سامي سعيد الاحمد.. سيرة وآراء وكتب..

سامي سعيد الاحمد.. سيرة وآراء وكتب..

د. صباح نوري المرزوك
كاتب راحل
لم تكن بابل ببعيدة عن المدينة التي ولد فيها سامي سعيد الاحمد من بني مسلم من آل عقيل المنحدرين من ربى ناحية الكفل على ضفاف نهر الفرات الى مدينة الحلة ليسكن اجداده في زقاق من ازقة محلة المهدية الى جنب بيت آل كربل وآل السباك وآل خوجة نعمة وآل شميس وآل ربيع حيث يرقد علم من اعلام مدينة الحلة وشاعر من ابرز شعراها في النصف الثاني من القرن الثامن الهجري

 وهو الشيخ علي الشفهيني وحينما صحبه والده في زيارة الى متحف الآثار العراقية في بغداد سأل اباه: ما قيمة هذه الاحجار يا ابي؟ وكان الجواب: هذه لا تقدر بثمن، ولم يفهم المعنى لكنه تيقن انه لم يقل ذلك عبثا. كان ابوه يعلمه شيئاً دفيناً في الاحجار وقال له ابوه في وصية: المهم يا بني ان تستوعب المعرفة، وهكذا دفع الاب بأبنه متخصصاً في التاريخ ليرث من بابل اسمها لانها تحمل رمز تاريخها وهو قانون انتشار حرية العلوم في الارض التي قامت على اديمها اولى الحضارات الخالدة.

