ذكريات إذاعية.. رمضان والبرامج الدينية في إذاعة بغداد في الأربعينيات

ذكريات إذاعية.. رمضان والبرامج الدينية في إذاعة بغداد في الأربعينيات

سندس حسين علي
كانت الأسباب المباشرة لتأسيس الإذاعة العراقية ارتفاع الأصوات المطالبة بالاستماع إلى تلاوة القرآن الكريم آنذاك، بعد سماعهم للتلاوة من قبل القرّاء المصريين، حدث أن طالب محمد رفعت بزيادة أجره على التلاوة، فامتنعت شركة (ماركو ني) التي كانت تتولى إدارة إذاعة القاهرة عن تنفيذ الطلب فكفّ الشيخ عن الذهاب إلى الإذاعة،

 فأحتج المستمعون في أنحاء الوطن العربي مطالبين بإعادة الشيخ وزيادة أجره الذي طلبه، وكان من بين الذين كتبوا إلى الشركة حول الشيخ رفعت الملك غازي الذي بعث برسالة إلى الإذاعة يبدي فيها استعداده بدفع فرق أجرة الشيخ فما كان من الشركة إلاّ أن أعادته لترتيل القرآن الكريم وبالأجرة التي حددها. فظهر من القرّاء العراقيين الملا مهدي، ومحمود عبد الوهاب، وهما من خيرة قرّاء القرآن الكريم في العراق آنذاك، ومنذ السنة الثانية لتأسيس الإذاعة اللاسلكية العراقية، طالبت الصحف المحلية بتخصيص واحد أو أكثر من المعروفين بالتقوى والصلاح، ليحدثوا الناس أحاديث الفضائل ومكارم الأخلاق والأعمال، مثلما سبقتهم مصر في استعمال تلك الوسيلة، لبث المواعظ والوصايا بين حين وآخر من قبل وزارة الأوقاف. وبناءً على رغبة المستمعين بسماع تلاوة القرآن الكريم فقد حددت مواعيد التلاوة من دار الإذاعة من الساعة السادسة والنصف إلى الساعة السابعة مساء كل يوم.
وجهت الإذاعة إلى (جمعية الشبان المسلمين)، و(جمعية الهداية الإسلامية) في بغداد وغيرهما من الجمعيات الدينية الدعوة إلى المساهمة في مناهج الإذاعة لتقديم أحاديث دينية وأخلاقية لأعضائها العاملين فيها، وغيرهم ممن يعرضون أحاديثهم على (لجنة الوعظ والإرشاد) والغرض من ذلك، هو نشر التعاليم الإسلامية السامية، وحث الناس على التمسك بأهداف الفضيلة والأخلاق، فأرسلت الجمعية إلى دار الإذاعة اللاسلكية قائمة بأسماء المحاضرين، وهم كل من: الشيخ قاسم القيسي، والحاج حمدي الاعظمي، والحاج نجم الدين الواعظ، والسيد محمد القزلجي، لتقديم محاضراتهم عبر الإذاعة وكانت تلك الأحاديث تقدّم مرة واحدة في كل أسبوع. ضمن فترة أطلق عليها اسم (إذاعة لاسلكية خاصة).
في مساء السابع من حزيران 1946، نقلت دار الإذاعة العراقية من جمعية الهداية الإسلامية، المحاضرة الأولى من سلسلة محاضرات الجمعية التي أعدتها بناءً على رجاء دار الإذاعة، فأخذت الإذاعة بالتنويه عن مواعيد نقل المحاضرات من الجمعية، كذلك اهتمت الإذاعة بالأحاديث الدينية، وتلاوة القرآن الكريم لاسيما أيام المواسم والأعياد الدينية كشهر رمضان، وموسم الحج والعمرة، وعيد الفطر وعيد الأضحى.
