الوفاء عند هلال ناجي

الوفاء عند هلال ناجي

د. خالص الأشعب
أية فرصة حضارية عرفت بها الصديق والأخ ( فيما بعد) هلال ناجي . أنها فرصة كانت مخططة من قبله , ذلك انه دعاني لإلقاء محاضرة حول ( أصالة البيت العربي التقليدي ) في صرح اتحاد الكتاب والمؤلفين العراقيين , في الوزيرية الذي كان يرأسه وقت ذاك , ضمن موسمه الثقافي . كان ذلك قبل ما يقرب من ثلاثين عاما .

ومنذئذ بدأت أشعر , أو بالأحرى , بدأت أتيقن , بأن الرجل الأخ هلال ناجي , يملك ويعشق لونا من الوفاء المؤثر المجرد , هو الوفاء لما هو مؤتمن عليه . وما الندوة التي دعيت لإلقاء محاضرة فيها ومن ثم إصدار مجلة إتحاد الكتاب إلا صيغ للتعبير عن هذا الوفاء .
استمرت العلاقة الفكرية العلمية الثقافية الاجتماعية في النمو والازدهار سنة بعد أخرى , وكان في الغالب هو المبادر في كل ما يعزز هذه الأخوة , ليس بالنسبة لي , حسب , بل لعدد من أصدقائه , الذين هم , في الغالب , أصدقاء لي بالوقت ذاته .
وهكذا كان موازنا ومتوازنا مع من يفي له , موضوعا كان , أ, مسؤولية , أو أصدقاء . ومن خلال مرافقتي روحيا وفكريا وثقافيا واجتماعيا لأخي هلال , ومن خلال أستقصائي عن سيرته الحافلة , وجدت ان الوفاء عنده يشكل طيفا واسعا من المحاور يفوق في عدد ألوانه , ألوان الطيف الشمسي ( قوس قزح ) .
إنه وفي عمله , رسميا كان العمل أم غير رسمي , داخل العراق , أو خارجه , إذ مارس مهنة وفن الدبلوماسية التي غادرها بعد وفاء لها مدة عمله بها . وجدت في أخي هلال إنموذجا متقدما من الوفاء للذات , فهو متجذر في وفاءه لذاته ومنبعه , ومتواصل في ذلك , ولم يكن ( للقطيعة ) أي موقع هذا المسار . يفسر ذلك انسجامه الذي يكاد ان يكون تاما مع ذاته , المنعكس هو الآخر على الموقع الذي احتله بين اهله وأصدقائه ومعارفه ومن زامله من العمل . امتد وفاؤه للذات ليتصل بوفاء من نمط آخر , ذلكم , للقيم العربية الأصيلة , التي تترعرع في عائلة تتقن رعايتها وتنميتها , بل صناعتها أيضا . حصد أخي هلال من هذا الوفاء موقعا متقدما من الحب والاحترام لمعايشته , ومساكنيه , ومزامليه , ومرافقيه , موقعا يستحقه , إذ ناله بتلقائية وطبيعية لا يتداخل معها الافتعال . أخذ الجمال فلسفة , وعناصر , وثقافة , ورموزا , حيزا من مساحة الوفاء عند هلال . عايش الجمال على نسبيته , تذوقه ونماه وحماه . تمتع بالجمال في الطبيعة ومكونات الحضارة , وفي الرموز بما يفسر الكثير من تفاصيل حياته . فهنيئا لمحبي الجمال , والأوفياء له , ذلكم هبة من الله لمن يحبهم .
