المشغل المنهجي للأستاذة (نبيلة عبد المنعم داود) تأملات في القيم والمنجز

المشغل المنهجي للأستاذة (نبيلة عبد المنعم داود) تأملات في القيم والمنجز

د. علـــي حــــداد
 طالما تردد ذكر الأستاذة (نبيلة عبد المنعم) أمامي واختلط الاسم عندي ـ كما عند آخرين سواي ـ باسم أستاذة قديرة أخرى هي (نبيلة إبراهيم) حتى كان الظن غير المتوثق أحياناً يذهب إلى أنهما شخصية واحدة، لاسيما أن كليهما أستاذة جامعية بارزة الجضور وفيرة العطاء. وكليهما اشتغلت على التراث، وإن بوجهتين متباعدتين وبمجالين مختلفين من ذلك التراث.

(1)
             ولكن ذلك لم يدم عندي طويلاً، فحين اشتغلت ـ منتصف الثمانينات، على إنجاز رسالتي للماجستير الموسومة (أثر التراث في الشعر العراقي الحديث) تبدد ذلك التداخل في المسمى، فالأستاذة الدكتورة (نبيلة إبراهيم) مصرية. وقد كرست الغالب من جهدها الكتابي في مجال التراث الشعبي وفنونه المختلفة، في حين اتجه الجهد العلمي للأستاذة العراقية (نبيلة عبد المنعم) إلى حيث مجالات (التراث العربي) بآفاقه وتاريخه وماتوافر لها من مخطوطاته في مختلف المعارف والعلوم التي راحت تدرسها وتتقصى منجزها وتحققها في فضاء من التأمل والقراءة المنتمية إلى قيم ذلك التراث ومنجزه العلمي والحضاري.
وهكذا تيقنت أني إزاء أستاذتين جليلتين، محضا المعرفة والثقافة والبحث العلمي العربي ما يعد لكليهما رصيداً جديراً بالإعجاب والثناء، وتأكيد المقدرة الثقافية والمعرفية للمرأة العربية حين تتاح لها فرص حقيقية للحضور المؤسس على مدركات ذهنية حصيفة، ودأب مجتهد، يتأكدان من خلال اشتغالها في الحقل البحثي الأكاديمي الجاد والرصين.
وشاءت أقداري ـ حين عدت إلى العمل في جامعة بغداد عام2009م، بعد غربة أربع عشرة سنة ـ أن يعاد تعييني في مركز إحياء التراث العلمي العربي بالجامعة ذاتها، هذا المركز العريق الذي كانت الأستاذة (نبيلة عبد المنعم) رئيسته مدة قاربت العشرين عاماً. ولكنها ـ حين جئته كانت قد أحيلت على التقاعد في تلك السنة، لأشغل أنا درجة الأستاذية التي كانت لها. حينها ظننت أني لن ألتقي تلك الأستاذة التي ماجرى ذكرها على لسان أحدهم حتى قرنه بالإشادة والذكر الطيب والتغني بسجاياها النبيلة كاسمها.
ولكن حظوظي كانت أكبر من الظن فقد عادت الأستاذة نبيلة للعمل في مركز إحياء التراث بصفة (أستاذ متمرس)، لأشاركها ـ وزملاء آخرين ـ الجلوس في غرفة واحدة من غرف المركز، فتهيأ لي أن أتعرف ـ عياناً بياناً ـ هذه الأستاذة المتدفقة إنسانية وطيبة وحيوية ومثابرة معرفية لانظير لها.
 
