رائدة المحققات العراقيات..الأستاذة المحققة نبيلة عبد المنعم داود وجهودها في تحقيق التراث

رائدة المحققات العراقيات..الأستاذة المحققة نبيلة عبد المنعم داود وجهودها في تحقيق التراث

  د. محمد عزيز الوحيد
مركز إحياء التراث
الأستاذة الفاضلة نبيلة عبد المنعم داود من المع الاكاديميين العراقيين والعرب في حقلي الدراسات التاريخية وتحقيق المخطوطات، وقد تتلمذ عليها جيل من الأساتذة والباحثين، ولي الشرف ان أكون احدهم.
تشكلت المنظومة المعرفية لأستاذتنا منذ طفولتها، اذ فتحت عينها في بيت علم وأدب وفضيلة،

وكان والدها المرحوم الأستاذ عبد المنعم داود – وهو من كبار الموظفين الحكوميين – أديبا عالما قد غرس فيها حب العلم والأدب،  يصحبها معه إلى المجالس الأدبية، فأخذت تحفظ وهي في هذه السن المبكرة القصائد الطوال من عيون الشعر العربي و الخطب البليغة لبلغاء العرب، فضلا عن القصص والروايات التاريخية وأخبار التراث.
      لقد وهبها الله ذكاء مفرطا، وحافظة قوية، ورغبت جامحة للعلم والمعرفة فأخذت تنهل من مكتبة والدها العامرة، وامسى هذا دأبها في مراحل حياتها اللاحقة، حيث التواصل الثقافي الجاد والانشغال المعرفي الذي أهلها لاحقا للتخصص في دراسة التاريخ، والإقبال على التراث العربي والإسلامي بلهفة وهمة عاليتين.
وقد قيض الله لها أساتذة أفذاذ كالأستاذين عبد العزيز الدوري و صالح احمد العلي اللذين كان لهما دور بارز في توجيهها وتعليمها.
     ان تعاملها مع التراث دفعها للبحث دفعها للبحث والتفتيش عن المخطوطات العربية لتبدأ رحلتها مع المخطوطات والاطلاع عليها،حتى أصبحت من اشهر العلماء معرفة ودراية بالمخطوطات العربية وأماكن وجودها وما حقق منها، ومرجعا للباحثين العراقيين والعرب والمستشرقين.
      لقد نذرت الأستاذة حياتها لخدمة تراث الأمة المشرق وإبرازه للباحثين والدارسين من خلال تحقيق المخطوطات المهمة والمفيدة للامة.
     ان التحقيق يحتاج إلى جهد وعناية اكثر مما يحتاج التأليف، لان عملية تحقيق النصوص ليست سهلة أو ميكانيكية كما يرى بعضهم، بل هي عملية دقيقة تحتاج إلى خبرة ومران ومتابعة، وسعة اطلاع، لان من يحقق كتابا في التاريخ مثلا يحتاج إلى كثير من المراجع في اللغة والأدب والجغرافية والحديث والفقه والدواوين وكتب المجاميع الأدبية وكتب التراجم، وذلك لان نتاج الثقافة العربية والإسلامية وشيج الأنساب متداخل الأسباب.
    لقد حققت الأستاذة مجموعة من المخطوطات النادرة ونشرتها ومنها :
1. كتاب العيون والحدائق في أخبار الحقائق، الجزء الرابع – القسم الأول، دراسة وتحقيق، النجف، مطبعة النعمان، 1972م.
2. كتاب العيون والحقائق في أخبار الحقائق، الجزء الرابع – القسم الثاني، دراسة وتحقيق، بغداد، 1973م.
3. كتاب عيون التواريخ لمحمد بن شاكر الكتبي، الجزء الثاني عشر، دراسة وتحقيق بالمشاركة،وزارة الثقافة والإعلام،بغداد، 1977م.
4. كتاب عيون التواريخ، الجزء العشرون، دراسة وتحقيق بالمشاركة، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1980م.
5. كتاب عيون التواريخ، الجزء الحادي والعشرون، دراسة وتحقيق بالمشاركة، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1984م.
6. كتاب عيون التواريخ، الجزء الثالث والعشرون، دراسة وتحقيق، مطبعة اسعد، بغداد، 1991م.
