فيلم  رينوار  للمخرج جيل بوردو..  انطباعات مزوِّر عن الانطباعية

فيلم رينوار للمخرج جيل بوردو.. انطباعات مزوِّر عن الانطباعية

 ترجمة / المدى
في صبيحة مشمسة من يوم عادي من أيام الاسبوع، في مقهى في بروكلين، كان المخرج الفرنسي يقلّب في اللاب توب بحثاً عن غاليريهات الفن العالمية. كانت هناك صورة فحمية لدراسة عن لاعبي الورق بريشة سيزان، صورة بالحبر لدون كيخوته لبيكاسو، مسدداً رمحه بوجه شمس إسبانية؛ وعالم خيالي، أزرق اللون، عليه الدمغات المشكالية لمارك شاغال. العديد منها تُعتبَر صور فن.

 السلطات تعتبرها إثباتات. جميعها من ملف قضية غي ريب، مزوِّر الفن الفرنسي المدان، الذي نسخت يداه بعضاً من أعظم التحف الفنية العالمية وهو الآن نجم الفيلم الجديد لبوردو.

فيلم"رينوار"، الذي افتتِح نهاية الشهر الماضي في نيويورك ولوس انجلوس، هو دراما عائلية رفيعة، تدور أحداثها في عام 1915. تركّز على بيير- أوغست رينوار (ميشيل بوكيه)، عملاق الانطباعية؛ إبنه جان، عملاق السينما المقبل؛ والمرأة التي ستصبح آخر موديل للأب والزوجة الثانية للابن. كاتباً عنه في النيويورك تايمز، وصفه الناقد ستيفان هولدن بأنه ((فيلم فائق الجمال، يتصوَّر العالم مراقباً من قبل فنان مضعَف، بقي حياً بالفكرة التي تسلطت عليه بأن يرى كيف يسلب الضوء بشرة امرأة جميلة)). في القيام بذلك، يعالج فيلم بوردو واحداً من أكثر المواضيع غموضاً في السينما، صناعة الفن.
يمكن للعبقرية الابداعية أن تكون في حطام عربة، لكنها اكثر صعوبة على الاحتواء في فيلم. كان بوردو واعياً جداً بهذا، ومن أجل إلهامه الخاص به نظر الى كيف تناول مخرجان مختلفان جباراً آخر للفن الحديث، فنسنت فان خوخ. ((خلق فنسنت مينيللي من جديد عمل فان خوخ في نظرة فيلمه، وتأليفه أداة تعبير كيرك دوغلاس)). قال بوردو، مشيراً الى فيلم"شهوة للحياة"(1956)، وواصل قائلاً، ((متنقلاً في فيلم"فان خوخ"، تجاهل موريس بيالا بالكامل تصوير اللوحات في هذا الفيلم من عام 1991. لهذا ما حاولت أن أفعله هو العثور على طريق ثالث. لم أكن أريد استخدام إعادة خلق بالكومبيوتر للوحات. كنت أريد لها أن تكون معروضة بكونها مبدَعة في لحظتها)).
أقحم غي ريب، الذي كان سمع عنه من خلال خبراء فن عالميين. ((كان معروفاً جداً في أوساط مالكي الغاليريهات)) قال بوردو. ((ولسبب وجيه، كانوا قد اشتروا لوحاته)). دعوة غي ريب بالشخصية النابضة بالحياة، هو أمر غير مغالٍ فيه. وُلِدَ هذا الرجل في مبغى من أم عاهرة وأب ينتمي للعصابات، وهو عضو سابق في الفيلق الأجنبي الفرنسي ومريد مزمن للرسامين للعظام. برغم أنه أبدع وباع أعماله الخاصة به في وقت أبكر، فإنه أيضاً قدّم لوحات ’’ ملهَمة ‘‘ من أساتذة الرسم الى حلقة مجرمي الفن الذين باعوا لوحاتها على أنها أصيلة.
أكثر منها مجرد عملية نسخ لأعمال معروفة، أبدع ريب أعمالاً كانت تحاكي الاسلوب، لوحات كانت يمكن أن تُرسَم بريشة بيكاسو أو شاغال أو رينوار، وكان يذبلها، إن صح القول، في مجموعة خاصة قبل أن تكون متاحة للمشترين السذّج. بسبب هذا، حوكم ريب، في عمر 61، بالسجن ثلاث سنوات، وخرج في كانون الأول عام 2010.
