من تأريخ الحركة الديمقراطية في الحلة..عبد الوهاب مرجان والحزب الوطني الديمقراطي

من تأريخ الحركة الديمقراطية في الحلة..عبد الوهاب مرجان والحزب الوطني الديمقراطي

ستار علك الطفيلي
انتهت الحرب العالمية الثانية، وبدأت توجهات العالم نحو بناء مجتمعات ديمقراطية،  لاسيّما أن انتصار دول الحلفاء في الحرب دعم هذا الاتجاه، على أساس أن هذه الدول كانت تمثّل المعسكر الذي ينشد الحرية والديمقراطية لشعوب العالم بحسب ادعائهم.

ظهرت عدّة أحزاب سياسية في عهد وزارة توفيق السويدي عام 1946، علماً أن الحياة الحزبية لم تكن جديدة في العراق، فهنالك أحزاب وجمعيات ظهرت قبل هذه الفترة، لكن الأحزاب التي ظهرت بعد الحرب كان وضعها يختلف عما هو عليه قبل الحرب، إذ بدت هذه الأحزاب اكثر تحرراً واستقلالية، كما إنها استطاعت أن تحقق انتشاراً، وبالتالي كان تأثيرها في الجماهير أعمق وأوسع، بل إن مواكبة الأحداث والتطورات كانت سمة من سمات الأحزاب التي برزت بعد الحرب.

