خليل الرفاعي.. لمحات وشهادات

خليل الرفاعي.. لمحات وشهادات

كاظم السيد علي:  خليل الرفاعي.. كوميديا بحسّ فني بعيداً عن الإسفاف

شكّلت تجربة الممثل القدير الراحل خليل الرفاعي على الدوام، إحدى التجارب اللافتة للنظر في مسيرته التمثيلية والموروث الشعبي والتراثي معاً والتي عُرف بها (فنان الشعب) والذي بقي لاصقاً به لم يفارقه أبداً. قدّم العديد من الأدوار المميزة على مدار مشواره الفني..

وحظي منها أكثر من غيره، شهرة بين المتلقي العراقي الذي عرف بها ومازالت ثابتة الحضور في أذهان الناس، والتي عرضت من على شاشة التلفاز، بدأ هذا الفنان الكبير تجربته الفنية عام 1939 بمحض الصدفة عندما كان طالباً بعد مشاركته في مسرحية (الطيب المزيف) ومنها أستمر على حد قوله (منذ البداية كنت أعرف أن التمثيل قدري لا أحيد عنه) لذلك هجر من أجله الموسيقى التي كان يتقنها منذ عام 1942 وكذلك موهبته الرياضية، لكونه رياضياً مرموقاً في عالم كرة القدم، لكنه استمر في عالم التمثيل الذي لم يكن يفكر به، ففي عام 1947 تم تعيينه في إذاعة بغداد ليقدّم برنامج (فاكهة الصباح) بالاشتراك مع الفنان الراحل حميد المحل، وتواصل الراحل (أبو فارس) في هذا المضمار بعد أن فتحت له آفاق الاطلاع على أعمال شارلي شابلن عالمياً ونجيب الريحاني وعلي الكسار عربياً، ولم ينقطع عن ادائه التمثيل إلى أن توقف قلبه الطيّب والعاشق لكل الناس في المدن العراقية في شهر تشرين الثاني 2006، أنه (مؤنس الشعب) فصدق القاص والروائي عبد الستار ناصر، عندما وصفه فتجده تارة ً ممثلاً وتارةً أخرى مقدّماً للحكايات البغدادية والتراثية الشعبية وبهويته الخاصة (خلال أربعين عاماً كنت ضيفاً على العائلة العراقية) على حد قوله.
كان فناناً متواصل العطاء مع فنه، فقدم العديد من الأعمال الفنية التلفزيونية والتي بلغت (180) عملاً موزعاً مابين التمثيلية والمسلسل التلفزيوني،  وكانت حصيلة مشواره مع المسرح (81) عملاً وكانت اقرب هذه المسرحيات إلى نفسه هي مسرحية (الشريعة) التي عرضت عام 1971، وأما مشاركاته في مجال السينما وصلت إلى (9) أفلام، فضلا عن مواصلته لتقديم البرامج من التراث والحكايات والقصة وجلسات المقام العراقي، واقترن أسمه بالكثير من الأدوار.. وأشهرها.. غاوي مشاكل.. وأبو البلاوي.. والقائمة تطول بأعماله الرائعة التي من خلالها قدّم الكوميديا بحسّ فني راق ٍ بعيداً عن الإسفاف على صعيد  التمثيلية والمسلسل والمسرحيات الجادة، لأنه كان يرى بالمسرح الجاد أعمالاً تشكّل علامات مضيئة في مسيرة المسرح العراقي، وهذا هو عين الصواب كما يراه فنان الشعب (أبو فارس) لأن المسرح التجاري والعاملين فيه جاءوا في ظروف غير طبيعية، فأصابوا عافية المسرح بالصميم، هدفهم الأساس هو السعي وراء الكسب  المادي فقط وعلى حساب الفن الأصيل.
فقد كان الفنان الرفاعي يفخر بما قدّمه من انتاج فني على مدى اكثر من (50) عاماً، تركت أثراً عميقاً عند المتلقي في كل مكان وزمان. وأخيراً، فبرحيله فقد الوسط الفني علماً من أعلامه ونجماً ساطعاً في سمائه قل أن يعوضه بوقت قصير.. تاركاً إرثاً كبيراً في الفن الكوميدي الهادف. 



