من الإضرابات الطلابية في العشرينيات

من الإضرابات الطلابية في العشرينيات

د. بشرى سكر الساعدي
إضراب طلاب المدرسة الثانوية ببغداد عام 1926
يعدّ أولَ عمل سياسي بارز للحركة الوطنية، الإضراب الطلابي الذي قام به طلبة المدرسة الثانوية، احتجاجاً على المعاهدة العراقية- البريطانية لعام 1926. لأنّ بريطانيا لعبت دور المساوم في النزاع حول ولاية الموصل في شمال العراق، لتحقيق مآربها وفرض شروطها على العراق،

 وهو الأمر الذي أدّى إلى اشتداد المعارضة الشعبية للمعاهدة. لذا فإنّ معاهدة عام 1926 لم تمر من غير أن تترك آثارها في الشعب بصورة عامة وفي المثقفين والطلاب بصورة خاصة، كان لطلاب المدارس دور في معارضتها، لهذا فإنّ الدور الذي قام به حسين جميل ومجموعة أخرى من الطلاب كان تعبيراً عن موقفهم المعارض لتلك المعاهدة المجحفة.
وازداد تأثير طلبة الثانوية نتيجة لموقف مدرس اللغة الانكليزية، وهو بريطاني الجنسية اسمه كودول،  فبسبب انزعاجه من النقد العنيف الذي وجهته الصحافة والمعارضة لموقف بريطانيا، أخذ يتفوّه بكلمات نابية جّداً وبعيدة عن الذوق العام ضد الوطنيين العراقيين المعارضين للمعاهدة، زاعماً أنّ بريطانيا تسعى لمساعدة العراقيين والعمل على تقدمهم، الأمر الذي حفّز جموع الطلبة لإبداء اسيتائهم. فأعلنوا الاضراب عن الدراسة، احتجاجاً على موقف هذا المدرس، وذهبوا إلى إدارة المدرسة، وكان المدير آنذاك يوسف عز الدين الناصري، وأخبروه بأنهم قرَّروا الاضراب وعدم دخول الصف في مادة اللغة الانكليزية، لأنّ مدرسهم أهان العراقيين، وفعلاً نفَّذوا إضرابهم، وكان حسين جميل ضمن هؤلاء الطلاب، ورغم محاولة مدير المدرسة لإقناعهم بعدم الاضراب، ووعدهم بأنّه سوف يتصل بوزارة المعارف ليطلب نقل المدرس المذكور. لكنّ الطلاب لم يستجيبوا لطلبه، ونفّذوا إضرابهم، واستمروا فيه رغم محاولة المدير ثنيهم عن موقفهم مرة أخرى لكّنهم لم يغيّروا موقفهم حتى استجابت الوزارة لطلبهم، وقامت بنقل المدرس واستبداله بمدرس آخر. لقد قوّى هذا الإضراب معنويات الطلاب، وأَشعرهم بأنّهم يستطيعون أن يفعلوا شيئاً إيجابياً، وكان لهذا الإضراب أثر في دفع الطلبة إلى  ميدان النشاط السياسي، كما ظهر فيما بعد.
زيارة الفريد موند إلى بغداد
تعّد هذه الحادثة تعبيراً عن الشعور القومي المتنامي لدى العراقيين ضد الصهيونية ومخاطرها، فقد أدرك العراقيون منذ البداية، ومنذ صدور وعد بلفور عام 1917، خطر هذا الداء الوبيل، وظهر ذلك بوضوح عندما جاءت زيارة الزعيم الصهيوني الفريد موند للعــراق في 8 شباط عام 1928، وانطلقت تظاهرات الشجب العفوية التي عبَّرت عن الحماس الطلابي المعارض للصهيونية، والمدافع عن عروبة فلسطين. وكان للأحداث الدامية التي جرت في فلسطين ما بين عامي 1925-1927 صداها العميق بين ابناء الشعب العراقي، فقد عقدت الاجتماعات، وارسلت الاحتجاجات الى السلطة البريطانية ضد هذه الاعمال، وجمعت الإعانات المالية لمساعدة الفلسطينيين. ولاسّيما أنّ شهر شباط من العام المذكور قد شهد تأزماً واضحاً جاء نتيجة لوفاة الشيخ ضاري المحمود أحد زعماء ثورة العشرين، والتظاهرات الصاخبة التي رافقت تشييعه في الأول من شباط، والتي أَبدت سخطها على النفوذ البريطاني.
