الآخر في مخيال السرد.. ترنيمة امرأة.. شفق البحر

الآخر في مخيال السرد.. ترنيمة امرأة.. شفق البحر

ناجح المعموري
الرواية كاشفة بوضوح عن الصراع الثقافي بين نمطين حضاريين، هما الشرق والغرب وتبدّيات هذا الصراع الطويل كثيرة، مبثوثة في المتون العديدة والمتنوعة بالرواية بحيث تحول التوتر بين الاثنين إلى إشكالية لعبت دوراً بارزاً، وواضحاً على سامر اللائذ بالراوي العليم بكل شيء، حتى التفاصيل البسيطة والمهملة التي اتسعت لها الرواية وصارت بالتتالي شذراتها المتكررة والتي سرعان ما تظهر مرة أخرى،

 فتبدو وضمن مسارات السرد شذرات مضيئة، معرفة بشيء جديد، له علاقة مباشرة بالشخوص التي حافظت على عددها طويلاً، وسرعان ما تخترقها أخرى، تتجاور معها، وتضيء فضاءً ضرورياً، لكنه غير بعيد عن الذي كان، وخصوصاً نمطية العلاقة الحضارية واستدعاء شخوص أخرى، حققت كل الذي أراده القاص سعد محمد رحيم من مواجهات مع الآخر، مستفيداً من الاستشراق وما بعد الكولونيالية لإضاءة الشرق وجذوره وانعكاسه بالعلاقة مع الآخر الذي تحول تدريجياً إلى بؤرة مركزية، وكأن للقاص سعد مهمة استعادة الوظيفة المعروفة والنمطية للآخر وتحويلها إلى آلة له، حتى يستعين بها للطرق على باب الآخر. والأكثر تعبيراً على الوافد الجديد ـ وكان بالإمكان الاستغناء عنهما ـ هما نيكول ومايكل اللذان أضفيا على السرد التكرر لآراء ومفاهيم وأخطاء وجرائم، قالتها الوحدات السردية منذ البداية.
ولم يكن حضورهما في المتخيل السردي مهماً وفاعلاً، لأنهما صارا حلقة مكمّلة. نواجه في هذه الرواية المتخيل السردي وعلاقته بالآخر.  العلاقة التي يرويها السرد ويكشف عنها، بشفافية وشعرية واضحة، وهذا ما تم في عديد من المتون السردية. صحيح أن التكرر من مستلزمات السرد أو المبين الحكائي، لكن باشتراط بؤرتيه ودخوله إلى النسيج الداخلي بمرونة عالية، وتحوله إلى مكمل للمتن وليس عبئاً،  فأنا كقارئ لا أستطيع التعايش مع نيكول ومايكل وهما من ضحايا الآخر أيضاً، كل منهما يحمل أعباء الحروب المتكررة ضغطاً نفسياً ودماراً لحياتهما.
ابتكر القاص سعد محمد رحيم نيكول ومايكل مع روبرت شماعة قصيّة ليقول غيرهم كل الذي قرأه واطلع عليه استشراقياً ويقذف به الآخر. والوحدات السردية الخاصة بهم قابلة للاختزال كثيراً والاكتفاء بما توفر من طاقة دلالية لديهم، كشفوا عنه أثناء السكر والعربدة. أراد القاص سعد محمد رحيم كشف سواد وجوه الآخر، لكني وجدتهم ضحايا وقتلة في آن واحد.
ـ نعم لقد كان طياراً برتبة كابتن
قلت"إذن ربما هو اليورانيوم المنضب الذي استخدمه"
ابتسم روبرت بشيء من الارتباك وقد تقلصت عضلات وجهه من الحيرة، ولم يعلق، أما أنا فكنت منجذباً نحو الدائرة المسحورة.
ـ وصديقته نيكول... اجل... قلت أن اسمها نيكول، هل بينهما مشاكل... أقصد من نوع أن مايكل ومع استفحال مرضه أدمن الشراب والقمار؟ ص154 /.
كادت هوية سامر تختفي ولم يبق منها غير الظلال التي تتبدّى من خلال شبكة العلاقات الجديدة الواسعة للغاية، علاقة تكون في لحظة مفاجئة، لأن تعدد الآخر حاضر في كل مكان، وهو مطرود من محيطه، لذا يندفع بحماس لاستثمار الفرص المتاحة.
