موبي ديك... حين يتحول طلب الثأر عمى للبصر والبصيرة..

موبي ديك... حين يتحول طلب الثأر عمى للبصر والبصيرة..

شكيب كاظم
   إذا وصف بعض الدارسين الترجمة، بانها خيانة، ويعنون بذلك، عدم قدرة بعض المترجمين، على نقل حقيقة النص وروحه، وخاصة في الشعر، الذي يعتمد على الايقاع الوزني والقافية، ونقله الى لغة أخرى يفقده هذه الخصيصة المهمة، اذا كان هذا رأي بعضهم، فأنا أرى أن ما قام به الدكتور إحسان عباس، وهو ينقل الى العربية هذا العمل الشاهق، الذي اقترب من السبعمئة عداً من الصفحات،

عدا هذه الحواشي والهوامش الايضاحية التنويرية، انما يوصف بالامانة والدقة والمهارة التي تصل حد الاعجاب والابهار، فهذا الباحث الموهوب الدؤوب الذي رفد الثقافة العربية بالرائع والرصين، الذي تعرفت اول ما تعرفت اليه، وانا أقرأ كتابه الرصين عن الشريف الرضي، يوم كان استاذاً في جامعة الخرطوم، كان ذلك في النصف الاول من العقد الستيني الفائت، فضلاً على كتابه عن الشاعر بدر شاكر السياب، إنما استخدم هذه الموهبة، موهبة الترجمة، فما كل التراجمة موهوبون حاذقون، بل هناك من يشوه النص المترجم ويسيء اليه.
 رواية (موبي ديك) التي كتبها الروائي الاميركي هرمان ملفل (1819-1891) منتصف ذلك القرن، من شوامخ الروايات العالمية وكلاسيكياتها، وقد حولتها عاصمة السينما العالمية والامريكية هوليود، فيلماً رائعاً منتصف العقد الخمسيني، قام بدور البطولة فيه كريكوري بيك مجسداً دور بطل الرواية بدون منازع (آخاب) الذي قلما يجود الزمن بمثله إصراراً وشجاعة وتصميما على مقاتلة هذا الحوت الابيض، موبي ديك، الذي نهش ساقه في معركة تحويت سابقة، خرج منها آخاب خاسراً، هو الذي لا يتطامن ولا يعرف معنى الهزيمة، مقرراً: (هو ذلك الحوت اللعين الذي هد لكني وجعل مني خشبة ناتئة الى الابد وكل يوم (...) نعم وسأطارده حول رأس الرجاء، وحول رأس هورن وحول الدوامة النرويجية وحول مشاعل الهلاك والدمار قبل ان أيأس من لقائه (....) اني لاضرب الشمس لو انها أهانتني، إذ إن كانت الشمس تستطيع الاهانة فأنا استطيع الضرب (....) ومن ذا الذي هو أعلى مني (....) ليس للحقيقة حدود (ص210-ص211)، حتى اذا التقاه، التقى بموبي ديك بعد سنوات من الابحار والمطاردة، وبعد ثلاثة ايام من القتال الضاري أثخن فيها جسد الحوت بالرماح، يزعق آخاب حاثاً الحواتين على رباطة الجأش في مواجهة هذا الحوت الهائج الذي يوزع الموت على كل من يقترب منه، (هل أحرم من آخر كبرياء أحمق يناله أدنى القباطنة الذين تتحطم سفنهم، آه يا موتا موحشاً يختم حياة موحشة احس ان ذروة عظمتي تحل في ذروة حزني (....) نحوك اتدحرج ايها الحوت المبيد الذي لا يحرز غلبة، الى النهاية اصاولك مصارعاً، من جوف الجحيم اسدد اليك الطعن، من اجل البغض أبصق عليك آخر انفاسي (....) وبما اني لن احمل على تابوت او عربة، فلأنسحب مزقاً وانا ما أزال اطاردك، ايها الحوت اللعين هكذا أبعث الحربة)، (فقذف الرمح، فند الحوت المصاب الى الامام، وجرى الحبل خلال اخذوده بسرعة مضطربة، جرى ملتوياً ووقف آخاب ليسويه وسواه حقاً، ولكن اللفة علقت مارقة، حول رقبته، ودون نأمة (....) انطلق من القارب قبل ان يعرف الملاحون انه ذهب) (ص686-ص687)..