7. كتاب نكت الوزراء للجاجرمي، دراسة وتحقيق، مركز إحياء التراث، بغداد، 1984؛ طبعة بيروت، شركة المطبوعات للنشر والتوزيع، 2000م.
8. كتاب نزهة الظرفاء وتحفة الخلفاء، دراسة وحقيق، بغداد، 1984م.
9. كتاب الزهد لاسعد بن موسى الأموي، دراسة وتحقيق بالمشاركة، بيت الحكمة،بغداد، 2000م.
10. كتاب منافع الحيوان لعبيد الله بن بختيشوع، دراسة وتحقيق بالمشاركة، بغداد، 2001م.
ولها تحت الطبع
11. كتاب عيون التواريخ، الجزء الثالث عشر.
12. كتاب عيون التواريخ الجزء الثاني والعشرون.
13. كتاب عيون التواريخ الجزء، الرابع والعشرون.
14. كتاب جوامع العلوم.
15. أدب الوزراء لأحمد بن جعفر بن شاذان.
16. كتاب سلوك السنن إلى وصف السكن لابن أبي حجلة التلمساني.
وعرفت ببعض المخطوطات المهمة وكتبت عدة دراسات عنها لجلب انتباه الباحثين والمحققين. منها:
1. دراسة تحليلية في كتاب أدب الوزراء لأحمد بن جعفر بن شاذان، مجلة دراسات، الجامعة الأردنية، كليلة الآداب، 1995م.
2. قراءة في مخطوط جوامع العلوم، ندوة المنطلقات الأساسية لدراسة تاريخ العلوم، المجمع العلمي العراقي.
3. قراءة في مخطوط”ما لا يسع الطبيب جهله”المؤتمر السنوي (22) لتاريخ العلوم عند العرب – معهد التراث بجامعة حلب.
4. قراءة في مخطوط بستان الأطباء لابن البطريق – ندوة الأدوية والعقاقير، مركز إحياء التراث 2003م.
5. قراءة في مخطوط الجامع لصفات أشتات النبات للإدريسي، المؤتمر الرابع للأعشاب الطبية،جامعة ذمار،اليمن، 1999م.
6. قراءة في مخطوط الرأي والمشورة للحكيم ابو الحسن علي بن احمد المطبب، المؤتمر السنوي (23) لتاريخ العلوم عند العرب، معهد التراث بجامعة حلب، 2002م.
7. قراءة في مخطوط”كنز التجار في معرفة الأحجار”الندوة الدولية التاسعة لتاريخ العلوم عند العرب، مكتبة الإسكندرية، 2004م.
و للأستاذة عدة بحوث في تحقيق النصوص منها:
1. منهج بدر الدين الغزي في تحقيق النصوص، الدار الوطنية، مجلة الكتاب والوثيقة، العدد الأول 1994م.
2. مناهج العرب القدامى في تحقيق النصوص، ندوة منهجية تحقيق النصوص، المجمع العلمي العراقي  1995م.
3. تحقيق النسخ الفريدة، مجلة مركز إحياء التراث، جامعة بغداد، العدد 4 لسنة 2002م.
4. محاضرات في مناهج تحقيق المخطوطات – لطلبة الدراسات العليا.
منهج الأستاذة في التحقيق
ان مناهج تحقيق المخطوطات متعددة فهناك منهج تحقيق
وسأقتصر على عملين من أعماله وهما عيون الحدائق، ونكت الوزراء 
أ‌. كتاب عيون الحدائق
 وهو باكورة عملها في التحقيق، وكتاب عيون الحدائق في أخبار الحقائق لمؤلف مجهول من الكتب التراثية المهمة، وهو يتكون من خمسة أجزاء، فقدت  الأجزاء الأول والثاني والخامس، ولم يبق منه الا الجزء الثالث والرابع.
 يبدأ الجزء الثالث بأحداث سنة 86هـ، من خلافة الوليد بن عبد الملك وينتهي بنهاية خلافة المعتصم. وقد نشره المستشرق دي غوية  بليدن سنة 1868م.      اما الجزء الرابع الذي حققته الأستاذة نبيلة بمجلدين، يبدأ بأحداث سنة 255هـ وينتهي بأحداث سنة 351هـ. ومؤلف الكتاب مؤرخ مجهول، يدل أسلوب الكتابة انه ألف في أواخر القرن السادس الهجري.