عبد الجبار خلف:  يوم من أيام الرفاعي

 حين طلبت من الفنان الكبير الراحل خليل الرفاعي (توفي عام 2006)  أن يستذكر لي يوماً من عمره لم ينسه، ابتسم ابتسامته المعهودة وضحك ضحكته المعروفة، وقال لي: سأكتب لك ذلك على ورقة.
 وانتظرت ذلك وجاءتني ورقة منه مكتوب في أعلاها (أسعد يوم في حياتي) وفيها سرد لذلك اليوم الذي اختاره أبو فارس، وهو الاسم الذي اشتهر به أيضاً.
 كتب: كنت فرحاً مرحاً وأنا اقطف التمر من نخلة دارنا.. وكنت أوزّع ما أحمل من حلاوة الرطب الأصفر على أخواني وكان بينهم ابن خالتي الذي تناول حفنة من الرطب العسلي وهو يتلذذ بمذاقه الحلو حين التفت إليّ وقال: هل تستطيع أن تسقيني ماءً من هذا الزير؟ قلت له: أحاول.
 كنا صغاراً لا نتجاوز التاسعة من العمر.. مددتُ يدي بالكوز، ولكنني لم استطع غرف ملعقة صغيرة من الماء.. قال لي ابن خالتي: حاول (خلاوي).. وأنا أحاول للمرة الثانية، سقطت على رأسي ورجلاي معلقتان في الهواء.. مازلت اذكر وأنا بين سكرات الموت والماء يدخل في جوفي، بعد أن نفد الهواء من رئتيّ الصغيرتين حتى الاحتياط القليل.. حيث لا خلاص من هذه الورطة التي ستكلفني حياتي.. ودقّ ناقوس الخطر وأخذت قدماي تضرب الماء بقوة.. وقدّر الله سبحانه وتعالى ونعم بالله.. أن تمر عمتي في الوقت الذي رحت في غيبوبة، وانتشلتني.
مرت لحظات وعمتي تفرغ الماء من جوفي وأمي تندب وتصرخ وعمتي تقول لها: نعم.. إنه يتنفس.. كنت اتصور بأنه عصفور مسكين سقط في الزير، وصرخت صرخة مدويّة كأنها صرخة يوم مولدي.. وعدت الى الحياة من جديد وتعالت الزغاريد.
أليس هذا أسعد يوم في حياتي؟
 اقسم أبي ألاّ يدخل ابن خالتي الى بيته ما دام على قيد الحياة، لأنه لم يخبر أمي عن سقوطي في الزير، بل ذهب راكضاً الى بيت جدي في جانب الرصافة – الفضل بينما نحن في جانب الكرخ – رأس الجسر.



جمال الشرقي:  الراحل خليل الرفاعي..اشتهر بلقبه"أبو فارس"...فنان شعبي يكلّم الناس جميعاً.

شارك الرفاعي في 85 مسرحية و850 مسلسلاً اذاعياً وتلفزيونياً. وفاتهُ كانت خسارة كبيرة للفن العراقي الملتزم.
من منّا ومن من الناس لا يعرفك"رحمة الله على روحك أبو فارس خليل الرفاعي». خليل الرفاعي ولد عام 1927م ببغداد في منطقة درب الفوك، اتسم بالفكاهة والكوميديا، وكان أول أعماله على خشبة المسرح عندما قدّم مسرحية (وحيدة العراقية) عام 1945م، وعرف بلقب"أبو فارس»، وتوالت بعدها مسرحيات (الطبيب) و(زقزوق) وغيرها من الأعمال المسرحية. شكّل وجود الفنان الكبير خليل الرفاعي على خشبة المسرح وفي الدراما التلفزيونية لسنوات خلت، حضوراً مبهجاً للشخصية الشعبية العراقية بكل طيبتها وصراحتها وشجاعتها واقترابها من إيقاع الشارع. منذ أربعينات القرن الماضي، وخليل الرفاعي الشهير بأبي فارس يعتلي خشبة المسرح في أداء مميّز، ومنذ بواكير التلفزيون وخليل الرفاعي يقدّم شخصية (زعتر) على الشاشة الصغيرة ببث حي ومباشر، ويقدّم البرامج التلفازية الأخرى بمشاركة زملائه جميل الخاصكي ومحمد القيسي وكامل القيسي وإبراهيم الهنداوي، معتنياً بالمشاركة في مسرح الطفل وبطلاً للعديد من مسرحيات الفرقة القومية. شارك الرفاعي في 85 مسرحية و850 مسلسلاً إذاعياً وتلفزيونياً، ومن اشهر المسلسلات «تحت موس الحلاق"و»ابو البلاوي"و»ابو فارس"وغيرها من الأعمال التي ما زالت راسخة في ذاكرة المشاهدين. وقد ظهر للمرة الأولى على المسرح عام 1945 في «وحيدة العراقية"في حين قدّم اول اعماله الإذاعية عام 1956 في مسلسل «سلفة زواج"قدّمه فيها مؤلف المسلسل خليل شوقي، الذي كان يعمل مثله موظفاً في دائرة السكك الحديد. واعتادت الأسر العراقية وخصوصاً البغدادية، أن تمضي سهرات ممتعة مع شخصية"أبو فارس"إبان السبعينيات والثمانينيات. وفضلاً عن مشواره الفني في التلفزيون والمسرح والاذاعة، كان للفنان الراحل اكثر من محطة في السينما عبر مشاركته في عدد كبير من الأفلام منها «الباحثون» للمخرج محمد يوسف الجنابي و»أسعد الأيام"للمخرج برهان الدين جاسم في السبعينيات.