(تصافحنا أنا ومايكل، أنا ونيكول. وقبّل ـ مايكل كلوديا وكاترين، وقبّل روبرت نيكول).
قالت كلوديا ونحن نصعد اليخت :
ـ أخبرني روبرت أن نيكول خرجت لتوّها من المصح ص155//.
هذه إشكالية الآخر بالعلاقة مع محيطه ومعرفته بشكل جيد بالدور المنفّذ من قبله وما نتج عنه من دمار مادي وتخريب للإنسان.
والتماعات السرد البرقية / الخاطفة أضاءت كون كل الذين التقاهم هم ضحايا. وأينما توجه سيجدهم... الضحية موجودة في كل مكان من العالم، والجلاد مرئي وغير مرئي، هذا ما أراده سعد محمد رحيم، بالإضافة لإعلان الجريمة الإنسانية التي حدثت أثناء حرب الخليج ودمرت الحياة. وما حصل في المتون القصيّة كثيرة، متنوع ومكرر، لكنه نوع من اللعب، ولا يختلف كثيراً عن ابتكارات خالد للعب وهو مستمر أيضاً. وعالمنا محكوم باللعب في كل لحظة، وسامر مجنون ببحث مستمر عن فراديس الكائن الضائعة... وهذا هو"وهمنا الذي يساعدنا على الحياة ص10 //.
سامر مشدود لأصوله الثقافية ويعرفه الآخر بشكل جيد ويدرك تفاصيله الدقيقة، المهمة وغيرها، بحيث تحولت الأنا عارية كالصحراء، أما الآخر المتكتم والمنفلت في آن، يتحول سريعاً من وضوحه إلى غموض مثير للقلق.
سامر قادر على اللعب باللغة، مثلما ظل خالد متمكناً في ابتكارات اللعب المستمرة. هو الآخر قابل وطبع عبر كنيته ومكوناته العميقة أن يتمظهر عن تغيرات آنية سريعة، سامر الخبير العارف باللغة وبجسدها يزاول لعبة التغير والانحراف وقد اعترف بذلك.
ـ أنت إذن من أولئك المولعين باللعب في جسد اللغة
ـ تستطيعين أن تقولي هذا
تبتسم الابتسامة ذاتها التي ستظل تفجّر في روحي فقاعات المسرّة لأشهر سبعة أو ثمانية قبل أن تستحيل إلى طيف بعيد، قبلة حنين، حُلم لذيذ غادرني وعليّ ملاحقته، استعادته، الاحتفاظ به وأن في هيئة صورة مشرقة في الذاكرة ص9 //.
قال سامر بأنه قادر على اقتراح عشرات الأسماء لها من الحروف المكونة لكنيتها : ـ أنا كلوديا ـ كلود روز... روزديا... روز كلوديا... كلوروز... دياروز، يمكن أن أنحنت لك مئة من هذه الرموز.
لم يكتف بمنح نفسه قدرة التلاعب بالاسم والقلب بين حروفه والانحراف بها، وكأنه يزاول لعبة المربعات، لكنها هي، تخمن اسمه، تعرف كثيراً منها، بمعنى نمطية الأسماء المتداولة وسط فضاء مغلق، تتوزع فيه الأسماء، مطروحة لتعبّر عن ثقافة ما.
ـ قل لي ما اسمك أنت... دعني أخمّن... أحمد؟ علي؟ مصطفى؟ سعيد؟
ـ لا، لا، لا، لا
ـ كمال؟ عمّار؟ عبد الله؟ محيي الدين؟
ـ لا، لا، لا، لا
ـ قل... قل لي، ما اسمك؟
ـ تلتقط خنصري بخنصرها ونحن نخطو تاركين آثار أقدامنا على الرمل ص10 //.
كل هذه النصوص الطويلة اختصار وتعريف بضرورات الاسم وعلاقته بالكائن، أنها ـ الكُنى ـ ثقافة مرحلة وتاريخ، وهي تمظهرات لها، معرفة وكاشفة لها، وتعني بأن الإنسان، يبقى هامشاً إذا لم يوقع عليه بالاسم / يضفي عليه كينونته ويقترح له وجوداً في الكينونة.