    تأتي أهمية المخطوط بتقديمه معلومات عن بعض الدول كالدولة الفاطمية والحمدانية، كما يقدم معلومات مهمة أيضا عن الأغالبة، وانفرد بذكر الأخبار ولاسيما أخبار ذكا مولى الراضي، وبعض الروايات عن الحلاج والأخبار المتعلقة بالفاطميين والتي لم يذكرها سواه أو التي نقلها من مصادر غير متوفرة ككتاب ابن الجزار عن الدولة الفاطمية وهو كتاب مفقود، وقد حفظ لنا صاحب العيون بعض نصوصه. وما أورد من أخبار عن فتح العرب لأوربا.  وترجم لبعض القضاة والوزراء، وتوسع في وصف أخبار ابن الفرات وابن مقلة، كما ترجم لمحدثين وعلماء ولم يقتصر تراجمه أهل المشرق وإنما شملت أهل المغرب الا انه أكثر في ذكر تراجم المغرب والتي لم يرد لها ذكر في كتب التراجم المعروفة كما ترجم لعدد من النحويين والشعراء.
    ولما كانت النسخة التي عملت عليها الأستاذة المحققة نسخة فريدة – مخطوطة برلين تحت رقم 9491 – كانت مهمة المحققة صعبة، وهذا يعرفه المختصون بالتحقيق. لذلك كان لابد من مقابلتها مع بقية الأصول التاريخية المعروفة لكي يخرج النص بصورة صحيحة ومقبولة مع المحافظة على شكل النص الأصلي جهد الإمكان. فقامت بمقارنة الأحداث الواردة فيها مع المصادر التاريخية كالطبري وصلة عريب ومروج الذهب وتجارب الأمم وتكملة الطبري للهمداني والمنتظم لابن الجوزي والكامل لابن الأثير، مراعية في ذلك التسلسل الزمني لمؤلف المصدر.
     كما عملت على تصحيح الأسماء التي وردت في المخطوط بصورة غير صحيحة أو بأشكال مختلفة بالرجوع إلى الأصول المعروفة ومنها كتب المتشابه، وحصر الاسم بين قوسين ووصف الشكل الذي رأته مغلوطا في الهامش مع الإشارة إلى المصدر.    وقامت بصلاح السقط بإضافته من المصادر وحصرته بين قوسين مع الإشارة إلى ذلك في الهامش كي يستقيم المعنى. وعرفت بالمواضع والبلدان وخرجت الشعر، وأوردت تراجم موجزة للشخصيات شملت الوزراء والقضاة والمحدثين. ولم تثقل الهامش بالتعاليق الطويلة. وعملت فهارس فنية للكتاب، فهرس الأعلام، وفهرس القبائل والفرق، وفهرس للبلدان والأماكن.وهي بعملها هذا جمعت بين منهج المستشرقين في ضبط النص والمقابلة ومنهج المحققين العرب المحدثين في التخريج متبعة الطريقة الوسطى بعدم إثقال الهوامش بما لا فائدة منها.
ب‌.    نكت الوزراء لابي المعالي المؤيد بن محمد الجاجرمي
نشأ نظام الوزارة في العصر العباسي وتطور، حتى اصبح نظاما قائما بذاته في نهاية العصر العباسي الأول، وقد لعب الوزير دورا مهما في سياسة الدولة العربية الإسلامية فهو”شريك للخليفة في التدبير ومساعد له في السياسة». ولما كانت الوزارة بهذه الأهمية، فقد كتب الكثير عن الوزارة والوزراء ودورهم. وظهرت هذه المعلومات عن الوزارة والوزراء، اما على شكل فصول وأخبار متناثرة في كتب عديدة الاهتمامات، مثل كتب الأدب والتاريخ والثقافة العامة، أو على شكل كتب مستقلة. لقد فتح على علم التاريخ باب واسع من المعلومات فتحته الكتب التي تحدثت عن الوزارة. وبلغت الكتب التي ألفت عن الوزارة عددا كبيرا، وصل الينا بعض منها وفقد الأخر، اذ إشارة اليه كتب الفهارس. ومن هذه الكتب التي وصلتنا مخطوطة”نكت الوزراء للجاجرمي”والتي نهضت الأستاذة المحققة بتحقيقه وإخراجه للنور.