لم يقف الوفاء عند ذاك , بل أمتد لصفة عربية أًصيلة , وهي العطاء , فالعطاء وهلال صنوان مترافقان متجادلان جدلا عضويا لا ينفصمان أينما كان ذلك سبيلا , وأخذ ذلك أكثر من صيغة . أما التراث العربي والإنساني , شاخصا كان أم مدونا , ماديا أم بالمعنى , فقد أحتل رقعة كبيرة من مساحة الحوار مع الوفاء . فهو أبن وفي للتراث العربي الأصيل , ومناصر له ومن حماته , عبر عن ذلك من خلال توجهه في الأدب ( نثرا وشعرا ) والفكر والتحقيق والدراسة . توزع وفاء هلال التراث , وعبر عنه في الفرص والمجالات التي أتيحت له عبر مسيرة حياته . كان لكل المجلات والدوريات التي رأس أو أسهم في تحريرها , وللدراسات المعمقة والتحقيق , وللمؤتمرات والندوات والحلقات العلمية والمواسم الثقافية وللقاءات الفكرية والثقافية في ( ديوانه) أو مظان أخرى , وللحوارات , وللرحلات العديدة داخل الوطن العربي وخارجه , نصيب من التعبير الموثق تدوينا , نتاجا كان ذلك أو في ( الأرشيف ) أو في الذاكرة , ذاكرة الزمن والأجيال
أما أهله وعياله , بالمفهومين الواسع والضيق , فقد نالا من الوفاء ما كان ينبغي أن ينال , يقرأ ذلك في عيون أي منهم , متجاوزا في ذلك الجنس والعمر والموقع والزمان .
كان يجري هذا الوفاء بألوانه في وعاء الوطن وحضن الأمة . نعم فوفاء هلال ناجي لوطنه وأمته أرضا وحضارة يؤطر كل أنواع الوفاء التي تم المرور عليها على عجالة . يتنفس هلال دوما وأينما يكون عبير الوطن وهواء حضارة الأمة . فهلال هنا دوما كالوطن في امة , في المشاعر والسلوك والعطاء .
أنني إذا أكتب متأخرا عما حدث وعدت , لأسباب قاهرة تتعلق بالسفر خارج القطر , ولالتزامات امتصت الوقت كله , سأعود لأفصل في وفاء أخي هلال للأصدقاء . ومن صيغ ذلك , أنه لم يتصل بي طيلة مدة التأخير , ظنا منه أن ذلك ربما يمس مشاعري , في وقت أنا كتيقن فيه , من أنه وجد عذرا لأخيه في هذا التأخير الذي لا يعني بأي حال , عدم رغبة المتأخر وهو الكاتب في أن يكتب . وبرهان ذلك أن ما كتبته الآن جاء بتلقائية وتجرد وصدق , وبجلسة واحدة خلوت فيها لذاتي , منصرفا إلى محاولة تقويم الوفاء عند هلال ناجي .
فللصديق كان هلال ناجي , وما يزال , متفقدا بكل القنوات التي يستطيع أن يمارس ذلك فيها . أعرفه أنا بذلك , كما يعرفه أصدقاؤه كلهم . وفي هذا السياق , يكثر هلال من ذكر أصدقائه , أينما تكون الفرصة مؤاتية . كان , ولا زال متواصلا مع أصدقائه , مقدما رعاية أو أخرى , حسب ما يمليه موقف الوفاء وقدرة صاحبه , ووضع الموفى له من أصدقائه . ولا يعد هلال ذلك مساعدة , بل نوعا من المتعة التي يحصدها جراء الوفاء المعطر بالكرم والبذل المستطاع . وحرصا من هلال على دوام الوفاء لأصدقائه فلم يكن حسب ما أعرف بخيلا أو مترددا في تقديم النصح أو ممارسة الرقيق من العتاب , أو إذا كان صديقه , بعيد الحساسية , تجنب ذلك .
ومن أمثلة حرصه على مواصلة الصلة " فيزياويا "أو في التعبير , أن يشارك ما يغله بستانه من ثمار أو فواكه من يتمكن من الوصول إلى دورهم , سواء كانت خيالية أم فيها من قصدهم . يرى هلال أن حفظ الغيب لصديقه واجب بل قيمة ومتعة يمارسها , , أنه مضح في أكثر من موضع , ولأكثر من صديق , وفاء منه لهم ولقدسية العلاقة . كما أنه من سعة القلب , متقبلا للأعتذار , صونا لديمومة الصداقة مما يعكس مرونة وتسامحا لا يراهما فيه إلا من عايشه وفهم معدنه النقي هلال في وفائه مستجيب لمن يفي له , مواس له , صابرا على فراقه , حافظا لسره , كاظما لغيظه في أكثر من حال .
