البواكير الاولى للعمل السياسي  لدى كامل الجادرجي

البواكير الاولى للعمل السياسي لدى كامل الجادرجي

خيري العمري
مؤرخ راحل
تؤلف الثلاثينات  من حياة كامل الجادرجي حلقة مهمة تلقي الاضواء على كثير من الحقائق في  حياته وترسم الخطوط الاولية لتطور تفكيره السياسي.
ولعل اهمية هذه  الفترة تكمن في انها كانت بداية حياته السياسية من جهة ولاحتوائها على كثر  من التطورات التي مارسها الجادرجي سواء بانتمائه الى حزب الشعب

 بعد دخوله  الى البرلمان او انتقاله الى حزب الاخاء او تحوله الى صفوف جماعة الاهالي  وتأثره بالافكار اليسارية ومساهمته باول انقلاب عسكري في العراق عام 1936 من جهة اخرى.
وهذه محاولة لدراسة الجادرجي في فترة الثلاثينات اعتمدت فيها على مراجع مختلفة منها مذكرات كتبها كامل الجادرجي لعلها تلقي بعض الضوء على الدور الذي لعبه.
عاد كامل الجادرجي الى بغداد في اواخر عام 1921 بعد ان امضى قرابة سنة في استانبول مع والده السيد رفعة الجادرجي ابعدته سلطات الاحتلال البريطانية مع قريبه فؤاد الدفتري بتهمة التحريض على الثورة العراقية التي قامت في 30 حزيران 1920 وقد قامت خلال فترة ابعادهما تطورات عامة في العراق ابرزها تتويج الامير فيصل ملكاً على العراق في 23 آب 1921 وتاليف وزارة برئاسة عبد الرحمن النقيب واصدار قانون بالعفو العام يسمح بموجبه للمبعدين بالعودة الى بلادهم.
فعاد رفعة الجادرجي وفؤاد الدفتري بعد ان ابرقا سوية الى الامير فيصل يباركان له تتويجه وعاد بمعيتهما كامل الجادرجي الى بغداد وهو يعتقد – كما كتب في مذكراته – ان الامير عبد الله اولى بعرش العراق من اخيه فيصل لأن البيعة كانت له وليست لاخيه والبيعة ملزمة لايسوغ الرجوع عنها وهو تفكير يعبر عن آراء بعض الاوساط السياسية في العراق.
وبعد وصوله الى بغداد بفترة قصيرة عين موظفاً في متصرفية لواء بغداد التي يرأسها عديله ناجي شوكة بوظيفة عنوانها (مدير التحرير)، بقي يواظب فيها حتى عام 1924 حيث نقل فجأة الى الحلة بحجة ان انظمة الخدمة لاتسمح ببقائه في دائرة يتصل مديرها باسباب القرابة معه وقد رفض الجادرجي تنفيذ الامر واستقال معتذرا بانه تلميذ في مدرسة الحقوق.
وبعد فترة اختاره ياسين الهاشمي وزير المالية سكرتيراً خاصا له اكراماً لوالده رفعة الجادرجي وتقديرا لاخيه رؤوف الجادرجي وزير العدلية.
وقد توطدت الصلة بينهما في هذه الفترة فكان ياسين الهاشمي وزير المالية وزعيم حزب الشعب الذي يتولى دور المعارضة في البرلمان، يحاول ان يجمع حوله الشباب المتعلم لتكوين نواة معارضة برلمانية، فشجع كامل الجادرجي في تلك الفترة على ان يرشح نفسه لمنقة انتخابية في لواء الدليم شفرت بوفاة صاحبها.
وسارع الهاشمي الى استاذ هذا الترشيح بعد ان اقنع زميله وزير الداخلية (رشيد عالي الكيلاني) الذي كان متردداً، فسافر بنفسه الى المنطقة الانتخابية يوم الانتخاب زيادة في ذلك الاستاذ.
ولم يسلم انتخاب كامل الجادرجي الذي تم في 28 تشرين الثاني 1927 من نقمة البعض، فانبرى ابراهيم صالح شكر في جريدة (الزمان) يهاجمه ويتساءل عن هذا الفتى الذي اقتحم اسوار البرلمان على اكتاف ياسين الهاشمي واخذ مقعده بين الشيوخ والكهول عضوا في حزب الشعب الذي يمثل دور المعارضة امام حزب التقدم!
على ان حياة الجادرجي البرلمانية كانت قصيرة، اذ لم يمر على انتخابه عضواً في البرلمان شهر ونصف، حتى حل البرلمان المذكور وخرج كامل الجادرجي من حزب الشعب بعد ان فقد هذه الصفة.
