بعد أنْ عرفنا صالح الكويتي لنتذكّر أخاه داود العوّاد الكبير

بعد أنْ عرفنا صالح الكويتي لنتذكّر أخاه داود العوّاد الكبير

وسام الشالجي
ارتبط اسما صالح وداود الكويتي ببعضهما البعض حتى صار لا يذكر أحدهما إلّا ويذكر الثاني معه. غير أن هذا الثنائي الفنّي لم يكن ثنائياً بالمعنى المتعارف عليه لأن أعمالهما المشتركة قليلة نسبياً وأكثرها غنائية، وإن أغلب أعمالهما عادةً ما ترتبط باسم واحد منهما. ولأن هذين الأخوين ظلا متلازمين معاً، وعملا معاً ومضيا في مسيرة حياتهما بشكل مترافق، فقد ارتبط اسماهما بشكل وثيق مع بعضهما البعض.

ومما يجدر ذكره هو أن صالح الكويتي احترف التلحين والعزف على الكمان أكثر من أي شيء آخر، بينما احترف داود الكويتي الغناء والعزف على العود. غير أن هذا التباين لم يمنع أبداً لأي واحد منهما بأن يشارك بفعالية برز بها الشقيق الآخر، فصالح الكويتي غنى مثلما غنى أخوه داود، كما أن داود الكويتي لحّن مثلما لحن شقيقه صالح. ومن الطبيعي أن يبدر على ذهن أي متتبع أو مراقب سؤال وجيه هو : أيّهما اكثر موهبةً وأغزر عطاءً من الآخر، صالح أم داود الكويتي؟ وللإجابة على هذا التساؤل لابد أن نمضي برحلة نطّلع فيها على أعمال كل من الشقيقين، ثم نرى أي الأعمال حازت على شهرة أكثر؟ ومن هم المطربون الذين عملوا معهما؟

انتقل الفنانان صالح وداود الكويتي من البصرة الى بغداد عام 1929 لأنها كانت واحدة من المراكز الفنية المهمة بالشرق الأوسط بعد القاهرة وبيروت، وليكونا قريبين من الأوساط الفنية الرئيسة والفنانين المشهورين بالعراق. لم تكن هناك اعمال خاصة بالفنانين عند انتقالهما الى بغداد، بل لم يكونا اكثر من عازفين يغنيان أحياناً بعض الأغاني المنسوبة لغيرهما. اشتغل الاخوان صالح وداود الكويتي في البداية كعازفين في ملهى الهلال الشهير في بغداد. ومن هذا الموقع انطلقت شهرتهما وذاع صيتهما ليصبحا اسمين لامعين في مجال الفن بالعراق. وضمن الاهتمام بالفن والموسيقى أسس الأخوان الكويتي عام 1931 معهداً لتدريس علوم الموسيقى في بغداد، غير أن اهتمامهما به قلّ بعد أن كثرت وتطورت أعمالهما في مجال الموسيقى والغناء. وقد شكّل الشقيقان فرقة موسيقية عراقية قبل افتتاح دار الإذاعة العراقية كانت تقيم الحفلات، وكانت هذه هي النواة لفرقة الإذاعة التي شكّلاها لاحقاً عند افتتاح دار الإذاعة العراقية عام 1936. وعن نجاحهما وكثرة عطائهما قال عنهما الأديب العراقي (أنور شاؤول) حين كتب في مجلة"الحاصد"بقوله (صالح وداود كنز ثمين عثرت عليه الإذاعة العراقية).