وكنية سامر مضيئة لبعض سلوكه وتصرفاته هناك، مثلما هي اختصار للصحراوية وعزلتها وسرعة اندماجها بفضاء مغاير يفتح عليها ما كان مفقوداً وضائعاً، بما في ذلك طاقته الشرقية، فحولته، انقياده وراء الأنثى، تعبيراً عن جوع موروث، وجد ذاته حاضرة، لا بل متمركزة في العالم، لحظة مشيته معها على الرمل [ أحس أني موصول الآن، بقلب العالم، بجوهرة، الفذ، الساطع، بالقانون الأسمى للوجود، ذلك الذي يمنحنا الشعور بأن الحياة لها معنى سامٍ وإن كان غامضاً وزلقاً، وأنها على الرغم من كل شيء جديرة بالعيش، ص10//.
يحاول الزوغان ثقافياً عن صحراويته الموروثة والراسبة في أعماقه، والآتية إليه بهدوء وخفة، من هنا كشف عن أفكار فلسفية حول الاسم والكائن وكينونته، يعيد مفاهيمه الفلسفية المعروفة سرداً، لأنه يدرك بشكل جيد، من أن السرد أنطولوجيا معرفية، تفضي لكل ما اهتم به الكائن وانشغل أيضاً.الصحراوية موجودة في تفاصيل السرد البسيطة وقصدياً وكأن القاص سعد محمد رحيم أراد ذلك أو تسربت باللا وعي. استعاد سامر العلاقة الروحية مع الصحراء التي عرفها الآباء الأوائل [روحي الضائعة الصارخة في البرية، الحارة والمتطلبة، فأحس للمرة الأولى بأننا معاً في فاتحة نشيد باهر، يهيج مياه الأبيض المتوسط... أقول لها:
ـ كأن الزمان، وجد من أجل هذه اللحظة
تقول لي :
كم أنت حالم أيها البدوي الضال؟
أقول لها، أنت الأخرى حالمة أيتها الغجرية الوحشية ص13. //
لم يخف سامر من مغامرته ونزواته المتكررة وأحلامه الصحراوية بالامتلاك الذي لم يكن مألوفاً من قبل، مع ضغط المكبوت في اللاوعي الفردي والجمعي. انطوت الرواية على تعدد الأصوات، لكنه مؤقت والسيادة للثنائية. التعدد حاضر وغائب، والتمركز للثنائيات الحوارية لكني أعتقد بأن ثنائية سامر / حنان هي الأكثر إثارة ومتعة فنية يعني وجود سامر في بغداد خلاصاً له وهروباً من محيط ضيق اختنق فيه ولجأ إلى بغداد، فضاء أوسع وحرية لم تكن معروفة من قبل، كذلك ممارسات مسموح بها: يخلص سامر تماماً من سلطة الأب. وفي بغداد انفتاح غير مألوف على علاقات واسعة جداً. بينما كان قبلاً مريضاً بوسواس العطالة. عاطل عن العمل وعن الحب والأمل"منفي وأنا في بيتي ومدينتي"لكنه ظل ملاحقاً بالفقدان خلال حياته الطويلة موت والدته وحنان وخالد. وخسر حباً نقياً وإخلاصاً لا مثيل له، تبادله الاثنان، وانطفأت شعلة خالد الذي عرف كل شيء ولم يستطع استثمار إمكاناته.
بغداد نوع من خلاص وسط وجود جديد تماماً: اكتشاف المدينة الواسعة وزواياها التي كان فيها... أخذته بغداد المنقذة للتعرف على حنان المركز السردي الشفاف ولا أدري كيف انفلت هذا الخيط من قاص ذكي، وطفر على جدل العلاقة مع الآخر وهو ـ الجدل ـ متمظهر من خلال حنان وخسارته لها. الرواية ممتعة وسادت نمطيتها عند التعبير عن الآخر، القضية التي انشغل بها عدد غير قليل من الروائيين العرب، مثل سهيل إدريس / توفيق الحكيم / عبد الحكيم قاسم / بهاء طاهر / الطيب صالح / فلاح رحيم / عواد علي /. وأعتقد بأن الحضور السابق في السرد العربي، يضع المحاولات الجديدة أمام اختبار صعب.