(2)
        تشكلت شخصية الأستاذة (نبيلة عبد المنعم) العلمية عبر مسيرة إنسانية ومعرفية طويلة، بدأت منذ مراحل مبكرة، كان لها أن تراكمت مخرجاتها في بناء ثقافي خاص ومتميز في كثير من جوانبه.
لقد كان لنشأتها في كنف أب مثقف متعدد الاهتمامات المعرفية ـ يتوافر بيته على مكتبة عامرة بالتنوع، وله مجلسه الثقافي الذي كان يتواصل من خلاله مع عدد كبير من مثقفي عصره وأدبائه ـ ما هيأ شخصيتها للتلقي الدائب والاطلاع المبكر، رغبة في فهم هذا الجو الثقافي والتواصل مع كشوفاته. تماهى ذلك ماكانت عليه شخصيتها من نباهة عالية وجدية، ونزوع مبكر نحو تأكيد الشخصية من خلال تثقيفها بمختلف مجالات الانتاج الثقافي الذي طالما تناهت إليها أمثلته التي يتوافر عليها مجلس أبيها ومكتبته.
وربما تهيأ لشخصية الأستاذة نبيلة أن تتعزز ويتعمق إحساسها بذاتها في وقت مبكر من حياتها كونها البنت الكبرى بين أخوتها وأخواتها.  ثم ماقدر لها أن تعايشه من وقائع، بعد وفاة الأب ـ آواخر الخمسينات ـ وقيام الأم بعده بتربية أبنائها وتنشئتهم، وهو الحال الذي لاشك في أنه عمق لدى تلك البنت المجتهدة والمتفوقة في مراحل دراستها كلها أن تدرك الطاقات الكامنة لدى المرأة التي يمكن لها أن تتفجر معطاءة  حين تضعها أقدارها على محك المعايشة الحقيقية لأداء ماعليها من مسؤوليات إجتماعية وتربوية. 
لقد ترسخت تلك الرغبة في تأكيد الشخصية على نحو كبير لدى الأستاذة نبيلة، وأمدتها بأرصدة مضافة من قوة الشخصية وقدرتها على مواجهة الظروف والأقدار التي كثيراً ما تجيء بالضد من الطماح والأماني والرغبات، وما أكثر ما مرّ منها في حياة هذه الأستاذة النبيلة، سواء على الصعيد الإنساني أو على مستوى النزوع العلمي وتوجهاتها فيه.
ولعل واحدة من الأرهاصات المعرفية المبكرة عندها لتأكيد وعيها وخصوصية منطلقاتها الفكرية، أنها اختارت ـ منتصف الستينات ـ أن يكون موضوع رسالتها للماجستير عن (نشأة الشيعة الامامية) في وقت ملتبس لم يكن كثير من الباحثين الأكاديميين ليجرؤا أن يخوضوا في مثل هذه الموضوعات التي تضع متناولها تحت عين من الرصد والشك والحجب، وذلك مادفعت الأستاذة نبيلة ثمنه لاحقاً، حين كان اسمها يجري شطبه ـ لأكثر من مرة ـ من قوائم المقبولين في دراسة الدكتوراه حينذاك. لكنها بقيت تواجه تلك الممارسات بأريحية عالية وسماحة نفس، وكثير من التجلد والتحدي والإصرار على مواصلة المشوار المعرفي الذي انتدبت وجودها له، لتواصل دراساتها وإنتاجها العلمي الثر وبحوثها التي بلغت مقداراً  وعمقاً يثيران الإعجاب والتبجيل، وذلك الذي جعلها جديرة بنيل أعلى المراتب الأكاديمية بوقت قياسي واستحقاق متميز.
  