كانت إذاعة بغداد في شهر رمضان مقتصرة على آي الذكر الحكيم،(كان المقرئ يحضر إلى دار الإذاعة وهو صائم ليتلوا ما تيسّر له من آي الذكر الحكيم، قبل موعد الإفطار ثم يختم التلاوة قبل مدفع الإفطار ليرفع آذان المغرب، وكانت الإذاعة على اتفاق مع إدارة مطعم العاصمة ليقدم المطعم مائدة الإفطار التي تحمل فوق صينية كبيرة إلى الإذاعة وتوضع في غرفة المذيعين بانتظار المقرئ، ثم يجلس حول (الصينية) الصائمون، من المذيعين والفنيين، وكان عددهم قليلاً آنذاك ليشاركوا المقرئ إفطاره بعد عبارة (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت...). وفترات من التواشيح الدينية، والأحاديث والنصائح الدينية، وتبقى الإذاعة خلال مدة الإفطار صامتة لمدة أطلق عليها اسم (فترة الإفطار)... ومن ثم يستأنف البث بقراءة من كتاب نهج البلاغة ثم يعقبها أغانٍ خاصة بشهر رمضان المبارك، وحديث عن سيدات البلاط العباسي للدكتور مصطفى جواد. ومع ذلك فإن المستمعين، كانوا يلحّون في إذاعة برامج دينية أخرى، مما حمل الإذاعة بالاعتذار عن ذلك الأمر، نظراً لأن المدة المحدودة للبرامج التي يرغب بعض المستمعين في إذاعتها قليلة جداً، إذ لا تستوعب حتى المواد الأصلية، التي لابد أن يتضمنها منهاج الإذاعة اليومي. ولقدسية شهر رمضان حرص الناس على  فتح الراديوات لسماع مناهج الإذاعة العراقية، والنشرات الإخبارية والأحاديث العامة، من الإذاعات الخارجية.
كما قررت مديرية الدعاية العامة إعداد مناهج خاصة للإذاعة في أيام الجمع، تتضمن تلاوة آي الذكر الحكيم والنشرات الإخبارية والأحاديث الاجتماعية المفيدة. ونقل صلاة الجمعة من أحد المساجد التي تزخر بها مدينة بغداد، واستوجب ذلك تعيين مذيع في المسجد يشرح للمستمعين مجريات النقل.
كانت لإذاعة بغداد مشاركة في العشرة الأولى من شهر محرم الحرام، إذ كانت تتوقف عن إذاعة الأغاني والموسيقى، والاقتصار على تلاوة القرآن الكريم، ونشرات الأخبار، والأحاديث الثقافية والإرشادية.
كما كانت الإذاعة تحتفل بعيد العروبة والإسلام (عيد المولد النبوي الشريف)، إذ كانت تقوم بالاتفاق مع جمعية الشبان المسلمين ببغداد على إذاعة حفلات تلك الجمعية التي تقيمها في تلك المناسبة بواسطة الإذاعة اللاسلكية وما يلقى فيها من الخطب والقصائد ودأبت على أن يمتد الاحتفال من دار الإذاعة لمدة أسبوع كامل احتفالاً بتلك المناسبة، إذ جرى الاتفاق بين دار الإذاعة وكل من دار المعلمين الابتدائية، ودار المعلمين الريفية، والثانوية المركزية ببغداد إذاعة منهاج كامل كل على حدة، ولكل منهم ليلة خاصة من ليالي المهرجان الأسبوعي الذي يعدّه الطلاب والأساتذة وتذيعه محطة الإذاعة اللاسلكية، أما أيام الأعياد، فيتم افتتاح الإذاعة فجراً ولثلاثة أوقات هي:
أ‌- إذاعة الفجر: إذ يتم فتح الإذاعة(4،30) فجرا بنقل صلاة العيد من جامع الإمام الأعظم ثم ختام الإذاعة بالسلام الملكي.
ب‌- إذاعة الصباح: تفتح الساعة (6،55) يتم افتتاحها وقراءة المناهج اليومية والقرآن الكريم وتختتم الساعة (12) بالسلام الملكي.
ج‌- إذاعة المساء: تفتتح (3،55) بالقرآن الكريم، وتختتم الساعة (10،15) بالسلام الملكي.
كانت تلاوات القران الكريم في إذاعة بغداد مقتصرة على القراء العراقيين فقط حتى أوائل الخمسينيات، فلم تكن إذاعة بغداد تستطيع الحصول على تلاوة لأيّ قارئ عربي، نظراً لما يطلبه القارئ من مبلغ باهظ، لا يستطيع دفعه له لاسيما المصريون منهم... فكانت أجور التلاوة  ذات النصف ساعة لا تقل عن ألفي جنيه مصري.

