حي (بغداد الجديدة) وكيف كانت بدايته؟

حي (بغداد الجديدة) وكيف كانت بدايته؟

عباس فرحان الزاملي
كان توسع المدينة على امتداد جانبي النهر ووصل البناء الى الكاظمية والأعظمية والكرادة الشرقية. الى جانب ذلك توسعت الرصافة من السنك والباب الشرقي نحو ارخيته  والكرادة الشرقية، ثم اتصلت بمعسكر الرشيد والأعظمية، واتسع جانب الكرخ حتى (مكان محطة قطار بغداد) وجنوباً حتى كرادة مريم أي أن طول المدينة اصبح يتراوح بين (20-50) كيلو متراً.

 ومن الجدير بالذكر أن التوسع قد حدث بعد ازدياد توجه سكان بغداد القديمة المحصورة ضمن بقايا السور نحو تلك المناطق. انسجاماً مع التطور الاقتصادي والاجتماعي الذي سمح لهم بالتنقل لشراء مساحات واسعة وتشييد بيوت فخمة تتلاءم مع مراكزهم الاجتماعية ومستوياتهم الاقتصادية.

ظهرت أحياء جديدة في بغداد عام 1945 حيث أسّست شركة خاصة لإنشاء البيوت الحديثة الواسعة. بعد اتفاق جماعة من أصحاب رؤوس الأموال من العراقيين والمصريين على تأسيس شركة عرفت بشركة بغداد الجديدة على غرار شركة مصر الجديـدة، تولـى إدارتها المهندس جاسم محمد عبد الغني. يساعده مجلس إدارة  تألف من أبرز المساهمين فيها، ومن الجدير بالذكر أن اليهود قد تمتعوا بنفوذ كبير في مجلس إدارة الشركة، فشرعوا بتمويل المشروع وإخراجه الى حيز الوجود لأغراض اقتصادية صرفة.
كان رأسمال شركة بغداد الجديدة في بداية تأسيسها مليون دينار عرضت أسهمها في السوق بسعر (خمسة دنانير للسهم الواحد) فحدث اقبال كبير على شراء تلك الأسهم، وبعد الاكتتاب باشرت الشركة العمل واشترت أرضاً واسعة تتكون من آلاف الدونمات تقع في شرقي العاصمة. وكان  (يحدها من الغرب تل محمد ومن الجنوب أراضي عبد الجبار غلام ومعسكر الرشيد ومن الشرق أراضي شفيق السعيدي وزيونة من الشمال).
أشرف على تخطيط بغداد الجديدة المهندس سيد عبد الكريم المصري الذي خطط مصر الجديدة،  وكانت تماثلها من حيث مساحات البيوت والشوارع ونوعية البناء.
ومما يجدر ذكره أن الأرض المخصصة للشركة كانت معرضة للغرق بمياه الفيضانات عند ارتفاع مناسيب المياه في نهر دجلة، فتضطر الدوائر المختصة بهدف إبعاد خطر الفيضانات عن بغداد الجديدة الى أحداث كسرات في الأسداد التي تحيط بالمدينة، وبهدف التخلص من تلك الأخطار، قامت الشركة باتخاذ اجراءات احتياطية تمثّلت بإنشاء سد ترابي لتأمين ووقاية بغداد الجديدة إذا ما تعرضت للفيضانات، ثم قامت بعد ذلك بتخطيطها على شكل هندسي منظّم.
شيّدت الشركة أول بناء لها في بغداد الجديدة كان كازينو (ليالي الأنس) ودوراً منفردة قامت ببيعها للميسورين بأسعار عالية. كذلك أنشأت دوراً أخرى تضم كلاً منها ست غرف.
اهتمت الشركة بتنظيم المدينة وتوفير الخدمات الضرورية فيها ونصبت جسرين في مدخلها وعبّدت طرقها الرئيسة والفرعية، وافتتحت سوقاً عصرياً فيها، وقامت بإنشاء الحدائق المتنوعة وتشجير الطرق والشوارع وتشييد ساحة لسباق الخيل على الجانب الأيسر من الطريق المؤدي الى بعقوبة. كذلك وفرت الشركة فيها خدمات الماء والكهرباء والنظافة بوساطة (عمال النظافة). لعـدم وجـود السيـارات الخاصـة، وتعاقدت مع الحرّاس والبستانية لتنظيف مدينة بغداد الجديدة لعدم امتلاكها سيارات خاصة تقوم بنقل النفايات. أما الخدمات الصحيّة فقد افتقرت الى المستشفيات والصيدليات، لذلك كان المرضى يذهبون الى المستشفيات القريبة لغرض المعالجة.
يمكن القول إن بغداد الجديدة كانت مدينة عصرية توافرت فيها العوامل والأسباب الجاذبة لسكان بغداد القديمة، وقد وصفها السيد عبد الرزاق الحسني بأنها صورة مصغّرة للأحياء الحديثة في بيروت والقاهرة والقدس من حيث تخطيطها وشوارعها وأسواقها وتوفر الخدمات الضرورية فيها.
لم يحقق مشروع بغداد الجديدة نجاحاً كبيراً في بداية الأمر لتعرض المنطقة للفيضانات الى جانب المنافسة الشديدة التي أوجدتها شركة حديثة مماثلة لها تأسست بعدها لبناء البيوت في غربي بغداد عرفت بشركة المنصور.

 عن رسالة (الحياة الاجتماعية في بغداد)