أما الفنان داود الكويتي فهو عوّاد من الطراز الأول ويعتبر من أبرز عازفي العود في تاريخ الموسيقى العربية، كما أنه مطرب ذو صوت شجي وعذب. تعلّم داود الغناء وأصوله على يد المغني والموسيقي الكويتي خالد البكر وقدّم الكثير من الأغاني الكويتية والخليجية في جلسات الشيوخ ووجهاء الكويت بمطلع شبابه حين كان بالكويت، حيث كان يصاحبه أيضاً أخوه الأكبر صالح الكويتي الذي كان يعزف على الكمان وعبد الرحمن الخميري كضارب على المرواس وسعود المخايطة.وحين استقر داود بالبصرة ثم في بغداد لاحقاً شكّل مع أخيه ويوسف مير زعرور وآخرين فرقة موسيقية اخذت تعزف في ملهى الهلال كما بينّا أعلاه وأخذ مقعده فيها كعوّاد. وكان داود قد أثبت مكانته كعوّاد ماهر قبل ذلك الوقت حين كان يصاحب العديد من المغنّين الكويتيين مثل عبد اللطيف الكويتي وملا سعود المخايطة ومحمد زويد في تسجيلات غنائية برهنت على مكانته الكبيرة في العزف على العود وخبرته العميقة به. وفي بغداد جرب داود الكويتي أن يلحّن لمطربات العراق الشهيرات بذلك الوقت مثل سليمة باشا وسلطانة يوسف ونرجس شوقي وغيرهن، وبالفعل فقد نجحت تلك الألحان، ومن أجمل وأشهر ألحانه بستة مخالف (بالعشق حسدوني الخلق). لم يكن انصراف داود الكويتي للتلحين بنفس اندفاع شقيقه صالح، لكنه أخذ يتطلع بعد أن أصبح في بغداد، وهي مركز فني شهير بذلك الوقت بأن يصبح مطرباً من خلال أداء أغانٍ خاصة به وليس بتقليد أغاني الغير. ساعده أخوه صالح بهذا المضمار، حيث لحّن له مجموعة من أجمل الأغاني التي ظلت بالذاكرة العراقية لزمن طويل مثل):طولي يا ليلة)، (خدري الشاي خدري)، (خايف عليها)، (على درب الهوى)، (كَلي يا حلو منين الله جابك)، (أسمر بعينة كتلني)، (ميحانة) و(يا نبعة الريحان).

وبعد هجرته الى اسرائيل، أخذ داود الكويتي يغني بالحفلات الخاصة بالإضافة إلى تقديمه لاحقاً لوصلات موسيقية في الإذاعة، وتحتوي تلك الوصلات على بستات وأبوذيّات ومقامات عراقية أصيلة. كما قام بتسجيل الكثير من الأغاني الكويتية والخليجية في الإذاعة الإسرائيلية بصوته، منها صوت سادتي وصوت زر من تحب وصوت ملك الغرام وصوت في هوى بدري وزيني والكثير من ألحان الصوت، ليظهر بذلك كم كان مخلصاً في أداء الفنون العراقية والكويتية والعراقية وبأسلوب قلَّ نظيره الى اليوم.
يتضح مما جاء أعلاه، بأن الأخوين صالح وداود الكويتي كانا متقاربين كثيراً في فنهما وعطائهما، غير أن أي مراقب محايد يمكن أن يستشعر بسهولة بأن مكانة صالح الكويتي الفنية تتفوق قليلاً على مكانة شقيقه داود. يعود هذا الاحساس الى أن الألحان التي ألّفها صالح الكويتي كانت أقرب الى وجدان المستمع العراقي والخليجي. كما أن المنافسين له من الملحّنين كانوا قلّة ولا يتفوق عليه منهم أحد، لذلك فقد تسيّد الساحة بمنطقة المشرق العربي لعقدين من الزمن تقريباً. أما داود، فبالرغم من نجاحه كمغني إلّا أن كثرة الأصوات المنافسة له، خصوصا الأصوات النسائية جعلت من مكانته الفنية لا تقفز الى الصدارة كما فعلت مع شقيقه صالح. كما أن شهرة أغانيه ظلّت معتمدة بالدرجة الأساس على الألحان التي يؤلفها له شقيقه صالح. ومع ذلك فإنَّ مكانة الأخوين صالح وداود الكويتي معاً كانت مكانة كبيرة تحتل موقعاً مرموقاً، ليس بالعراق فحسب بل بالمنطقة كلها، لأنهما صنعا معاً مجداً فنياً كبيراً لا يستهان به وقد أصبح إرثاً عظيماً أضاف لتاريخنا الثقافي والفني والموسيقى الحضاري الحديث ما لا يقارن بما هو عليه بالوقت الحالي. إن المجد الذي تركه هذان الفنانان الكبيران يجب أن يصبح حلّة زاهية يزيّن بها تراثنا الفني المتعدد الألوان والطيف، والذي لا ينتمي الى دين أو مذهب أو طائفة، بل ينتمي فقط لقلعة شامخة تحمل اسم بيتنا الكبير (العراق).