يقع الكتاب في خمسين ورقة ضمت أخبار مئة وزير من وزراء الدولة العربية الإسلامية في مركز الدولة وأطرافها، ابتدأ بعبد الحميد بن يحي الكاتب وانتهى بوزراء الأطراف من سامانيين وسلاجقة.
        احتوى الكتاب على أقوال وتوقيعات لعدد كبير من هؤلاء الوزراء، وكأن الجاجرمي أراد ان يكمل جانبا لم يلتفت اليه من ألف في الوزارة.                                                                                                                      
    سلك الجاجرمي منهجا جديدا في كتابه”نكت الوزراء”لان من كتبوا عن الوزارة والوزراء أوقفوا اهتمامهم على الجوانب السياسية والإدارية واغفلوا جوانب كثيرة أخرى، كما ان اغلبهم تكلم عن وزراء الدولة واهمل وزراء الأطراف والنواحي الأخرى، لذلك ضم كتاب الجاجرمي معلومات مهمة عن هؤلاء الوزراء الذين تندر الإشارة اليهم في المصادر المعروفة فقدم لنا معلومات مهمة عن وزراء البويهيين والسلاجقة والغزنويين، ووضح لنا تعدد الوزراء في القبة العباسية المتأخرة، فللخليفة وزير وللامير وزير ولام الامير وزير. واحيانا يوزر الشخص للخليفة والأمير كما هي الحال في وزارة أبي شجاع.
كما ان الكتاب يلق ضوء على ثقافة الوزراء لاسيما الأطراف وبالتالي على وحدة الثقافة العربية في مركز الدولة وأطرافها.
     اعتمدت الأستاذة المحققة على نسخة فريدة من هذه المخطوطة محفوظة في مكتبة احمد الثالث بإسطنبول ضمن المجموعة الخامسة في المعاش مكتوبة في سنة 877هـ بخط نسخ جميل لكنه غير مقروء، يضاف إلى هذا ان أوراق النسخة غير مرتبة ترتيبا صحيحا، فقد تداخلت الموضوعات رغم التسلسل الصحيح للورقات. ونظرا لهذا الوهم والتداخل الكثير فقد قامت الأستاذة المحققة بإعادة الترتيب وتجاوزت هذه الصعوبة بما تمتلك من خبرة ودراية واسعة بالتحقيق ومنظومة معرفية ضخمة، وأخذت بمقابلة النصوص مع المصادر الأخرى لإخراج النص إخراجا صحيحا ومقبولا مع المحافظة قدر الإمكان على النص الأصلي، وأحالت إلى المصادر المهمة والتعريف بما يحتاج إلى تعريف وأضافت السقط وأشرت إلى مواضعه، كما أعادت الكلام إلى مواضعه الصحيحة وأعادت ترتيب الورقات، فأخرجت النص مصححا خاليا من الوهم والخلط لتكون الإفادة منه كبيرة. وقد طبع الكتاب طبعتين، الأولى في بغداد عن مركز إحياء التراث سنة 1984، والطبعة الثانية في بيروت سنة 2000م.
     ان ما كتبته عن أستاذتي جزء من الوفاء والعرفان لها، هذه العالمة المحققة التي طوقتني بالفضل والمعروف وزودتني بالعلم والمعرفة ولم تبخل علي بالنصح والإرشاد والخبرة أثناء تلمذتي عليها في مرحلة الماجستير وتفضلها بالإشراف على رسالتي، ثم قراءتها أطروحتي للدكتوراه فصلا فصلا، أو خلال عملي بمعيتها تدريسي في مركز إحياء التراث العلمي العربي بجامعة بغداد التي ترأسته. وهذا ليس غريبا عليها لما تمتاز به الأستاذة من صفات حميدة وأخلاق فاضلة، فهي صادقة مع نفسها وربها والأخرين لا تعرف الكذب والغش والنفاق، نبيلة كاسمها حتى مع الذين ناصبوها العداء حسدا وبغضا لعلمها وفضلها وشفافيتها.
 أطال الله في عمرها بالصحة والعافية لتفيض علينا نحن طلبتها وعارفي فضلها من علمها الغزير وإنتاجها العلمي الوفير خدمة لتراثنا. و”هل جزاء الإحسان الا الإحسان».