ولكن مع ذلك لم تنقطع صلة الجادرجي مع الهاشمي فقد بقيت على ما كانت عليه من قوة ومتانة، حتى اذا الف ياسين الهاشمي في عام 1930 حزباً شعبياً باسم (حزب الاخاء) اسرع كامل الجادرجي ينضم اليه.
وسرعان ما اختاره ياسين الهاشمي من بين الشباب عضواً في اللجنة العليا للحزب التي نضم عدداً من الاقطاب والشيوخ امثال رشيد عالي الكيلاني وحكمة سليمان وعلي جودة، ومحمد رضا الشبيبي.
وقد اثار هذا الاختيار لدى اقرانه شعوراً لا يخلو من الحد ولم يخف بعضهم تبرمه من ذلك.
وقد حاول كامل الجادرجي ان يبرز نشاطا يدلل به على جدارته لهذا الاختيار، فتولى مسؤولية جريدة (الاخاء الوطني) التي كان يصدرها الحزب دفاعا عن ارائه وتعبيرا عن مواقفه، فبرز اسم كامل الجادرجي في جريدة الاخاء في العدد التاسع عشر الصادر في 23 آب 1931 بوصفه المدير المسؤول لها.
وقد تميزت هذه الفترة من حياة الجريدة بعنف الحملات الصحفية التي شنتها جريدة الاخاء على وزارة نوري السعيد الاولى بعد ان صدقت المعاهدة واجرت الانتخابات النيابية لجمع مجلس يبرمها، فهاجمت سياستها في مختلف النواحي، وكشفت عما تنطوي عليه تلك السياسة من اضرار بالغة بالمصلحة العامة وتفريط بحقوق البلاد وانتهاك للحريات العامة وخرق لبنود الدستور واستخفاف بالرأي العام.
وقد بلغ من عنف تلك الحملات انها لم تقتصر على شخص نوري السعيد وحكومته، بل امتدت الى الملك فيصل نفسه، فكتب كامل الجادرجي بتوقيعه الصريح في 28 آب 1931 مقالا بعنوان (معنى السيادة في عصر الديمقراطية) استعرض فيه تطور النظام الملكي عبر العصور التاريخية منذ ان كانت الملكية تمارس استبدادها باسم نظرية الحق الالهي حتى اضطرت بعد قيام الثورات الدامية والانقلابات العنيفة الى التنازل عن تلك الامتيازات والاعتراف بحقوق الشعب بحيث اصبحت الملكية مجرد رمز لسيادة الامة. ونشر الجادرجي هذا المقال في وقت كان الصراع السياسي بين المعارضة ومن ورائها الشعب ممثلا بحزب (الاخاء الوطني) وحكومة نوري السعيد ومن ورائها (حزب العهد) قد بلغ اشده من العنف، بحيث قامت السلطات الحكومية باجراءات عنيفة قمعت فيها المظاهرات بالقوة وعطلت فيها مجموعة من الصحف التي تنطق بلسان المعارضة وساقت بعض كتابها الى المحاكم بتهم شتى، واغلقت ابواب النقابات العمالية التي حاولت القيام باضراب عام احتجاجاً على زيادة رسوم البلدية.
وقدم الحزبان المتأخيان (حزب الاخاء وحزب الوطني) احتجاجاً الى نائب الملك على سياسة نوري السعيد كمحاولة لاقالة الوزارة، ولما تجاهلها الملك فيصل بعد عودته الى بغداد وفشلت تلك المحاولة في تحقيق الغرض المقصود منها، وصدر المقال المذكور وقد تضمن اشارات الى ان (الملك يجب ان يحتفظ بحياده التام تجاه الاحزاب والكتل السياسية ويجب ان يراقب تطبيق القوانين بنظر حكيم وبامعان قام، ويجب ان يقر بالحق وينتصر له دون سواه) وانه (اذا كان المليك بهذه الصفات السامية فهو بلا شك يصبح الحكم العدل تحتكم اليه الاحزاب والكتل السياسية والى القول باننا نحن بدورنا هذا كامة متمسكة بحقوقها الدستورية اشد التمسك نريد ان يكون العرش العراقي شرف الامة وسوراً يحمي حقوقها من الاعتداء».
كان واضحا ان المقصود من وراء تلك الاشارات، غمز قناة الملك فيصل واتهامه بالتخلي عن الحياد في الصراع الناشب بين المعارضة ونوري السعيد. وقد غضب فيصل الاول لهذا المقال اشد الغضب واعرب عن ذلك الى محمود صبحي الدفتري – ابن خالة كامل الجادرجي – عندما زاره في تلك الفترة وشكا اليه من هذا الشاب العنود.
