تظاهرات  وإضرابات  وأزمة الخبز  في الأربعينيات

تظاهرات وإضرابات وأزمة الخبز في الأربعينيات

د.قحطان حميد العنبكي
إضراب عمال السكك وغلق نقابتهم 
ساءت حالة عمال السكك نتيجة الاضطراب في مشروع التموين الذي تقوم به السكك لتموين موظفيها وعمالها وأصبح مستوى الأجور لا يتناسب مع الارتفاع في الأسعار، فأضرب عمال الشالجية عن العمل الإضافي في يوم 10 نيسان 1945، كما أضرب عمال السكك في السماوة يوم 15 نيسان وعمال البصرة في 18 نيسان، وعمال الموصل في 19 نيسان.

وكانت إجراءات الحكومة قد اتسمت بالشدة وعدم التساهل مع العمال المضربين، فبعد قرار غلق نقابة السكك، أظهرت وزارة الداخلية، موجةً من الأساليب الإرهابية لإرغام العمال على العودة إلى العمل، فاعتقل عدد كبير منهم مما أدى إلى استنكار واسع من عمال العراق فقدمت مذكرات احتجاج من نقابات العمال للمهن الأخرى (الميكانيك والبنائين والنجارين والكهرباء والمطابع،..)، وقدموا مذكرةً تحوي مطالب مطبوعة بيّنوا فيها بأن الطرائق التي اتبعتها الشرطة تجاه العمال المضربين وعوائلهـم بقطع الماء عن بيوتهم وهدم قسم منها، وتجاوز أفراد الشرطة على العمال المضربين وعوائلهم يؤسف له، والوفد يحتج على ذلك بالنيابة عن العمال العراقيين كافة))، وطالبت المذكرة بإطلاق سراح رئيس نقابة السكك والنسيج والأعضاء الآخرين وفتح نقابة عمال السكك.
ومما يؤكد قسوة الشرطة في تعاملها مع العمال، ما جاء في العرائض التي قدّمت من عوائل العمال الموقوفين إلى رئيس الوزراء ورئيسي مجلس النواب والأعيان، حيث تشير إلى احتجاج وسخط هذه العوائل على الشرطة ومديرية السكك الحديدية ((إننا زوجات وأمهات وأخوات وقريبات عمال السكك في الشالجية والمحطات نخرج بجموعنا هذه محتجات معلنات سخطنا على سوء معاملة مديرية السكك والشرطة لأولادنا وازواجنا)) وجاء أيضاً إطلاق سراح الموقوفين من أعضاء النقابة وإيقاف إرهاب الشرطة ومطاردتها العمال. واستمرت الشرطة في الاعتداء على العمال، وساقتهم مكرهين إلى محلات عملهم، فباشر معظم العمال وبذلك كسرت الشرطة الإضراب وعُدَّ منتهياً من دون استجابة لمطالب العمال. وهذا يدلل على الدور الكبير الذي تضطلع به وزارة الداخلية لسيادة سلطة القانون وإحلال النظام والقضاء على الفوضى،على الرغم من الانتقادات التي قد توجه إليها بسبب اتباعها أساليب القوة والقسوة في بعض الأوقات، لأجل تنفيذ سياستها المرسومة ولاسيّما ما يتعلق منها بالحفاظ على الأمن الداخلي والاستقرار السياسي وسلامة النظام وسيادة القانون.

 الموقف من التظاهرات الطلابية
 في أيار 1945 
عندما تعرضت سوريا ولبنان إلى الاعتداء من فرنسا، قام طلاب المتوسطة الغربية بتظاهرة سلمية في صباح 22 أيار 1945، واتجه المتظاهرون إلى الإعدادية المركزية لتحريض طلابها على الاشتراك معهم، فاستعملت الشرطة القسوة في تفريقهم،  ولكنهم اجتمعوا ثانيةً في شارع الرشيد وانظم اليهم طلاب متوسطتي الكرخ والرصافة وطافوا في شارع الرشيد وهم ينددون بالاستعمار وينادون باستقلال سوريا ولبنان فهاجمتهم الشرطة وفرقتهم.
أثارت هذه التظاهرة المسؤولين في وزارة الداخلية بعدّها أول تظاهرة طلابية منظمة في أعقاب الحرب، وأوعزت وزارة الداخلية بإشراف وزيرها مصطفى العمري إلى متصرفية بغداد باتخاذ إجراءات شديدة لمنع الطلاب من إقامة أية تظاهرة في المستقبل وأمرت بوضع حرس من أفراد الشرطة على أبواب المدارس لمنع الطلاب من التظاهر أو الخروج بصورة مجتمعة. كما قامت الشرطة بمراقبة الطلاب بعد ورود أخبار عن قيام تظاهرة كبيرة داخل المعاهد العالية في يوم 2 تشرين الثاني 1945 بمناسبة ذكرى وعد بلفور وشددت وزارتي الداخلية والمعارف من إجراءاتهما للحيلولة دون قيـام تظاهرات طلابية، إلا أن ذلك لم يمنع من قيام تظاهرات طلابية متفرقة استعملت الشرطة القوة فـي تفريقها.