في بداية خمسينات القرن العشرين، حدث تطور كبير في الإذاعة، حينما أخذت بالتسجيل ولقد استفادت من الظروف التي مرت في العراق، إذ قامت بتسجيل ترتيل القرآن الكريم من القرّاء المصريين، فإبان وفاة الملكة عالية عام 1950، أقيم على روحها مأتم في البلاط الملكي، وكان قد استعين بعدد من قرّاء القرآن العراقيين، وفي اليوم الثالث، كان الحاج عبد الهادي الجلبي قد اتفق مع اثنين من أعلام قرّاء القرآن الكريم في مصر، للقدوم لتلاوة القرآن في مجلس الفاتحة الذي قرر إقامته على روح الملكة عالية، في الروضة الكاظمية، فوصل إلى بغداد بعد ظهر اليوم الثالث من مجلس الفاتحة المقام في البلاط الملكي الشيخان عبد الفتاح الشعشاعي وأبو العينين شعيشع، وبدءا بتلاوة القرآن على الطريقة المصرية الجميلة، فقامت إذاعة بغداد بنقل تلاوتيهما للمستمعين، ثم أقيم مجلس الفاتحة في الصحن الشريف في الكاظمية، ولمدة ثلاثة أيام، وتم الاتفاق على نقل تلك التلاوات الكريمة لإذاعة بغداد، على أن يقوم بتسجيلها سراً، ودون علم الشيخين، إذ لو علما بذلك لربما كلف مبالغ طائلة لا تقدر الإذاعة عليها، فكان أن حصلت الإذاعة على تلاوات كريمة رائعة تجلّت فيها مقدرة الشيخين على التلاوة وعلى الأداء والتجويد الذي سحر المسلمين، فكنت ترى عشرات المئات من المواطنين يؤمون مسجد الكاظمية، عصر كل يوم من مجلس الفاتحة على اختلاف أعمارهم ليستمعوا إلى التلاوات الرائعة، ثم تُليت آيات القرآن الكريم في جامع الإمام الأعظم (رض). وهكذا حصلت إذاعة بغداد على تلاوات كريمة سعد بها المواطنون مدة من الزمن ومازالوا.
  كان لمجيء الشيخين بداية التحول في نظر الجمهور، إلى قراءة القرآن ونوعيتها، ومن هنا من أخذ لا يستسيغ الاستماع إلى الطريقة العراقية في قراءة القرآن، ودُعي إلى بغداد في شباط 1956 كل من عبد الفتاح الشعشاعي وأبو العينين شعيشع وعبد الباسط محمد عبد الصمد، للاشتراك في ترتيل آي من الذكر الحكيم في مجالس الفاتحة، التي أقيمت على روح الأميرة جليلة، ثم جاء في مناسبات أخرى مصطفى إسماعيل، وعبد الباسط عبد الصمد، فسجّلت إذاعة بغداد بعضاً من تلاوتهما وأيضاً من دون علمهما.
بدأ بعض قرّاء القرآن في العراق، في محاربة الطريقة المصرية، إذ قام الحاج محمود عبد الوهاب، بتحريمها على اعتبار أن تلك القراءة قريبة من الغناء المصري، في حين أنه نسي أن القراءة العراقية قريبة من الغناء العراقي، ونعني بها المقامات العراقية، وفشلت تلك المحاولات في التقليل من قراءة القرآن بالطريقة المصرية. كما أن الإذاعة كانت حريصة على تنظيم برامج خاصة بمناسبة الأعياد المسيحية واليهودية.

عن رسالة (توجهات الإذاعة العراقية الوطنية 1936-1958)