لنتذكّر هذه الانتفاضات الشعبيّة في الخمسينيات.. البصرة وانتفاضتها العمالية سنة 1953

لنتذكّر هذه الانتفاضات الشعبيّة في الخمسينيات.. البصرة وانتفاضتها العمالية سنة 1953

د. سيف عدنان القيسي
إضراب عمال ميناء الفاو
إن إدراك الحركة الوطنية ومنها الحزب الشيوعي العراقي مدى كره رئيس الوزراء فاضل الجمالي وحنقه عليهم دفعهم لاستثمار فرصة رفع الاحكام العرفية، والوقوف بوجه حكومة الجمالي من خلال مساهماتهم الفاعلة في إضراب عمال ميناء الفاو، إذ وجدوا من عدم حصول العمال على حقوقهم باباً واسعاً لتحقيق طموحاتهم السياسية من خلال الاصطفاف مع العمال

 ولاسيما أن المبادئ الشيوعية تؤمن أن تحرير العمال لايمكن أن يكون إلا من صنع العمال أنفسهم، ومن خلال تدريبها على مختلف أساليب النضال في سبيل تحقيق أهدافها الوطنية والطبقية، وجاء ذلك الايمان في فرصة الحزب الشيوعي ليجد طريقه بعد إلغاء الأحكام العرفية، إذ تنفست الحركة العمالية الصعداء، وبدأوا بإضراب عمال ميناء الفاو (البصرة) يوم الثالث والعشرين تشرين الثاني 1953، وكان بتوجيه وقيادة الشيوعيين، وأنصبت مطالب العمال على زيادة الأجور بنسبة 25% وتوفير سيارات النقل وإعادة المفصولين والكفّ عن الطرد الكيفي وتزويد العمال ببدلات العمل، وتثبيت العمال وتحسين الأرزاق، وتعميقاً لإضرابهم، اعتصم العمال داخل الحفارات من دون عمل، وبدأت لجان الأحزاب عملها في توحيد العمال المضربين، ومع إصرار العمال على استمرار إضرابهم، وجّهت السلطات الحكومية (مائتي) شرطي مسلحين، تحت ذريعة المحافظة على المكائن من التخريب، ووجهت قوات الشرطة نداءات الى العمال المضربين مطالبة إياهم بالخروج من الحفارات، لكن قيادة الاضراب أصرت على بقائهم فيها والاستمرار بالأسلوب نفسه لأن خروجهم من الحفارات قد يؤدي الى إخفاق الإضراب.
كما أن ترك العمال لحفاراتهم قد يدفع أرباب العمل الى إيجاد عمال آخرين بدلاً منهم، كما أن السيطرة على مكائن المعمل لايتيح لصاحب المعمل الاستفادة من المكائن والمعدات خلال مدة الإضراب.
ونجح العمال المضربون، إذ رضخت مديرية مشروع الفاو الى مطالب العمال وتحملت خسارة تقدر بـ (مائة وعشرة آلاف دينار، وأصدرت بياناً رسمياً أعلنت فيه زيادة بالأجور بنسبة 15% إضافة الى بعض المطالب الاخرى).
ومن الملاحظ أن ذلك الاضراب جرى في شركة أجنبية، التي تعتقد سعاد خيري أحد رموز الحزب الشيوعي، بأنها تهضم حقوق العمال وحفّزهم شعور الغبن بالإضراب من أجل تحقيق مطالبهم.