اذا كان الخالد الكبير منيربعلبكي قدم من خلال مشروعيه الترجميين، واعني بهما- شروعه الموسوم بـ(كنوز القصص الانساني العالي) الى جانب مشروعه (خوالد التراث الكلاسيكي) روائع الروايات العالمية مثل: (كوخ العم توم) لهدييت بيتشر ستاو و(شارع السردين المعلب) و(أفول القمر) و(العاقر) لجون شتاينبك و(حياتي) لانطوان تشيخوف و(الشيخ والبحر) و(ثلوج كليمنجارو) لارنست همنغوي و(قصة مدينتين) لديكنز و(احدب نوتردام) لفكتور هيكو وغيرها الكثير من شوامخ الارث الروائي العالمي، فقد احسنت دار المدى صنعاً وهي تستحدث هذه السلسلة الرائعة (اعمال خالدة) التي قدمت من خلالها بعض الروائع منها (مدام بوفاري) لغوستاف فلوبيرو (يوليسيس) للايرلندي جيمس جويس و(موبي ديك) لهرمان ملفل بترجمة الدكتور احسان عباس، وكانت قد صدرت طبعة منها منذ عقود (الستينيات) ويوم كان سعر الكتاب لا يزيد عن ربع الدينار كان سعر رواية (موبي ديك) ديناراً ونصف الدينار.
لذا فإن اعادة طبع هذه الرواية المهمة، امر يستحق الاشادة والتنويه، فقد بعد العهد بتلك الطبعة، وفقدت من أسواق الكتب، ولعلها من أوائل من تناول عالم البحار والتحويت، اي عمليات صيد الحيتان، واذ كانت الرواية الحديثة، قد تحولت الى رواية افكار ومعلومات فما عادت سرداً يسرد، وحكاية على لسان الحاكي، وفي الذهن رواية (العطر... قصة قاتل) للروائي الالماني باتريك سوزيكند، ففيها معلومات عن عوالم العطور لا تتأتى الا لمختص في هذا الامر، وكذلك رواية (شفرة دافنشي) لدان براون، ففيها سياحات في دنيا الاثار وفك الرموز، لذا فإن رواية (موبي ديك) كان لها السبق في هذا التوجه، وغادرت سراعا، عوالم رواية القرن التاسع عشر، اذ كان هرمان ملفل ضليعاً في عوالم البحار والتحويت، سابراً لاغوار الكثير مما كتب في هذا المجال، ولقد دلت على تمكنه من مادة روايته هذه الحواشي الضافية التي زان بها عمله الروائي هذا، حتى انه ينقل لنا لفظة الحوت في اللغات المختلفة: اللاتينية واليونانية والانكليزية والفرنسية والاسبانية وحتى العبرية دون ان يورد ملفل لفظها بالعربية، لكن المترجم الحاذق احسان عباس يعلق.. (دخلت كلمة القاطوس في اللغة العربية، الا ان بعض المصادر التي أوردتها خطأ بالفاء (ينظر مثلاً حياة الحيوان للدميري) وكذلك كلمة (البلينة) عرضها الاندلسيون، فلقد لقب سعيد بن عثمان القرشي بالبلينة (جذوة المقتبس للحميدي) ص214 وقال ابن سعيد: البلينة حوت كبير يعرف بداية البحر (اُلمغرِب) وقد جاء تعليقه المترجم لورود لفظة قوطس باليونانية وقيسط باللاتينية، وبلينة بالاسبانية.