((كنت في وضع غير مستقر الى حد ما عندما اقترِح عليّ هذا المشروع)). قال ريب في الهاتف من باريس، مشيراً الى وضعه المالي بعد السجن. إستخدمه بوردو للعمل معه في مايس/ أيار 2011، ووفّر له مرسماً مجاوراً لمكتبه، وعَمِلَ لمدة ستة أشهر على اللوحات التي تظهر في الفيلم – لا فقط إعادة خلق لوحات رينوار الموجودة، بل أيضاً تلك التي يمكن أن يكون أنجزها.
((كان من المهم جداً بالنسبة لنا أن نقوم بالإعداد لتلك الفترة المكثفة))، قال ريب، الذي مُنِح، مع بوردو، امتياز الدخول الى مستودع متحف دورساي الذي يضم لوحات رينوار، التي لم يكن الكثير منها يُعرض بانتظام في غاليريهات المتحف الباريسي. كان قادراً، على نحو أكثر قرباً، على دراسة التقنية التي جعلت لوحات رينوار رينوارية.
في الفيلم يظهر بوكيه في الخارج، وفرشاة في يد المضمدة، المصابة بالتهاب المفاصل، واضعاً اللون على  الكانفاس؛ بينما تقطع الكاميرا بلقطة قريبة على اللوحة؛ تلك هي يد ريب منكبة على الرسم. ((رأيت أن يده يمكن أن تُوَجّه بنفس الطريقة التي يوَجه بها الممثل))، قال بوردو. ((عندما كان عليه أن يرسم لوحة لرينوار، كانت له طريقة دقيقة جداً في تحريك يده. كان عليه أن يتوافق مع إيقاع اللوحة، كي تصبح مضبوطة)). طريقتا أداء بوكيه وريب كانا يجب، بالطبع، أن يكونا متساويتي الأهمية. ((أصبحت مدربه)) قال ريب عن بوكيه. ((مدرب مختلف عن جيل، لأنه كان يركّز على النص، وأنا كنت أريد التأكد من أن حركات يده تعكس حركات يدي)).
برغم الكثير من لوحات رينوار المزوَّرة، 63 في المجموع، التي تظهر في"رينوار"، فإن الفيلم لم يواجه قضايا حقوق النشر والتأليف التي شوّشت أفلام الفن الأخرى، مثل"باسكيا"، حين لم تسمح إحدى الولايات باستخدام صور الفنان وكان يجب حذفها، أو يعاد رسمها  (في حالة اعمال جان- بابتيست باسكيا، من إخراج جوليان شنابل). في رأي برودو، لوحات ريب اضفت على فيلم"رينوار"حيوية لم يكن بالإمكان إنجازها بطريقة أخرى، وساعدت في تجنب المشاكل التي واجهها إنتاج افلام مثل"بيكاسو الحيّ"، فيلم ميرتشنت- ايفوري لعام 1996.
((أتمنى لو كان في الجوار عندما كنا نصنع فيلمنا)) قال جيمس ايفوري عن غي ريب. ((كنا ممنوعين بالمطلق من استخدام أي شيء أبدعه بيكاسو، وضمن ذلك ما كتبه. أعتقد أنه كان أمراً يبعث على الحزن. كان يمكن أن يكون، بصرياً، فيلماً مختلفاً)).
قال ايفوري إنه تحاشى الحديث للصحافة عن هراء فيلمه حول بيكاسو الحقيقي، معتقداً في ذلك الوقت أن هذا يمكن أن يضرّ بقدرة الجمهور على فهم الفيلم. على نحو مخالف، يبدو أن بوردو كان فرحاً بمساهمة ريب.
((إنه يمكن أن ينظر الى اللوحة ويرى روح الفنان، وهذا ما جعله مزوِّراً جيداً)) قال بوردو. ((كان يمكن أن يكون ملمّاً بعمله كرسام كلاسيكي، أو رسام من عصر النهضة، أو رسام تقليدي في رسم المادونات في كنيسة. رينوار كان يرى نفسه حرفياً، وتلك هي مقاربة غي كذلك)).
في فرنسا، تحسنت صورة ريب من خلال مقابلة، بعد خروجه من السجن، مع الكاتب جان- بابتيست بيريتيه. وهما الآن يشتركان في تأليف كتاب. ((واحد من الأشياء التي نعلق الأمل عليها في نهاية عمله في الفيلم)) قال بيريتيه، ((إنه من المحتمل عمله في أفلام أخرى في المستقبل)) ((أليس أمراً مضحكاً)) أضاف بيريتيه، ((إن نفس الشيء الذي أدّى به الى السجن، يدرّ عليه الآن مالاً بشكل قانوني؟)).