_إضراب عمال نفط البصرة
قاد الحزب الشيوعي وفي البصرة أيضاً إضراباً آخر ولكن هذه المرة لعمال نفط البصرة، ويبدو أن تسلّم حسين أحمد الرضي (سلام عادل) قيادة تنظيم الحزب الشيوعي للمنطقة الجنوبية قد كشف دور وقدراته ومزاياه التنظيمية والقيادية، إذ شهد شهر كانون الاول إضراباً لعمال النفط في البصرة، إبتداءً من الخامس من كانون الأول 1953، علماً أن العمال أجروا اتصالات قبل الإضراب لبلورة مطالبهم ووجهوا في الثالث من كانون الأول إنذاراً تضمن مطالبهم.
انصبت مطالب العمال المضربين، فضلاً عن زيادة أجورهم، على تطبيق قانون العمل، والكف عن الإهانات التي يتلقونها من الموظفين الأجانب، واستهانة بهم وبمطالبهم تلك أطلق بريطاني النار على أحد العمال، الأمر الذي زاد العمال إثارة وغضباً.
ويبدو إن العمال المضربين حملوا مطالب متفرقة لكل فئة منهم، وفي أثناء لقاء مسؤولي وزارة الشؤون الاجتماعية بهم، نصحهم وزيرها حسن عبد الرحمن، بأن يوحدوا مطالبهم لتناقش مع الشركة.
اشترك في ذلك الإضراب جميع عمال النفط في البصرة وعددهم (ثلاث مئة) عامل، ثم قاموا بتظاهرات لدعم إضرابهم، وللتعجيل في تلبيتها، ويعبّر أحد عمال نفط البصرة عن معاناتهم بقوله"كنا نعمل في شركة النفط تحت رحمة التسريح تارة بحجة انتهاء مد الأنابيب وطوراً بحجة الاقتصاد والتوفير".
ولتوسيع دائرة الضغط على الحكومة وشركة نفط البصرة، نظّم الحزب الشيوعي عدداً من الإضرابات التأييدية، قام بها عمال البصرة بمختلف حرفهم، ولم يقتصر الأمر على البصرة بل مدّ الحزب الشيوعي مساحة التأييد الى بغداد، حيث أضرب عمال السكاير فاكتسب إضراب عمال النفط أهمية سياسية كبيرة.
إن تدخل وزير الشؤون الاجتماعية للتوفيق بين العمال المضربين والشركة وطرح مطالبهم، أدى الى موافقة الشركة على مطالبهم عدا زيادة الأجور، المطلب الأكثر إلحاحاً، بدعوى أنها في شهر كانون الأول وميزانية الشركة في نيسان، ولهذا يتوجب التريث الى ذلك الحين.
استغل الحزب الشيوعي ذلك الإضراب الذي أخذ شكل تظاهرات أحياناً ورفع من خلاله شعارات وهتافات سياسية بسقوط الاستعمار والشركات الاحتكارية وحكومة فاضل الجمالي، والتمجيد باتحاد العمال وأهمية قيام النظام الجمهوري، وتوسعت دائرة تلك التظاهرات حتى طافت شوارع مدينة البصرة ساندها كثير من أهالي البصرة، كما شاركت بها النساء وهتفوا منادين بسقوط حكومة"الجوع"وسقوط"الخونة والاستعمار".
وأعترف سعيد قزاز، وزير الداخلية، بأن الحزب الشيوعي وراء ذلك الإضراب، إذ فسر الأمر أن الشيوعيين"عزّ عليهم أن تسود الثقة بين العمال وشركة نفط البصرة"ويتهم الحزب الشيوعي وزير الداخلية، أنه وراء الحركة العمالية وإحباط الإضراب، إذ جرت حملة اعتقالات واسعة في صفوف المتظاهرين ونقلهم الى سجن نقرة السلمان، كما قامت الشركة بفصل العمال بالجملة.
ولم يهدأ بال الشيوعيين في البصرة أمام حملة الاعتقالات والفصل من العمل فنظّموا إضراباً عاماً في المدينة احتجاجاً على تلك الأساليب الدموية التي استعملتها الحكومة ضد العمال حماية لمصالح الشركة الاحتكارية، ومما زاد من حجم الإضراب هو التنسيق الذي قام به سلام عادل مع مسؤولي الحزب الوطني الديمقراطي ولاسيما جعفر البدر، صاحب جريدة"نداء البصرة"وعبد الأمير العوادي ممثل حزب الاستقلال فرع البصرة ومساندة جماهير الحزبين للإضراب.
وحال عودته الى بغداد من زيارة ميدانية قام بها سعيد قزاز الى البصرة  عقد مجلس الوزراء جلسة خاصة مساء يوم الثلاثاء الخامس عشر كانون الأول 1953، استمع خلالها الى شرح مفصل قدّمه سعيد قزاز عن الاضرابات والتظاهرات، وقدم مقترحاً بإعلان الأحكام العرفية في البصرة قبل أن تتطور الأحداث فيها ولشدة حزمه وصراحته، هدّد مجلس الوزراء بأن يقدم استقالته إن رفض طلبه فاستجاب المجلس لطلبه، الا أن هذا الاصرار على إعلان الأحكام العرفية كان له مردود آخر، إذ قدم كلٌّ من حسن عبد الرحمن وزير الشؤون الاجتماعية وعبد الرحمن الجليلي وزير الاقتصاد استقالتيهما لأنهما اعتبرا إعلان الأحكام العرفية منافية لمبادئ حزب الجبهة الشعبية المتحدة، التي ينتميان لها.
 أثار إعلان الأحكام العرفية وتعطيل الصحف جدلاً واسعاً ولاسيما في أروقة مجلس النواب، الأمر الذي اعترض عليه رئيس الوزراء، مبيناً أن خطوة حكومته جاءت نتيجة لما يفرضه عليها واجبها بعدم السماح"للعملاء الأجانب"ويقصد بهم الشيوعيين الذين فرضوا المشاغبين للتأثير في مصير البلد والقانون العرفي، كان المقصود منه خطوة مؤقتة لمنع مشاغبات لاحقة وبعد التصويت، أيّد إجراءات الحكومة (خمسة وتسعين) عضواً وعارضها (أربعة وعشرين) عضواً.
لم تكبح إجراءات الحكومة الشيوعيين، بل وزعوا نشرات خطيّة ودعت الى مساندة الطبقة العاملة، مستهينة بالأحكام العرفية التي أعتبرتها"ليس إلا طريقاً تسلكه الحكومة لتكميم أفواه الإضراب".
وفي ضوء هذا الواقع، وما أتاحه فرض الأحكام العرفية من فسح المجال أمام سياسة البطش، خفت الإضرابات بعد (ثلاثة عشر) يوماً من دون أن يحقق العمال المضربون من مطالبهم شيئاً، ولكن تلك المطالب العمالية لاقت تأييداً ودعماً من الأوساط الحزبية سواء كان منها العلنية أو السرية ودفعها أكثر من أي وقت مضى لفضح سياسات شركات النفط تجاه العمال العراقيين.