في شقة نوال السعداوي

في شقة نوال السعداوي

ترجمة: أحمد فاضل
في القاهرة لها شقة في الطابق الـ 26، وهي واحدة من قلائل النسوة العربيات اللاتي يحملن فكراً يعتبر الأكثر تأثيراً في عالمهن العربي، ولها رأي في ثورة الشباب في مصر تقول عنها إن الانفعالية ستجهض هذه الثورة. كنت جميلة المظهر الى حدّ كبير عندما كنت أصغر سناً، تقول نوال السعداوي وهي تشير الى صورة لها بالأسود والأبيض موضوعة على الرف وراء ظهرها، هذا الشكل خلق لي الكثير من المشكلات وقتها، وتضيف بابتسامة ساخرة:

(عندما كنت ذكية وجميلة واجهت الكثير من المشاكل، لكنني لوكنت جميلة وغبية فمن السهل أن أعيش بلا مشاكل)، السعداوي تبدو في صورتها وهي تعيش منتصف العشرينات من عمرها، شابة نظرة تخرجت للتو من كلية الطب في القاهرة عام 1955، قالت ضاحكة: - كنت أتمنى لو اجتمعت بي قبل خمسين سنة.. أجبتها ووجهي ينطق بالضحك: - آه.. نعم.. نعم.. قالت وهي تضحك: كان يمكن أن يكون شيئاً عظيماً آنذاك.. هذا المزاح من الغزل جرى وسط صوت السعداوي الضعيف والتي تعيش الثمانين من عمرها الآن بعد أن عاشت تجربة فكرية وإنسانية على مدى نصف قرن كانت فيها الأكثر تأثيراً في الحركة النسوية العربية، هي تعيش في شقة بغرفة نوم واحدة في الطابق الـ26 من برج سكني بالقاهرة يطل على ضفاف النيل، كثير من الناس يأتون الى هنا وكانوا يعتقدون شقتي كبيرة كاسمي كما تقول، وقد جعلت من غرفة معيشتها مكتباً لها وقد اصطفت مع الجدار مكتبتها وهي القطعة الوحيدة التي ضمّت الى جانب كتبها منحوتات لإثنين من الأفارقة مع العديد من الجوائز التي حصلت عليها تكريماً لعملها السياسي والأدبي أبرزها جائزة الإنجاز المتميز لأعمالها العام الماضي، وهناك في نهاية هذه الغرفة ركنٌ للموسيقى تعرض الى العاصفة الرملية التي ضربت مدينة القاهرة مؤخراً ودُمّر جزءٌ منه. وعلى الرغم من وضعها بين التقدميين في العالم العربي، إلاّ أنها لاتملك إلا القليل من الشهرة التي تستحقها في الخطاب الغربي وليس من الصعب أن نفهم لماذا لأنها تحمل أفكاراً ماركسية ولها الكثير من المهاترات - كما يقول كاتب المقال - التي تتقاطع مع ذلك الخطاب، خاصة بانتقادها احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية.
وعلى الرغم من نشاطها الطويل في مقارعتها للحكم الشمولي في بلدها فهي محسوبة على انتفاضة 25 يناير / كانون الثاني في مصر والتي أدت الى الإطاحة بالرئيس حسني مبارك، إلاّ أنها تعتقد الآن أن الثورة قد اجهضت أو كما تقول : (إن القوى المعادية للثورة الذين يحاولون كبح الحرية هم المجلس الأعلى العسكري الذي تم تعيينه من قبل الرئيس مبارك ليحل محله، ورجال مبارك الذين لم يوضعوا في السجن لغاية الآن وهما أحمد شفيق وعمر سليمان، وجماعة الإخوان المسلمين والأحزاب السياسية القديمة والليبراليين الذين عملوا مع الجيش، لقد تخلصنا من الرأس فقط، ولكن جثة النظام لاتزال هناك عسكرياً، واقتصادياً، وفي وسائل الإعلام، وفي مجال التعليم وفي كل شيء، لذا فقد فقدت الأمل بهذه الانتفاضة العظيمة)، لكنها تعود وتقول وابتسامة كبيرة ترتسم على وجهها :- أوه، لا، لا، أنا متفائلة جداً لأنني لم أفقد الأمل في حياتي.. السعداوي تدربت كطبيبة للأمراض النفسية وعملت طبيبة عامة في مسقط رأسها خارج القاهرة، شهدت أثناء ذلك كيف تمتهن المرأة بختانها وجرائم الشرف والاعتداء الجنسي، وهي محاولات قالت عنها إنها هدم للنظام العائلي قد يستمر مدى الحياة، لذا قامت وفي وقت مبكر من عام 1970 بتقديم كتابها"الوجه