وعندما عرف الطلبة بخبر هذه الزيارة، من خلال مجلة (الشرق الأدنى) التي تصل العراق من القاهرة، والتي نشرت أنّ السير الفريد موند سيأتي في زيارة إلى العراق، أخذ حسين جميل الذي قرأ الخبر اتصل بزميله عبد القادر اسماعيل، الذي كان معه في الدراسة الثانوية وشارك في الحركتين الطلابيتين السابقتين، وأَعلمه بالخبر، وسأله عن رأيه في التظاهر احتجاجاً على تلك الزيارة وشجباً للحركة الصهيونية، فأيدّ عبد القادر هذه الفكرة، ثم ذهب حسين جميل بعد ذلك إلى الأستاذ يوسف زينل الذي كان معتمداً لنادي التضامن الذي كان حسين جميل عضواً فيه، وعرض عليه فكرة التظاهرة فأيدّه في ذلك. اتصل بعد ذلك بطلاب كلية الحقوق ودار المعلمين والثانوية المركزية. ثم نشط حسين جميل وزميله عبد القادر في إعداد اللافتات اللازمة لاستنكار الزيارة، لهذا أخذت الشرطة تراقب محلّ الخطّاط الذي أعدّ اللاّفتات المذكورة لمعرفة من سيأتي لتسلُّمِها وربّما لهذا السبب أخذت الحكومة موقفاً مشدّداً ضدهما (حسين جميل وعبد القادر اسماعيل)، وجعلت قرار الطرد من كلية الحقوق طرد نهائياً، دون غيرهما من الطلبة.
اتخذت الاستعدادات للتظاهر، وهيَئت مستلزمات التظاهرة، وحدَد موعد انطلاقها، بعد معرفة اليوم الذي سيصل فيه الفريد موند إلى بغداد، و التحضيرات التي تقوم بها مدرسة التقدم اليهودية والطائفة اليهودية لاستقبال الزعيم الصهيوني. وقبل ظهر 8 شباط انطلقت تظاهرة طلابية كبيرة بهدف منع وصول الفريد موند إلى بغداد، اخترقت هذه التظاهرة شارع الرشيد وهي تحمل أعلاماً ولافتات كبيرة كتب عليها (ليسقط وعد بلفور، ولتسقط الصيهونية، ولتحيا الأمة العربية، فليرجع الفريد موند الزعيم الصهيوني)، وعَبَرت هذه التظاهرة إلى جانب الكرخ، فانضمَت اليها جموع كبيرة من الأهالي، حتى تجاوز عدد المتظاهرين عشرين ألف نسمة، أخذ المتظاهرون يوقفون كلَّ سيارة قادمة لأجل التحقَّق من هوية الركاب، وهم يهتفون بشعارات مناهضة للصهيونية، فطلبت الحكومة من الشرطة تفريق المتظاهرين، فاشتبك الطرفان في معركة حامية، جرح فيها الكثير من الطرفين، أدركت الحكومة خطورة الوضع، فأرسلت مدير الشرطة حسام الدين جمعة مع قوة مسلّحة لملاقاة موكب موند، والطلب منه تغيير طريق سيره، وفعلاً وصل بغداد عن طريق الكاظمية، وحلَّ ضيفاً في دار المندوب السامي، أماّ حاشيته فقد ضيّفهم أحد أثرياء اليهود وهو البازر خضوري.
