عنيفة من السلطة والقوى الأمنية، وفي أحيان كثيرة كان العمال يتعرضون لإطلاق الرصاص والاعتقال والمحاكمات والفصل من العمل.
يشكّل اضراب عمال الميكانيك في معمل الدوكيارد"المعمل الذي أنشأته شركة لنج لتصليح البواخر النهرية والزوارق في شط العرب 4"أول إضراب عمالي في العراق الذي يخضع لسطوة وسلطة الاحتلال البريطاني. جاء الإضراب بعد أن رفضت الشركة البريطانية تلبية مطالب العمال بزيادة الأجور والمساواة مع العمال الأجانب من ناحية الأجور والإجازات.. لم ينجح الإضراب بسبب تدخل السلطات والتهديد بالسلاح.

إضراب عمال الغرابيل
في البصرة عام 1932
في حزيران 1932 أعلن عمال الغرابيل (مكائن تصفية الشعير تُدار باليد) الإضراب عن العمل بعد شعورهم المتواصل بالظلم وسحق الحقوق من قبل الشركات التي يعملون فيها، وكذلك من قبل وكلائها المحليين (القنطرجية) الذين فرضوا على العمال ساعات عمل طويلة ومرهقة تصل إلى 15 ساعة يومياً. أعلن الإضراب من أجل تخفيض ساعات العمل إلى 8 ساعات يومياً، وكذلك تحسين شروط العمل التي يخضعون لها. برز العامل"ماجد أحمد الفضل"قائداً للإضراب وقاد مع لجنة شكّلها العمال مفاوضات مع الشركة ووكلائها المحليين.
الموقف الحازم الذي أعلنه العمال أجبر الشركة على الاستجابة لمطالبهم المتمثلة بخفض ساعات العمل إلى 8 ساعات ومنع الانتهاكات بحق العمال. وفي أول خطوة على فرض العمال لقرارهم وتوحدهم في مواجهة الشركة واتباعها، قرر العمال رفع علم أحمر*6 عند بدء العمل في الساعة السادسة صباحاً ويبقى مرفوعاً حتى الساعة الثانية بعد الظهر، حيث يتم إنزاله إيذاناً بنهاية وقت العمل. سنوات مرت والعمال يرفعون العلم الأحمر، وقبيل انتهاء الحرب العالمية الثانية طالبت الشركات بتبديل لونه من أحمر إلى أسود!.