رواية (موبي ديك) رائعة هرمان ملفل، تأتي على لسان السارد المركزي (اسماعيل) لكن كيف وصلت الينا والحوت الابيض الهائج المائج وبعد ثلاثة ايام من المعارك الضارية ضده، وبعد سنوات من المطاردة واذ أثخنته الجراح والحراب، فانه ينتقم من السفينة، المسماة الباتوطة وهو يراها أساس الشر، وكتيبته، ومنها انطلق هؤلاء الحواتون الذين لا يعرفون معنى الخوف وامامهم هدف واحد محدد، حدده لهم القبطان آخاب الذي يحدق في عين الشمس باجفان جامدة لا ترف، هو الثأر من هذا الحوت وقتله، فيحطمها بضربات قاسية من رأسه، فلا تلبث ان تتهاوى في قعر البحر، كما انه يحطم كل زوارق المطاردة والتحويت، لكن اسماعيل تخطئه ضربات الموت المتناثر من زعانف الحوت وذيله ورأسه الصخري لينقل لنا هذه الرواية الفذة الرائعة، التي لو طواه الموت لطويت معه هذه الملحمة التحويتية الفريدة، اذ ورد في سفر أيوب (ونجوت انا وحدي لاخبرك) (تمت الرواية فلم يعد هذا الممثل للظهور على المسرح؟ لان واحداً ظل حياً بعد الدمار، واتفق ان كنت انا الفتى الذي كتبت له الاقدار (....) وحين بلغني ضغط السفينة الغائصة (....)وطفوت وعمت فوق بحر ناعم كأنه المرثية الحزينة، وانسابت القرشان حولي دون ان تمسني بأذى، وصنعت على أفواهها اقفالا، وانسابت صقور البحر من فوقي بمناقير مغمدة، وفي اليوم التالي اقتربت مني سفينة، واقتربت، وانتشلني ملاحوها أخيراً، كانت هي (راحيل) الجّوابة الضالة، التي وجدت، اثناء بحثها المتردد عن ولديها الضائعين، يتيماً آخر(ص689).
ولعل من غرائب المصادفات التي تزخر بها حياتنا الدينا، ان قبطان هذه السفينة انتشل اسماعيل الناجي الوحيد، من السفينة المسماة الباتوطة، ليكون من ثم السارد المركزي لروايتنا هذه، أقول ان قبطانها كان قد التقى آخاب وبثه حزنه لفقده ولداً من اولاده خلال عملية مطاردة للحوت الابيض، فضلاً على عدد من الحواتة والبحارة طالباً منه المساعدة في البحث عنه، بينما ظل آخاب واقفاً كالسندان وكالحجر الصوان، دونما مشاعر، وقد وضع أمامه هدفاً واحداً هو قتل الحوت الابيض والثأر منه لانه التهم ساقه في عراك سابق، بقي آخاب يتلقى كل ضربة دون ان يقابلها بأية هزة، ولعل الاكثر غرابة ومفارقة ان هؤلاء المفقودين، انما كانوا مايزالون على قيد الحياة حتى الليلة الماضية حينما مرت بهم السفينة دون ان يلحظهم لاحظ حتى اولئك الذين يراقبون البحر في اعلى السفينة، الباتوطة، بسبب اشتداد الظلام وعصف الريح اذ تعالى صراخهم طالبين الغوث والنجدة، لكنهم لم يأبهوا بهذه الاصوات وعدوها اضغاث احلام، او لعلها أصوات حيوان الصيل (seal) الذين فقدوا امهاتهم او الامهات اللواتي ثكلن صغارهن قد اقتربن من السفينة وظللن نائحات على نحو شبيه بعويل الانسان ونواحه!!
اية مفارقة هذه فلو اصغى البحارة لهذا العويل المفجع، لكانوا أنقذوا هؤلاء البحارة المساكين وفيهم نجل القبطان الذي ما تجاوز الثانية عشرة وجلبه أبوه معه ليعلمه مهنة التحويت والصيد وقساوة حياة البحر.