ولد في الحلة سنة 1930 ونشأ بها لأب تاجر يملك اراضي زراعية يحب العلم والمطالعة رافض للخرافة، تثقف عن طريق قراءة المجلات العربية فقد كانت تصله عن طريق الاشتراك وهي مجلات: المصور واللطائف المصورة وكل شيء والدنيا والاثنين والحرب العظمى والعرب والمقتطف وكان لسامي ان يصطاد فرصة قراءتها ومناقشة ما يرد فيها من امور التاريخ. وكانت اخته وهو في الصف الرابع الابتدائي تقرأ له قصص الاطفال كما هيأت له كتب المدرسة فرصة التعرف على المادة التاريخية فقد اثر فيه الاستاذ قاسم خليل معلم المدرسة الابتدائية وكان يقول له: انك تحب التاريخ. وفي الدراسة الثانوية التي انهاها سنة 1948 رعاه الاستاذ عبد الجليل جواد الذي كان يوصيه: يا سامي اربط الماضي بالحاضر في دروس التاريخ الحديث، وكانت امنيته المتحققة ان يقبل في قسم (التاريخ والجغرافية) في دار المعلمين العالية ببغداد ويرى اساتذته الكبار مثل طه باقر في دقته للمصادر وحرصه على الوقت وزكي صالح في البحث عن ما هو غير مألوف في بطون التاريخ. وبعد تخرجه سنة 1952 عمل مدرساً لمادة التاريخ في النجف والكوفة والهندية. كتب عدداً من المقالات التاريخية في جريدة (صوت الفرات) لصديقه السيد علي القزويني عن ابن الراوندي واصل السومريين والحركة الرومانتيكية.
ترشح لبعثة دراسية الى الولايات المتحدة وحصل على شهادة الماجستير في جامعة شيكاغو سنة 1957 وشهادة الدكتوراه في جامعة ميشغن سنة 1962. ومنحته الجامعة لقب (استاذ مساعد) بعد تخرجه فيها مباشرةً وهي ظاهرة فريدة في العالم. تعين استاذاً لمادة (التاريخ القديم) في جامعة دنفر من سنة 1963ـ1967.
وهو في الفترة التي قضاها في الولايات المتحدة كان مستشاراً لعدد من البرامج التلفزيونية في قضايا الشرق الاوسط والادنى واليونان والرومان وركز على القضايا العربية لا سيما قضية فلسطين، كما كان يشترك في الندوات العلمية ويجيب عن الاستفسارات التحريرية الكثيرة التي كانت ترده من انحاء مختلفة كما ان عدداً من الباحثين كانوا يستأنسون بأرسال ابحاثهم اليه كي يعطي رأيه فيها. كما وثق علاقته باعلام التاريخ في الغرب ولعل ابرزها صداقته للمؤرخ (توينبي) التي ترجع الى عام 1955 وتطورت حتى عام 1964 حيث قاما بالتدريس في جامعة واحدة وتهيأت فرصة عن تعرف الواحد على آراء الاخر عن كثب.
قرر الدكتور سامي العودة الى العراق سنة 1967 وعمل في جامعة بغداد بكلية الاداب ومنها تنسب للعمل في كليتي التربية والشريعة في مكة المكرمة ومسح تاريخ مكة بكل دقة. ثم عاد للعمل في قسم التاريخ في جامعة بغداد ونشر مقالاته في دوريات الثقافة والاعلام باللغة الانكليزية مثل جريدة بغداد اوبزرفر والعراق اليوم وكان يخاطب العقل الاجنبي ويحاوره بالحضارة العراقية اضافة الى تأليفه الكتب حتى تقاعده في نهاية التسعينيات، وعينه قسم الدراسات التاريخية في بيت الحكمة مستشاراً تاريخياً له.
وكان له منهج في التنقيب عن الحقائق الخفية في التاريخ القديم اذ هو يعتمد على البحث الميداني في تأليف كتبه فكان يذهب الى المدن العراقية القديمة ويلتقي بالمواقع وفي يده الخرائط واذا ما كتب عن الملل والنحل زار اصحاب هذه الملل واجتمع بهم وسمع منهم مباشرة.
واذا ما اراد ان يكتب موضوعاً قام اولاً بأعداد قائمة بما تمت كتابته عن هذا الموضوع بكل اللغات ثم يقوم بعد ذلك بتوفير المراجع ويضع على ضوء قراءته الخطة المطلوبة حيث يرسمها ويعين الاسلوب الذي يتخذه لتنفيذ الخطة.
ومن آرائه انه يعد الشعر العربي مصدراً مهماً في دراسة الشعر العربي ويرى ان الشاعر العربي قد وضع القاعدة الاخلاقية التي نادى بها النبي محمد (ص) منهجاً ثابتاً بتغير دوله وانهيار الامم اساساً مهماً في نشوء وسقوط الامم.
وفي تدريسه مادة التاريخ كان يستعمل الجدية في توضيح معادلات التاريخ ويشد الطلبة اليه شداً بكثرة الاسئلة.
وفي نشاطه العلمي انه شارك في عدد من المؤتمرات والندوات العالمية منها: مؤتمر التاريخ في جامعة دنفر 1964، مؤتمر جمعية المعلمين بالمانيا الغربية 1974، مؤتمر شرق الجزيرة العربية في قطر 1976، والمؤتمر الدولي لتاريخ بلاد الشام الذي اقامته الجامعة الاردنية في عمان 1983.
واحتفاء بما قدم كان عضواً في عدد من الجمعيات والهيآت العلمية والقطرية والعربية والعالمية مثل: جمعية اساتذة الجامعات الامريكية 1965، جمعية شمال امريكا لدراسات الشرق الاوسط 1966، جمعية فاي الفاتينا (جمعية امريكية فخرية مدى الحياة لكبار مؤرخي العالم) 1967، معهد دراسات اواسط وغرب اسيا (في الباكستان)، معهد شؤون الشرق الاوسط وشمال افريقيا، اتحاد المؤرخين العرب 1974، هيأة المؤرخين والاثاريين العراقيين 1970ـ1983.
وفي الوسط الجامعي اشرف وناقش العشرات من الرسائل الجامعية في داخل العراق وخارجه.
وقد ألف باللغتين العربية والانكليزية عدداً من الكتب منذ عام 1965 وهي: الاسلام نظرياً وعملياً، جنوب العراق في زمن الملك اشور بانيبال، الاسس التاريخية للعقيدة اليهودية، الاصول الاولى لافكار الشر والشياطين، السومريون وتراثهم الحضاري، حضارات الوطن العربي كخلفية للمدنية اليونانية، الاله زووس، اليزيدية احوالهم ومعتقداتهم، ملحمة كلكامش، العراق القديم حتى العصر الاكدي، المدخل الى تاريخ اللغات الجزرية، تاريخ فلسطين القديم، تاريخ الخليج العربي، المدخل الى تاريخ العالم القديم، دراسات في اللغة الاكدية، سميراميس.
ومما يؤسف له ان هذا العالم العراقي الذي تميز بتخصصه الدقيق لم ينل تلك الرعاية التي تليق به لما قدمه الى عالم المعرفة ليكون قدوة لمن يجيء بعده من الباحثين ومحبي الاثار والتاريخ القديم.
* سبق لهذه المادة ان نشرت في
صحيفة المدى عام 2006