أما عوامل الوفاء عند هلال فهي الأهل والعشير , وحضارة الأمة التي ينتمي لها , أنها قيمة العربية الأصيلة أنها نزعة فطرية في ذاته وتكوينه , أنها تجرد من المنفعة , الذاتية وأبتعادا عن الحسد العاطفة وهلال تؤمان , والوفاء تدفق لعاطفته . أنها لدهشة , أن يكون تقارب الهويات حينا , وتباعدها آخر , دافعا للوفاء .
إن من عوامل الفاء عند هلال , القدرة على تجاوز الزمان والمكان فهو وفي لأصدقائه , قريبين منه أو في أقاصي الدنيا , داخل الوطن العربي أو خارجه . إن هلال ناجي عاشق , ولكن ليس بالمفهوم الضيق للعشق , فهو يعشق الحياة , وأصدقاؤه مقوم من مقومات هذه الحياة , فهو بوفائه لهم وفي للحياة . فهو يرى في الصديق روحا يحياها في التنفس , فهو سجين الهوى الذي لا يعرف الهجران . امتدت الثقة العالية بالنفس عند هلال لتثق بالحياة وأهلها , فحب الخير والوفاء عنوان من عناوين ذلك . الفتوة مفهوم ومعنى وممارسة , لصيقة هلال , والوفاء هوية من هوايات ذلك , الكرم عنوان للفتوة ومؤشر للشجاعة صفتان يمتلكهما , فكان الوفاء مسارا وحصادا لذلك . من المروءة عند هلال , أن يفي الإنسان للأوفياء , لأهل الوفاء , وأصدقاؤه , وأصدقاؤه رعية ذلك .
حصن هلال ذلك من الوشاية الوشاة , من الحسد والحساد , من الرزق و الارتزاق , من التسلق والمزايدة , فهو رخي البال , موازن لمعطيات الحال , وفيا في المسيرة والمشاعر والمال , هذا حاله أمس واليوم وفي آمال .
لله درك هلال , فأنت كما رأيت وأرى , وفيا لأهل العلم , ولأهل الرأي والفضيلة وللعقلاء وللمؤتمنين وللمستحقين من الأحياء . وقبل ذلك لمن شاء الله أن يكونوا من ساكني الثرى , لمن وأراهم التراب . وفي وفائك للموتى من قافلة الأصدقاء يا هلال . كنت أكثر تجردا وأعمق عاطفة وعذريا في كل ما تنطق به أو تدونه , فكنت صادقا يا هلال حين يكون المتوفى من بناة الفكر والعلم والمعرفة . كنت نموذجا في التعبير عن موقع الفقيد . وأمثلة لذلك كثير , حازم سعيد ونوري حمودي القيسي ومحمد بهجت الأثري وكاظم بحر مرجان وكوركيس عواد وخليل العطية نجوم عربية أفلت , فكان ألق ما كتبت نثرا وشعرا وفاء منك للمغادرين . إن من يقرأ شعرك في ملحمة الوفاء عام 1976 رثاء لحازم سعيد , طيب الله ثراه وما كتبت وفاء للفقيد العزيز نوري حمودي القيسي , عام 1995 سوف يعجب ويدهش , بل قد يذهل , من سعة المحبط الذي أبحرت فيه صدقا ووفاء وعواطف وتوثيقا وعرضا للمناقب سوف يذهل من صدق وفائك , معبر عنه في دفق من أدب ثر يذكر بأدب الأجداد وبتراث الأمة . بعض من وفاء لك صديقا وأخا وإكبارا مني لمن كان رمزا للوفاء , أكتب لصحة , وأعرض ومضة مما فاض من صدق مشاعري نحو هلال أدام الله أشعاعه .
مجلة الاقلام 1996