ولابد من الاشارة الى ان كامل الجادرجي كان في هذه الفترة يستعين بالشيخ باقر الشبيبي ورفائيل بطي في تقويم ما يكتبه من مقالات وتصحيح ما قد يقع فيها من اخطاء لغوية ونحوية هذا مع العلم انه كان يتلقى دروسا خصوصية على يد (منير القاضي) في اللغة والنحو مكنته الى حد غير قليل من كتابة المقالات بلغة مقبولة وتحرير بعض الرسائل باسلوب لا باس به.
وقد تحمل الجادرجي بشجاعة مسؤولية الحملات الصحفية العنيفة التي قامت بها جرائد حزب الاخاء ضد وزارة نوري السعيد الاولى التي رفعت عليه في تلك الفترة ثلاث دعاوى جزائية احالته بسببها الى المحاكم بوصفه المدير المسؤول.
وكانت الدعوى الاولى بسبب نشره قصيدة شعرية في 11 أيلول – 1921 بعنوان (جرس النهضة) تضمنت شعوراً معاديا للحكومة، وكانت الدعوة الثانية بسبب مقال شديد اللهجة نشر في 14 ايلول 1931 ردا على جريدة العراق التي تعرضت الى الشيخ باقر الشبيبي احد اعضاء اللجنة العليا لحزب الاخاء وتهكمت به، وكانت الدعوى الثالثة بسبب انتصار جريدة الاخاء لنقابات العمال في الاضراب العام الذي قامت به في تموز 1921 احتجاجا على زيادة رسوم البلدية ومبادرتها الى اسناد الاضراب ونشر بيانات نقابات العام في الدعوة له والرد على خصومه.
وكان موقف كامل الجادرجي في تلك المحاكمات ينطوي على جراة وصلابة، وقد زادته تلك المحاكمات ايمانا بجماهير الشعب وعتداداً بنفسه وفتحت بينه وبين الفئات الحاكمة ثغرة اخذت تتسع يوماً بعد يوم.
وقد ركز الجادرجي في دفاعه امام القضاء على المفاهيم الديمقراطية وحقوق الشعب في التعبير عن ارائه واختيار الحكومة التي تعبر عن ارادته عن طريق المعارضة، ولا ريب ان هذه الافكار كانت تعكس بداية تاثر كامل الجادرجي بما يكتبه الكتاب التقدميون العرب امثال سلامة موسى واسماعيل مظهر ويوسف يزبك عن مفاهيم الديمقراطية والتطور وغيرها.
ولا ريب ان هذا التأثر بدا غامضا قلقا بادئ الامر ثم تبلور مع الايام، وكان لجريدة (الاهالي) التي صدرت فيما بعد دور مهم في بلورة هذه المفاهيم في ذهن الجادرجي.
لذلك كان من الطبيعي ان يضيق الجادرجي ذرعا بالاساليب الملتوية التي كان يمارسها الهاشمي رئيس حزب الاخاء في انتهاج سياسة غامضة تقوم على اساس من المناورة والمساومة بين مراكز القوى ومصالح البلد وتظهر بصورة مختلفة وفق مقتضيات الحال.
وقد عبر كامل الجادرجي عن تبرمه بهذه الاساليب عندما بوغت الحزب بتعيين احد اقطابه وهو رشيد عالي الكيلاني رئيسا للديوان الملكي، فاسرع يعارض ذلك في كتاب رفعه الى ياسين الهاشمي في 22 تشرين الثاني – نص على ما يلي:
«حضرة صاحب الفخامة ياسين باشا الهاشمي المحترم
- معتمد حزب الاخاء الوطني –
اشير الى قرار اللجنة العليا للحزب الصادر في 21 تشرين الثاني – 1931 فيما يتعلق بمنصب (رئيس الديوان الملكي) او (السكرتير الخاص بصاحب الجلالة) وعلاقة الحزب بهذا المنصب، مع احترامي الى رأي الاكثرية اني اخالف القرار المذكور للاسباب الاتية:
1- لان هذا العمل مما اعده نوعا من الاشتراك في المسؤولية قبل تحقيق مبادئ الحزب.
2- لاننا بهذا العمل سنصدم الرأي العام وهو في حالة التكوين وتسلب شيئاً من ثقته بنا.
3- لان الفائدة المتصورة الى الحزب من هذا العمل لا تقابل حسب اعتقادي الاضرار المعنوية التي سوف يتكبدها الحزب نظراً لما بينته آنفاً ونظراً لما افدته شفهياً امام اللجنة العليا اثناء المذاكرة وبهذه الفرصة اقدم وافر الاحترام.