الرواية، شأن العديد من شوامخ الاعمال الاوروبية، (يوليسيس) و(تأبيس) لاناتول فرانس، فيها تعريض باليهود وانتقاص منهم، مما يؤكد كره الاوروبيين لليهود، لا بل ان هرمان ملفل يستهزئ حتى بموسى، اذ يذكر ان لدى الناس على البر حقاً فكرة غير محدودة عن الحوت، وانه مخلوق هائل ذو قوة هائلة، ولكني وجدت وانا أسرد عليهم مثلاً معيناً يصور هذا الهول المزدوج انهم كانوا يهنئونني على ما لدي من ميل للدعابة والظرف بينما انا أقسم اني لا أنوي ان أتفوق في روح الدعابة على موسى حين كتب تأريخ الطواعين بمصر (ص258).
ويواصل ملفل الهزء باليهود قائلاً (أليس معنى هذا اننا نقول بكل لسان: التملك نصف القانون بغض النظر عن كيف حدث التملك؟ (....) وما هي تلك الفائدة الهدامة التي يتقاضاها (مردخاني) السمسار من (تعيس افندي المفلس، على قرض يريد به تعيس أفندي ان ينقذ عائلته من الموت جوعاً. ص477. (لينظر القارئ الى الاسم الموحي للمرابي السمسار مردخاني).
و(الحق ان فصيلة الحيتان، حية كانت او ميتة، اذا عولجت معالجة نظيفة، فانها ليست من الكائنات ذوات الرائحة المستكرهة ولا الحواتون يميزون بقوة الشم مثلما كان أهل القرون الوسطى يميزون اليهودي من سواه في الجمهور..ص493
و(الحق انه صنم، او قل كان يشبه الصنم في الايام القديمة، كذلك الصنم الذي وجد في الحدائق السرية التي كانت تملكها الملكة (معكة) في يهوذا، وبما انها كانت تعبده، فقد خلعها ابنها اسا من الملك وقطع معبودها واحرقه لاظهار مقته له في وادي قدرون، حسبما قص علينا ذلك سفر الملوك الاول في الاصحاح الخامس عشر على نحو مبهم،ص503.
اسماعيل قادرية في روايته (الجسر)
اذا كان الروائي الالباني (قد صب جام غضبه على الاتراك فإن ملفل ما وفر هزأه بالاتراك ولعله كان يقصد عموم المسلمين، وهو ما عرض بالاتراك فقط، بل وصف الكثير من الشعوب بالمتوحشة والبدائية، حتى وصفها بـ(الهمجية) ولعله ما كان بدعاً في ذلك بل كان يمثل الرأي الغربي والاوربي بشعوب عديدة، وكان ينهل من الرأي السائد في تلك المجتمعات وظل الغرب على آرائه تلك حتى عام 1960، الذي كان منعطفاً مهماً في الحياة العامة اذ وافقت الدول الاعضاء في الجمعية العمومية للامم المتحدة، على حق الشعوب في تقرير مصائرها، وكذلك الموافقة على إنهاء حالة الاستعمار، واعطاء الشعوب استقلالها كما شهدت الولايات المتحدة على يد الرئيس الشاب كندي، حركة المساواة بين البيض والسود، وانهاء حالة التفرقة العنصرية.
كذلك ملفل يعرض بالمفتي الاعظم ذي اللحية البيضاء.
ان رواية موبي ديك للروائي الامريكي هرمان ملفل عمل سردي مدهش، ما ترك صاحبه شاردة ولا واردة في عالم البحار، وخاصة عالم صيد الحيتان، عمليات التحويت، مع معلومات دقيقة عن الحوت وتضاريس جسده، وكأنه خبير في هذا المجال الحيواني، واذا ساق الجاحظ معلوماته عن الحيوان في كتابه (الحيوان) او الدميري في كتابه (حياة الحيوان) فإن ملفل ساق معلومات عن حياة الحوت من خلال سرده الروائي الممتع هذا، الذي زاده ألقاً هذا النقل الامين والرائع للمترجم الحاذق الدكتور احسان عباس –رحمه الله- وما وجدنا أنفسنا الا ونحن نطوي هذه الصفحات السبعمئة من هذا السفر الروائي الرائع والممتع...