في تجارب عادل كامل التشكيليّة - رؤيةٌ في رقصة معبديّة

في تجارب عادل كامل التشكيليّة - رؤيةٌ في رقصة معبديّة

د. زهــــير صـــاحـب
 في ممرات الغواية المعبدية.. يفصح عادل كامل عن ذاته.. ناقداً مخضرماً.. تناول سياقات التشكيل في الفن العراقي المعاصر.. باحثاً في البنية الدلالية للفكر الكامنة في نسيجيته البنائية. مصنفاً قوانين الحداثة في السمات الفنية المميزة لبنيته الشكلية.. وكل ذلك وغيره عمل بفاعلية على توسيع دائرة الوعي الثقافي في فلسفة وجماليات التشكيل المعاصرة في البنية الذهنية لعادل كامل الفنان والناقد.

وفي تقصٍ فكري يعتمد رؤية نقدية تحليلية لتجربة عادل كامل.. الأخيرة (ممرات الغواية) سنعمل بموت المؤلف، تاركين لمنطق النص التشكيلي البلاغي.. أن يوحي ويدلل في حرية تامة من قبضة مؤلفه، وفي نظم العلاقات المكونة لبنائية النص، كنوع من معادلة روحية للعاملين الخارجي و الداخلي.. يجد عادل كامل شفرته الدلالية في معادلة رياضية يعصر بموجبها الموروث بذائقة الفكر المعاصر، فقد بدت هذه التقابلات واضحة في بنائية التشكيل.. في صيرورة رمزية تضم عالم الحسيّات بصفتها مصدراً للمشاعر وعالم الروح كونه كشفاً نهائياً لدينونتها. عاملاً على أحداث متحول إبداعي في دائرة آلية عمل البنية مبتعداً وإياها عن تأويلات التاريخ.. واضعاً ذاته في خصوصية التزامن بدلاً من عامل التطور التتابعي لبنائية التشكيل داعياً الى ذلك النوع من التشكيل بقصدية وبإرادة ليتجاوز أطره  ومحدداته.. باعتباره ظاهرة حضارية إنسانية.. ونشيداً خالداً يعزف في كل الأزمان.. وفي انفتاح نظم التلاقح الحضاري الكامن في بنائية التشكيل لتجريبية عادل كامل الجديدة.. يعقد الفكر الصلة ما بين الهرم باعتباره رمزاً للمطلق.. وطائراً في الفضاء لبرنكوزي في حركته المستقبلية اللا متناهية نحو اللا محدود و اللا نهائي.. ويوازي الفكر أيضاً نظم وسياقات بنائية العلاقات الخطية المميزة لبنائية الزقورة، ورؤية موندريان الذي أحال بنائية التشكيل الى نظام هندسي من بنائية الخطوط ولعل تعبيرية الذات للنحات في سومر يقترب من نظام التعبير في نسق الصورة لدى مودلياني أو أد ورد مونشن.. هذه الروح التي فاضت بها ذهنية الفنان عادل كامل.. يفعل ما امتلكته من تضخم نوعي من الصور، حين قامت باسترجاعها آلياً، ساعية الى نوع من عالمية التشكيل.. نوعاً من العالمية، تزول بها كل الحواجز الكونكريتية التي وضعها التاريخ.
 وفي تركيبة نظام الصورة في (ممرات الغواية) تبدو المرأة كعلامة متكررة في بنائية النص.. باعتبارها مفردة رمزية، تعمل خارج حدودها الطبيعية و التاريخية.. فهي عشتار في العراق، وافروديت في اليونان، وايزيس في مصر.. الخ. إلاّ أن مأثرة المبدع هي الكيفية التي استطاع بها الفكر التغلب عن الطبيعي والمادي.. فهنا تتجلى الهيئة البشرية ليس لكونها محض شكل طبيعي، و إنما باعتبارها تمثل الروح و تعبيرها الكامن في أعماق الأفكار الإنسانية. هذه التجريدية السيزانية، طالت جميع السمات المميزة للهيئة ولم تعد تمثل بعد أن زال من الحدس العيني، كل ما يؤلف خصوصية الموضوع الفردية بعد اختزاله إياه الى نظم من العلاقات الخطيّة. توحي وتدلل اكثر على من أن تحاكي وتشبه. والفضيلة في ذلك، هو أن نظام الصورة قد شهد متحولاً من مماثلة الشيء الى التعبير عن ذلك الشيء خارج شيئيته. فالفنان لا يستقي البهجة من الطبيعة العفوية للأشياء، إنه سيسعى الى نوع من التحوير و الاختزال و التبسيط وصولاً الى نوع من الرمزية الواعية في التمثيل. فالتجربة بكاملها لم تكن محاكاة لأشياء مادية بل تعبيراً عن أفكار.
وفي نظام عمل البنية، لابد أن يؤشر نظام الفكر، بدلالة وسيط مادي، و يعلن نظام السطح في (ممرات الغواية) عن قنوات مرجعية كانت بدايتها كولاج بيكاسو وبراك، وخليط العجائن الجاهزة عند بولوك، وصولاً الى نظام المادية الصورية الجاهزة لانطونيو تابيس. وفضيلة عادل كامل، هو انه حفر مدلولاته على جدار معبد إن أفرز بروح انتقائية خصوصية العتق والقدم لامست الطبيعة بحنينها وعداوتها سطح الجدار، فأحال التكوين بقصدية نحو بنية جمالية متقشفة صوفية بميتافيزيقيا المكان ودلالاته التعبيرية.
 وفي بنائيات عادل كامل المعمارية، يتصف طابع التشييد بتمازج تجميعي غريب للتقنيات، مثلما يحدث في (البوب أرت). فحضور الكرافيك بأناقته المعهودة، و خصوصيته الطباعية.. ووجود النحت بصلابة كتلته.. وتقشف اللون التكعيبي.. قد أحال البنائيات الجدارية في (ممرات الغواية) الى نوع من بنائيات مادية غير أنها تعمل على إسقاط الصورة الذهنية كأيقونات ذات مغزى كوني، وتناسق خاص تسمية أرابسك في موسيقية نظام اللوحة.
و في نظام المفردة الشكلية (لممرات الغواية) احتل التعبير الروحي مكان الصدارة، في حين تراجع ما هو طبيعي محض لمرتبة ثانوية. بقصدية تميل الى التحول في سمات الشكل من الجزئيات الى نظام الكليات، و من الفردية الى التعميم المطلق، فالعنصر الحاسم في هذه القصدية هو نظام الشكل الموحي بالموضوع، و الذي يتميز بما هو جوهري ثابت، و ذلك اكثر سمواً مما يوجد في الطبيعة الفردية. يتملك العين، في استيعابها البصري لنظم انساق بنية العرض، نوعاً من السمترية، غير انها تماثلية من نوع جمالي. ذلك إن كمال الفكرة، متحقق في ذلك. حددت فضاءات الرقصة بأطر سوداء، اغتالت اللا محدود في بنائية الرقصات.. شكراً لعادل كامل في رقصته المعبدية، عسى أن تستجيب السماء لندائه الأرضي وشعائره الطقوسية.