وكان من الضروري أن تتأثر النخبة السياسية الحليّة بظهور هذه الأحزاب، على الرغم من تباطؤ هذه النخبة في الانتماء إلى أي حزب من الأحزاب عند تكوينها عام 1946، فلم يشترك الشيخ عبود الهيمص مثلاً في أيّ حزب، إذ يبدو أن له موقفاً من الحياة الحزبية، أو العمل في أي حزب، كان هذا الموقف حصيلة تراكم نظرته إلى الأحزاب التي نشأت في بداية تشكيل الدولة العراقية، فهو ينظر إليها على أنها أحزاب موسمية تنتهي وتختفي عن الوجود بانتهاء مهمتها التي تألفت من أجلها، بل يرى أن الانضمام إلى حزب وآخر شيء تحركه المنافع والمكاسب الشخصية .
إن الشيخ عبود الهيمص ينقل لنا عدم جدية الحكومة في الحياة الحزبية، حين سأل الشيخ عبود الوصي عبد الإله عن مدى إيمانه بالعمل الحزبي، فأبدى الوصي عدم رغبته قائلاً للشيخ عبود:”أرجح أن لا تنضم إلى الأحزاب".
ولم يكن رأي الوصي عبد الإله مانعاً له من الانخراط في العمل الحزبي، بل إن نظرته إلى الأحزاب، وموقفه الذي اتخذه بعدم الاشتراك فيها ظل ثابتاً، حتى بعد المحاولات العديدة من رؤساء الأحزاب التي تأسست في عهد وزارة توفيق السويدي.
إذ يذكر محاولة السويدي نفسه حين كان رئيساً لحزب الأحرار للانضمام إلى حزبه، إلا أن الشيخ عبود الهيمص، اعتذر بكثرة أشغاله وأعماله الخاصة. وتكررت المحاولة من حزب الأمة الاشتراكي الذي يرأسه صالح جبر، وجاءت هذه المحاولة عن طريق الشيخ دوهان الحسن والسيد جعفر عبود الهيمص، عن اعتذاره أيضاً للسيد خليل كنة، عن عدم مقدرته في العمل في حزب الاتحاد الدستوري الذي ألّفه نوري السعيد عام 1949، الذي انضمت إليه الكثير من الشخصيات السياسية الحليّة، ولكن الشيخ عبود أكدّ رغبته على البقاء مستقلاً .
وأكد أن عدم استجابته للدعوات التي وجّهت إليه بخصوص الاشتراك في العمل الحزبي قائلاً:”وإصراري على الاعتذار لشعوري وقناعتي بأن تلك الأحزاب لم تكن بالمؤسسات السياسية الجادة التي تملك قوة الاستمرار والعمل في صفوف الشعب، وبالتالي العمل على قيام حكم نيابي ديمقراطي مستقر".
وقد أصرّ على اعتذاره حتى بعد اللقاء الذي تمّ بينه وبين صالح جبر. أما عبد الوهاب مرجان، وهو محامٍ على درجة عالية من الثقافة والطموح، فقد استهوته الحياة الحزبية منذ بداية نشأتها، فكان أحد مؤسسي الحزب الوطني الديمقراطي، حين أجازته وزارة الداخلية في الثاني من نيسان عام 1946 .
وكان عبد الوهاب مرجان من بين ثلاثة من مؤسسي الحزب، من غير جماعة الأهالي، وعقد اجتماع في السادس والعشرين من نيسان عام 1946، لانتخاب اللجنة المركزية للحزب والتي تألفت من سبعة أعضاء، لم يكن عبد الوهاب مرجان من ضمنهم رغم ترشيحه، مما أدى إلى انسحابه من الحزب، وقد انسحب معه عبد الكريم الأزري، وعبود الشالجي، وصادق كمونة.
وقد اختلفت الآراء حول سبب انسحاب عبد الوهاب مرجان من الحزب، فهناك من يرى أن انسحابه جاء لأسباب طائفية، إذ يرى محمد صادق سعيد عضو اللجنة المركزية السابق، أن حسين جميل سكرتير الحزب، كان يحاول أن يكوّن تيارات سنية لتبوؤ المراكز القيادية للحزب، في حين نفى حسين جميل ذلك، وأيّد نفيه بأن عبد الكريم الأزري، كان نائباً للرئيس عند استقالته، وصادق كمونة، ومحمد عبود الشالجي هما عضوان في اللجنة المركزية، وإن انسحاب عبد الوهاب مرجان جاء نتيجة غضبه لعدم فوزه بانتخابات اللجنة،  ولوجود خلافات حول أساليب العمل في الحزب.
ويذكر أن عبد الوهاب مرجان، أوضح أسباب استقالته قائلاً:”إن سبب انسحابي ومعي بعض الأعضاء المؤسسين للحزب، هو قبول انتساب عدد كبير من اليساريين الشيوعيين أعضاءً في الحزب، وهذا يتعارض مع أهداف ومبادئ الحزب، وبالتالي عدم قدرة الجادرجي على صدّهم، وضعفه في مجابهتهم، وإنه حاول وأقرانه المنسحبون من الحزب مرات عدّة وتباعاً تصحيح  المسار، وإنهم حذّروا كامل الجادرجي وطالبوه بعدم قبول الشيوعيين في الحزب، وإلاّ ستكون النتيجة انسحابهم من الحزب، وبالفعل كان ذلك".   وما يؤيّد هذا الرأي، هو قبول عدد غير قليل من الشباب الذين يحملون الأفكار الماركسية،  الذي تدفعه بعض المنظمات السرية من أجل السيطرة على الحزب وتوجيهه كيفما يريد،   أما حنا بطاطو، فيرى أن الأكثرية التي حضرت انتخابات اللجنة المركزية هزمت عبد الوهاب مرجان، وانتخبوا يسارياً وهو المحامي زكي عبد الوهاب، كما ذهب الحسني من قبل إلى هذا الرأي. في حين يذهب شقيقه، أن استقالته كانت نتيجة شعوره بأن الحزب لم يكن لديه توجه قومي.
وهكذا يتضح من خلال الآراء، أن الأسباب التي أدت بعبد الوهاب مرجان إلى الاستقالة من الحزب الوطني الديمقراطي كانت أيدلوجية، إضافة لعدم فوزه بعضوية اللجنة المركزي في الحزب. أما الحزب الذي تركه عبد الوهاب مرجان بعد أربعة وعشرين يوماً، فقد قدّم لائحة إصلاح لكل مظاهر الحياة العراقية بوسائل ديمقراطية، وبحسب خطة منظّمة وشاملة، من اجل إقامة دولة ديمقراطية، إذ تطرق منهاجه إلى الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة، مع التركيز على النقاط المهمة، إذ دعا إلى زيادة حصة الفلاح من الإنتاج الزراعي، وضمان حقوق العمال لبلوغ حياة ديمقراطية، واستكمال استقلال العراق.
وقد وصف الحزب بالوطنية والديمقراطية، بوصفهما عنصرين مترابطين، ويؤمن بارتكاز كل منهما على الآخر، إذ امتاز الحزب بالتوجه الديمقراطي الذي يكاد يكون سمة تميّز بها، من خلال إعطائها الأولوية في عمله، رغم دعوته ودفاعه عن المبادئ الاجتماعية المعتدلة التي تبناها في منهاجه.

عن رسالة (التطورات السياسية في العراق وموقف النخبة السياسية البرلمانية في لواء الحلة)