الوزارة وتظاهرات 28 حزيران 1946 
رافقت (أزمة الخبز) التي ازدادت حدةً سنة 1946، ضعف في إجراءات الحكومة، مما زاد من الغليان الشعبي الذي تجاوز حدود السكوت والسكينة والترقب، وتحول إلى انفجار بوجه الحكومة، وتزامن ذلك مع المظالم الجارية ضد الشعب الفلسطيني ورداً على زيارة اللجنة الانكلو- أمريكية الخاصة بتقرير مصير القضية الفلسطينية إلى بغداد، فخرج أبناء الشعب العراقي في تظاهرات صاخبة في بغداد في 28 حزيران 1946 احتجاجاً على الأوضاع السائدة في فلسطين وعَبَرتْ جموع المتظاهرين من جانب الرصافة إلى جانب الكرخ.
وبادرت وزارة الداخلية إلى إصدار أوامرها إلى مديرية الشرطة العامة بالتصدي للمتظاهرين، فاصطدمت الشرطة بهم وأطلقوا النار عليهم، فسقط خمسة قتلى وعدد من الجرحى. وهذا الإجراء السلبي كان له أثره في الحكومة، ويبدو أنه كان السبب في تعجيل سقوط وزارة أرشد العمري في 14 تشرين الثاني 1946 وكذلك تبديل مدير الشرطة العام عبد الجبار الراوي وتعيين اللواء علوان حسين بديلاً عنه.
موقف وزارة الداخلية من أحداث إضراب  كاوور باغي
يعود السبب الرئيس للإضراب إلى الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها العمال نتيجة لقلة أجورهم. وحدث الإضراب يوم 12 تموز 1946 وقبل قيامه بوقت قريب قامت وزارة الداخلية بفتح مركز شرطة في شركة النفط في كركوك وذلك لتلافي ما قد يحصل من العمال بعد التهديدات بالإضراب، وكانت الشرطة منذ تجمع العمال فـــي حديقة كاوورباغي، تراقب المتظاهرين وأطلقت النار عليهم في 12 تموز مما أدى إلى سقوط ستة قتلى وأربعة عشر جريحاً.
في إثر ذلك أرسلت وزارة الداخلية لجنة للتحقيق في الحادث والتي ضمّت المفتش الإداري في وزارة الداخلية سعيد قزاز ومفتش الشرطة محمد صالح حمام ومدير مكتب العمال بوزارة الشؤون الاجتماعية. وقد وضعت اللجنة تقريراً مسهباً عن تطور الحوادث في كركوك حتى نهاية الإضراب، وجهت فيه لوماً شديداً إلى مدير الشرطة لعدم قيادته القوة بنفسه وقدمت عدّة مقترحات بشأن تعويض المتضررين من الحادث ومعاقبة المحرضين عليه ونقل المعاونين والمفوضين الذين اشتركوا في الحادثة.
اقتنعت وزارة الداخلية بتقصير المسؤولين الإداريين في الحادث فطلبت من مديرية الشرطة العامة سحب يد مدير شرطة كركوك عبد الرزاق فتاح والمعاونين سعيد عبد الغني وهاشم محمد أمين.إلا أنّ متصرفية كركوك برئاسة وفيق حبيب أوضحت لوزارة الداخلية أن سحب يدّ مدير الشرطة ومعاونيه أمر يشجع العمال ويبعث فيهم روح النشاط لإعادة ما ارتكبوه. ويبدو أنَّ السلطات العليا لم تكن راغبةً في معاقبة المسؤولين عــن الحادث وأهملت القضية، فقدم وزير الداخلية عبد الله القصاب استقالته من الوزارة في 17 آب1946، بعد أن هزهُ هول الفاجعة، ولاسيّما أنَّ تقارير المفتش العدلي الذي أرسلته وزارة العدلية للتحقيق بالموضوع أكدت بأن اجتماع العمال ((لم يكن يخشى منه على الأمن، والعمال كانوا عُزلاً من السلاح وأن القتلى والجرحى أصيبوا بطلقات نارية نافذة من ظهورهم، وأن الشرطة جاوزت الحد المعقول في أمر تفريق المجتمعين وأن الإدارة أوقفت أشخاصاً ليس لديهم يد في التحريض على الإضراب)). وهذا انصاف للعمال وإشارةً واضحةً إلى تقصير الإدارة والشرطة التابعتين لوزارة الداخلية.
ويبدو أنَّ تطور الأحداث الداخلية بعد كاوور باغي جعلت وزارة الداخلية تسعى لتطوير قدراتها الأمنية والفنية لتدارك الوضع الجديد ولاسيّما بعد ظهور بوادر أزمات وإضرابات أخرى في مختلف مناطق العراق، مما جعل الوزارة تقرر تجهيز مديرية الشرطة العامة بأجهزة لاسلكية لتقوم الأخيرة بتوزيعها إلى مراكز الشرطة الرئيسة في بغداد وجميع الألوية الأخرى، فضلاً عن المخافر الحدودية وذلك ليتسنَى للجهات المختصة الوقوف على الأعمال والحركات الطارئة كافة ولإصدار الأوامر والتعليمات من مديرية الشرطة العامة.
وسعت وزارة الداخلية إلى تفعيل دور قوة الشرطة السيارة وتطوير قدراتها القتالية، فقررت في حزيران 1947 تزويد جميع قوات الشرطة السيارة بأحدث الأسلحة الحربية المستعملة في الخارج وتدريبها على أحدث الطرائق الحربية والفنية لتتمكن من القيام بالأعمال والمهام التي تناط بها، وخصصت المبالغ المالية اللازمة لجعل القوة السيّارة اثني عشر فوجاً خلال السنة1947 بضمنها بعض الأفواج الآلية.