المخلص
كامل الجادرجي

ومع ان الجادرجي لم يقطع صلته بحزب الاخاء بعد هذا التقرير الا انه اكتفى بالتخلي عن عضوية اللجنة العليا، وذلك بكتاب رفعه في 25 تشرين اول 1932 الى ياسين الهاشمي جاء فيه:
(اني مضطر الى ان اقضي اكثر اوقاتي خارج العاصمة خلال هذا الفصل من السنة، واسف كثيرا من اني لا اتمكن من اداء واجب عضوية اللجنة العليا التي انتخبت لها، وعليه ارجو قبول استقالتي من عضوية اللجنة المحترمة، مع قبول احترامي لفخامتكم ولكافة اعضاء اللجنة الكرام وشكري الجزيل لثقة الاخوان اعضاء المؤتمر المحترمين.
المخلص لكم
كامل الجادرجي

وبقي كامل الجادرجي عضواً عاديا في الحزب، وجمد نشاطه بعد انسحابه من تحرير جريدة الاخاء في حزيران 1932 وظل يرقب عن كثب جريدة الاهالي ويتابع مقالاتها باهتمام فيجد فيها تفكيراً سياسيا جديداً يشبع القلق الذي يشعر به ويسد الفراغ الذي يحس به.
وسرعان ما سنحت الفرصة التي كان الجادرجي يترقبها عندما استقال جعفر ابو التمن من الحزب الوطني في 1 تشرين الثاني – 1933 معتزلا السياسة احتجاجا على سياسة المساومة التي حاول بعض اعضاء اللجنة الادارية للحزب الوطني انتهاجاً وكانت نقمة الجادرجي على قيادة حزب الاخاء قد تضاعفت بعد ان تجاهل الهاشمي ترشيح اسمه لقائمة الحزب في الانتخابات التي اجريت في 10 كانون الاول – 1932 عهد وزارة ناجي شوكة، فاسرع كامل الجادرجي في 7 تشرين الثاني – 1933 الى دفع استقالته من حزب الاخاء طالبا شطب اسمه من سجلاته.
وقد يكون من المفيد ان ندرج نص هذه الاستقال:
«بغداد في 7 تشرين الثاني – 1933
الى السكرتير العام لحزب الاخاء الوطني
سيدي المحترم..
قبل مدة – وعلى ما اذكر في اواخر شهر نيسان الماضي – قدمت استقالتي من عضوية اللجنة العليا للحزب، غير اني حتى الان لم اتلق اشارة لا من معتمدية الحزب ولا من سكرتاريته باستلام كتابي المذكور، وقد جئت الان بكتابي هذا ارجو شطب اسمي من دفتر انتماء الحزب اتماماً لتلك المعاملة، ارجو ان تتفضلوا بقبول فائق احترامي..
كامل الجادرجي
ولاشك ان استقالة كامل الجادرجي من حزب الاخاء التي جاءت بعد اسبوع من استقالة ابي التمن من الحزب الوطني، تنطوي كل منهما على معنى الاحتجاج على سياسة الاساليب الملتوية والمناورات الغامضة التي كانت تميل بعض القيادات الى ممارستها.
وكان كامل الجادرجي بحكم سنه وثقافته اكثر تهيؤا للانضمام الى جماعة (الاهالي) من ابي التمن بقى بعد خروجه من الحزب الوطني معتزلا السياسة، وقد كتب كامل الجادرجي في مذكرات له يصف كيفية انضمامه الى جماعة الاهالي فيقول (.. وعند صدور جريدة الاهالي تعقبتها شخصيا ووجدتها حرةة تتفق مع آرائي في كثير من النواحي.. وقد حصلت رغبة من كلا الجهتين فمن جهتي كنت اود الاتصال بهذه الجماعة وكانت نفس الرغبة عندهم فاتصلت اولا مع عبد الفتاح ابراهيم ثم بعبد القادر اسماعيل وكلما اتصلنا توثقت صلتنا واجتمعنا يوما بداري وكان الحاضرون عبد الفتاح ابراهيم ومحمد حديد وعلي حيدر وبحثنا لزوم وضع منهج للجريدة وكان ذلك في اوائل 1933، فصدرت جريدة الاهالي تدعو الى خطه معبئة ومبدا مقرر هو (الشعبية) واصبحت جماعة الاهالي تضم عبد الفتاح ابراهيم ومحمد حديد وعلي حيدر سليمان وعبد القادر اسماعيل وانا..».
م. الهلال 1968