(3)
        تهيأ للأستاذة (نبيلة عبد المنعم) أن تتلقى علم التاريخ وكذلك علم تحقيق المخطوطات على أيدي نخبة طيبة من الأساتذة العراقيين الكبار الذين أسهموا في ترسيخ الدرس التاريخي والتراثي، وأرهصت جهودهم في بروز سمات مدرسة عراقية في هذا المجال من التقصي المنهجي الرصين. ومن أبرز هؤلاء الأساتذة : الدكتور (عبد العزيز الدوري) الذي أنجزت تحت إشرافه رسالتها للماجستير. والدكتور عبد الرزاق محي الدين، والأستاذ طه باقر، والدكتور فيصل السامر، والدكتور احمد حسن الرحيم، والدكتورصالح أحمد العلي، والدكتور حسين علي محفوظ، والدكتور حسين أمين، وسواهم الكثير من  الأساتذة الذين أتيح لها أن تعايش مراحل إنجازاتهم العلمية البارزة (في التاريخ وتحقيق التراث) وهما المجالان اللذان تتداخل آفاق تشكلهما في الدلالة على ماكان للأسلاف في عصورهم الماضية من وقائع وأحداث، ومنجزات علمية وحضارية.
 لقد كان لجهود أولئك الأساتذة الكبار تأثيرها في تيقن الباحثة الواعدة ـ حينذاك ـ من وجهتها العلمية التي تخيرتها. وإذ زاملت معظمهم لاحقاً، فقد أصبحت مفعمة بالرغبة أن تجاري صنيعهم بمتحقق معرفي تضيفه بدأبها، ومساعيها الجادة في دراسة التراث والبحث عن مكتنزاته التي لم تنل كفاية قرائية أو مكانة تعريفية تليق بها، أو ظلت في طيات الإهمال والتغييب. وهو مابذلت الأستاذة نبيلة جهدا في التوافر عليه وتحقيقه، وعدتها إليه : المسعى الدؤوب للحصول على أكبر عدد من نسخ مخطوطاته، وتحمل الأعباء التي تترتب على ذلك. وبذل أقصى الجهد في قراءته وتحقيقه.
وكان من أقدار الأستاذة نبيلة  الطيبة التي رسخت وعيها وعمقت وجهتها للأشتغال في الحقل التراثي أنها عينت في عام 1963م أمينة مكتبة في (معهد الدراسات الإسلامية) الذي سيضم لاحقاً إلى كلية الآداب، وبقيت فيها مدة ست سنوات. وهذه المكتبة ـ طبقاً لشهادة الباحثة ـ كانت من افضل المكتبات في العراق وأغزرها محتوى، اذ ضمت في ثناياها عشرات الآلاف من المخطوطات والكتب العربية والمترجمة.وقد افادها هذا العمل في تلك المكتبة إذ وفرت لها معرفة بالمصادر والمراجع، وبالمخطوطات التي عملت على العناية بها وفهرستها.
         لقد تأكد في تخيّرها الوجهة العلمية التي اشتغلت عليها، وواصلتها خلال أكثر من نصف قرن ـ وما تزال ـ يقينها الراسخ بأهمية البحث الجاد المكرس للدرس التاريخي، وتقصي التراث وتحقيق نفائسه. وهي الوجهة من الدرس الأكاديمي التي تكاد تكون(الهيمنة الذكورية) عليها مطلقة، فنحن لانكاد نجد في ىاهننا الثقافي من أشير إليها أنها مؤرخة ومحققه بذات المقدرة والدأب وغزارة الانتاج التي تهيأ للأستاذة نبيلة عبد المنعم أن تكون عليها.
(4)       
         لم يكن الدرس التاريخي بوجهته التقليدية ـ التي تنشغل بمراجعة الوقائع الماضية وأخبارها، من خلال تبويبها، واستعادة ماقيل عنها ـ هو ما اشتغلت عليه الأستاذة (نبيلة عبد المنعم). مثلما لم يكن تحقيق النص التراثي لمجرد أنه قديم، أو لأنه مما تجده بين يديها متوافراً هو ما محضتها عنايتها. لقد كان لشخصيتها مساحة رحبة من التأمل الحصيف والوعي المتمكن من تخيّر وجهة خاصة في المجالين، ليتمثل ذلك في العمل على ما توافرا عليه من انجازات ذات سمات اجتماعية وحضارية دالة على العصر الذي تنتمي إليه، بقيمه وممارسات أهله والمنجز الحضاري المادي الذي خلفوه.
           من خلال هذه الرؤية الحصيفة توجهت الأستاذة (نبيلة عبد المنعم) ـ في دراساتها التاريخية، وفي تحقيق المخطوطات نحو الجوانب العلمية والاجتماعية التي رسمت المشهد البارز لمتحقق الحضارة العربية الإسلامية، سواء أكان ذلك في دراساتها عن تاريخ المدن الإسلامية، أم في انشغالها المتسع بإبراز المتحقق العلمي في حقول العلوم الصرفة ـ من طب وصيدلة وكيمياء وفلك، وعلم نبات وحيوان وطبيعة وبيئة ـ أوفي المعارف والممارسات المتعلقة بتفصيلات الحياة الإنسانية ومظاهرها في أنماط العيش وآداب السلوك والتعامل ووسائل الكتابة وطرائق التعليم، وكل ما من شأنه أن يشخص في الفضاء الحضاري الذي تحقق لإنسان تلك الأزمنة في تعاملاته اليومية وبيئته وسكنه ومأكله ومشربة أن ينتجه ويوطد وجوده الإنساني عليه.
        لقد شغلت هذه الوجهة من الاستعادة والتدارس وتجلية قيم الماضي الحضاري معظم ما أنجزته الأستاذة (نبيلة عبد المنعم) من كتب وأبحاث ودراسات، أكدت فيها حضورها العلمي اللافت، ورسخت لمنجزها المنهجي الرصين مساحة من الإدلال التي تشخص فيه اسماً مهماً في مساحة الدرس التاريخي والتراثي في حديه العراقي والعربي.
      وفي كل تلك المجالات التي كرست لها جهودها الخصيبة التي يمكن لمن يطلع على سفرها البحثي الطويل أن يقف عندها، فإنها كانت تنطلق من يقينها العلمي الرصين الذي ابتنت له سمات منهجية أصيلة تمثلت في الحرص الذي لايجارى على التقصي والرصد، والذهنية الحاضرة لاستعادة الوقائع والأفكار وتبويبها، واستنطاق دلالاتها وقيمها. تساوق ذلك كله مقدرة متمكنة في استكناه خصائص أسلوبية تؤكد البعد الأدبي الذي أرست الأستاذة نبيلة حصته البيّنة في شخصيتها ومنجزها العلمي والثقافي الخلاق.