انتشرت أخبار هذه التظاهرات في بعض أرجاء العراق والوطن العربي أيضاً عن طريق وكالة"رويتر"التي نقلت الخبر، الأمر الذي جعل المندوب السامي في موقف حرج، لهذا أرسل نسخة من برقية رويتر إلى الملك، وإلى رئيس الوزراء، وإلى وزيري الداخلية والمعارف، زاعماً أنّ هذه التظاهرات حطَّمت سمعة العراق في أوربا وفي العالم المتمدّن، ومطالباً بضرورة منع حدوث مثل هذه التظاهرات في المستقبل. لذلك بادرت السلطة إلى سلسلة مـن الاجراءات القمعية، وكان في مقدمتها اعتقال أكثر من أربعين شخصاً من الأهالي والطلاب، كما داهمت الشرطة (نادي التضامن) الذي كان ملتقى العناصر الوطنية والمثقفة، وأَبعدت رئيسه يوسف زنيل باعتباره الرأس المدّبر لهذه التظاهرات. كما أَصدر وزير المعارف أَمراً إلى مديري المدارس والمعلمين في بغداد، هدَّد فيه بإطلاق النار على الطلبة لمنع حدوث اضطرابات أخرى في المستقبل. وأَصدرت وزارة المعارف أَمراً بطرد الطلاب الذين أُلقي القبض عليهم طرداً نهائياً ومنهم حسين جميل وعبد القادر اسماعيل وكذلك مزاحم ماهر وسعيد عباس السامرائي وصالح عبد الوهاب وعبد الحميد الخالدي وعبد الرزاق قاسم وعبد اللطيف محيي الدين وأدهم مشتاق وغيرهم من المدرسة الثانوية، كما طرد ستة من الطلبة لمدة شهر واحد وطالبانِ لمدة أسبوع واحد.
وهكذا واصلت السلطة كبح جماح الحركة الوطنية، وأصدر مجلس الوزراء مرسوماً يخوّل وزير المعارف حقّ جلد الطلبة وطردهم، ومرسوماً آخر يخِّول وزير الداخلية منعَ التظاهرات ووضع الأشخاص تحت الرقابة، وكلا المرسومين يتضمّنُ أثراً رجعياً وتقيداً واضحاً. ونتيجة لذلك هاجمت الأحزاب والصحافة والطلبة الحكومة على إصدارها تلك المراسيم، وعلى إجراءاتها التي اتخذتها بحقّ الطلبة.
وأثارت إجراءات الحكومة القاسية الحركة الوطنية، واجتمع عدد من الأهالي في جامع الحيدر خانة في بغداد في 10 شباط عام 1928، للاحتجاج على سياسة الحكومة إزاء المتظاهرين في 8 شباط، ولإعلان سخطهم الشديد على وعد بلفور القاضي باتخاذ فلسطين العربية وطناً قومياً لليهود، وتعالت الهتافات المدوية بسقوط الصهيونية، وبحياة الأمة العربية، واتخذت الشرطة التدابير الصارمة لمنع توسع هذه الحركة، وقبضت على بعض الخطباء، وفرَّقت المتجمعين بالقوّة والعنف. وقدّم حسين جميل مع الطلبة المفصولين عريضة للحكومة، احتجُّوا فيها على القرارات القاسية بحقهم، في وقت كانوا يدافعون فيه عن قضيتهم القومية، وحصلوا على تأييد نوّاب المعارضة الذين دافعوا عنهم، واتَّهموا الحكومة بمنع الطلبة من التعبير عن شعورهم الوطني، فقرَّرت الحكومة إعادة الطلبة المفصولين إلى مدارسهم لكن في السنة التالية. (أَمّا حسين جميل الذي طرد نهائياً من كلية الحقوق، فقد سافر في السنة نفسها إلى  دمشق ليواصل دراسته هناك، لذا فإنّه لم يخسر تلك السنة الدراسية، وقد ساعده بعض رجال الحركة الوطنية في سوريا للتسجيل في معهد الحقوق في دمشق. وقد جرى توديع حافل له من قبل زملائه الطلبة. ولابّد من القول إنّ هذه التظاهرة أَكسبت الطلاب تأييداً واسعاً بعد أن نجحوا في تقييد حركة موند في بغداد، وعكست التظاهرة بشكل واضح الشعور والوعي الوطني والقومي للطلبة.

عن رسالة (حسين جميل ودوره...)