أزمة الخبز سنة 1947 وموقف
وزارة الداخلية منها 
كانت سنة 1946-1947 أسوأ سنة عرفها العراق في تأريخه الزراعي الحديث. فقد قلَّ المطرُ، وكَثُر الجرادُ ومُنيت المزروعات بأضرار منوعة، وتضاعفت الرغبة في تصدير الحنطة والشعير إمعاناً في الإثراء السريع من دون أن يُلتفت إلى حاجة البلاد واستهلاكها المحلي، فلم يدخل شهر أيلول سنة 1947 إلا والبلاد تشكو أزمةً حادةً في الخبز، وعاد ذلك المنظر المؤلم الذي ألفه الناس أيام الحرب العالمية الثانية، يوم كان الرجال والنساء والأطفال يتجمهرون على المخابز والأفران، ويتدافعون بالمناكب والسكاكين ليحصلوا على القليل من الخبز.
ولما اشتدت الأزمة قرر مجلس الوزراء تأليف لجنة من مدير الداخلية العام، ومتصرف لواء بغداد وأمين العاصمة لبيان أفضل الطرائق لتوافر الخبز ومعرفة أسباب قلته. فكان من جملة مقترحات هذه اللجنة هو تكليف مدير السجون العام ليقوم بعمل إعداد المسجونين للقيام بمهمة إعداد الخبز، وان يسارع المزارعون لتسديد حصة الحكومة من حاصلات الحنطة والشعير، في وقت ((لم يكن في البلاد حنطة ولا شعير،إلا الشعير الذي أدخره المتنفذون لتأمين أموال السحت لهم)). وقد تكلل عمل المسجونين بالنجاح وقامت مديرية السجون بعمل اكثر من (25.000) صمونة في كل يوم لسد حاجة المسجونين فــي بغداد والألوية الأخرى. لكن ذلك لم يبعد أصابع الاتهام إلى الإدارة وتقصيرها في هذا الموضوع ولاسيّما إنها تحوم حولها شكوك الفساد.
كمـا أشار التقرير الذي أعده اثنا عشر نائباً إلى مجلس النواب إلى أن البلاد تواجه أزمة خبز مستحكمة الحلقات لم تجابه مثلها في تاريخها الحديث وارتفعت أسعار الحنطة والشعير بشكل عالٍ جداً يتعذر معه على عامة الناس الحصول على الحبوب أو الخبز لغلائه الفاحش.
وهذا ما زاد من تذمر الناس من الحكومة، ومما عجّل بالانفجار الشعبي بوجه الحكومة، التي لم تعطِ للموضوع الأهمية اللازمة بل العكس من ذلك، أنَّ رئيس الحكومة صالح جبر عَدَّ الأزمة شيئاً ثانوياً وأنها أزمة عابرة وذلك واضح في تصريحاته عندما زعم أنَّ الوضع مطمئن وأنَّ الحنطة موفورة ولا داعي للخوف من أزمة الخبز، وما زاد في تذمر الرأي العام منه حينما رفض مناقشة أزمة الخبز في جلسات مجلس النواب ووصفها بأنها أزمة تافهة.
مما جعل رئيس الحكومة مكروهاً من الشعب نتيجة تدهور الحالة المعيشية بعد ارتفاع أزمة البطالة وانتشار العوز والفقر بين معظم فئات الشعب، وذلك عجّل من سقوط الحكومة فيما بعد.

 عن رسالة (وزارة الداخلية العراقية 1939  – 1958)