الخفي لحواء"كشفت فيه ما تتعرض له النساء من قمع ليس في بلدها مصر، بل في أنحاء واسعة من بلدان العالم العربي، كان نتيجتها أن تم إيقاف الكثير من أعمالها في فترة حكم أنور السادات وحتى نظام حسني مبارك، وأمضت كذلك فترة في السجن نتيجة لاتهامها بتحدثها علناً عن ما تشعر به المرأة من مهانة وامتهان لحقوقها، وتلقيها تهديدات بالقتل من قبل الجماعات الإسلامية الأصولية مما أجبرها على مغادرة بلادها فراراً كما تقول، وعاشت في الولايات المتحدة حتى عودتها لتشارك في الثورة. في منتصف مقابلتنا لها يرن هاتف شقتها لتبدأ حديثاً بلغتها العربية بان منهُ غضبها، فالتفتت إليّ قائلة :- عذراً.. هناك مشكلة مع مقال كتبته.. وقبل أن تضع سماعة الهاتف يرن جرس الباب لتطل منه امرأة لايزيد عمرها على الـ29 عاماً، أخبرتنا السعداوي أنها لبنانية الأصل إسمها لين، تعرضت للاعتداء الجنسي عندما كانت طفلة في بيروت وبات عليّ - تقول السعداوي - أن أساعدها للخروج من أزمتها والتأقلم مع محيطها بعيداً عما حدث لها، وعندما أجلستها قالت :- دعونا نشرب شيئاً.. وراحت تستعجل تفسها لإعداد الشاي وعادت تقول موجهة كلامها للمرأة :- أنا سعيدة جداً لوجودك هنا معنا.. والتفتت إليّ قائلة :- أتعلم أن شقتها قريبة منا وقد عملنا على تحويلها مقراً لاتحادنا النسائي الذي كان محظوراً من قبل سوزان مبارك، والذين يحضرون هذا التجمع معظمهم من النساء والشباب أيضاً الذين يشعرون بالغضب الشديد تجاه الجيش الحاكم الذي يستعبد المرأة في كل شيء وبقوانين سيده السابق. لين أخبرتنا أنها تعرفت الى أعمال السعداوي من خلال إحدى رواياتها، حيث تقع بطلتها الشابة زينب في ذهان بعد تخليها عن ابنتها غير الشرعية، هنا تميل كاتبتنا إلى الأمام للإنصات أكثر، حيث عقبت على كلام جارتها بالقول إنها لم تشعر بالحرج من تناول هذه الحادثة، لكن الذي احرجها فعلاً هو موضوع الختان الذي قالت عنه أيضاً أنه شيء مخجل حقاً، وقد كتبت الشيء الكثير عنه ونشرته وكانت فخورة به، وواحدة من الجوائز العديدة التي تلقتها السعداوي كانت عن مثل هذه المحرمات كما تقول وسوء معاملة المرأة، والحديث عن هذا الموضوع ينعش الكاتبة، فتتحدث بصراحة عن تفاصيل عديدة عن الاعتداءات الجنسية حتى من قبل الآباء وبصورة اضطهادية بشعة.
نوال السعداوي لاتتحرج من أن تقول إنها كانت في حضن ثلاثة من أزواجها، كانوا يخافونها لأنها امرأة قوية، وكانت باستمرار تطرح عليهم أسئلة حول ما تتعرض له المرأة من اعتداء واضطهاد، أزواجي كانوا يريدونني امرأة وليست كاتبة، تقول السعداوي وهكذا انتهت علاقتها بهم مع أنها عاشت مع زوجها الثالث شريف حتاتة مدة 34 عاماً قالت عنه :- إنه رجل ممتاز وماركسي ووالد لأبني، أمضى في السجن 13 عاماً بسبب أفكاره الاشتراكية، وقد قطعنا على أنفسنا عهداً أردنا من خلاله أن نكون صادقين مع بعضنا البعض، وفي النهاية لم يتبق شيء من هذه الصفقة وراح كل منا لقدره. ثلاث ساعات هي التي قضيتها في شقتها وأنا أدرك أن سيلاً من الأعمال تنتظرها، لكنها كانت تقول لي :- الليل بطوله ينتظرني لإنجازها.. وأنا أنتظر المصعد وقد وقفت بجانبي سألتها :- ماذا ستفعلين يوم الجمعة؟ قالت: تعال الى ميدان التحرير وستعرف.. وما إن جاء المصعد حتى قالت :- أنا ذاهبة الى شقة جارتنا لأن هناك مقابلات مع بعض النسوة.. وعندما دلفت داخل المصعد ابتسمت لي قائلة :- في المرة المقبلة سوف نلتقي في بيت كبير وفيه الحديث سيكون طويلاً حتماً..

كتابة / مات كينارد عن صحيفة / فاينانشال تايمز