تطور الكتابة التاريخية في منظور الأستاذة نبيلة عبد المنعم داود

تطور الكتابة التاريخية في منظور الأستاذة نبيلة عبد المنعم داود

د. عبدالله العتابي
ليس القول ان الأستاذة نبيلة عبدالمنعم داود مؤرخة من الطرازالأول ابتعاداعن الحقيقة ,اذ كانت من ضمن الذين شاركوا في تأسيس ملامح مدرسة تاريخية روادها الأوائل العالمين الجليلين الأستاذ الدكتورعبدالعزيز الدوري والأستاذ الدكتورصالح العلي.

اعتقدت المترجم لها ان التاريخ عندالعرب والمسلمين موضوع حيي شكل جانبا مهما في ثقافتهم العامة لمفهومها الواسع  , وهو وثيق الصلة ببعض مفاهيم واعتقاداتهم  وللتأكيد على أهمية علم التاريخ وشموله للناس كافة تستشهد استاذتنابقول المسعودي :"اذ كل علم فمن الاخبار يستخرج,  وكل حكمة منها تستنبط, والفقه منها يستثار , والفصاحة منها تستعاد,  واصحاب القياس عليها يبنون, واهل المقالات فيها يحتجون, ومعرفةالناس منا تؤخذ ,  وامثال الحكماء فيهاتوجد ,  ومكارم الاخلاق منها تقتبس ,  واداب سياسة الملك والحرب فمنها تلتمس".
وعلى الرغم من راي استاذتنا ,  فان المحدث عند العرب في ذلك الزمان اشرف موضعا وأسمى منزلة من  الاخباري.
وهكذا فالتاريخ يشمل علوما مختلفة , وليس مجرد تاريخا للملوك والخلفاءوالحروب والمنازعات وهذا الامر يجب ان يؤخذ بنظر الاعتبار حينما نكتب التاريخ آمنتالم ترجم لها بان التاريخ من العلوم المحببة لكلا لناس , وترويعناحده مقوله:"ليت الخطيب البغدادي ذكرني كفاية ولوفي الكذابين". وأخرمات في حياة السخاوي يقول"ليتني اموت في حياة السخاوي حتى يترحمني".
كان من الواضح ان اهلا لسيرة والاخبار قدر سموا في اواخرالقرن الثاني الابواب الاساسية للتاريخ عند العرب ,  وهي لاتعدو امورا أربعة:
1. أخبار الماضين
2. احوال العرب قبل الاسلام
3. السيرة
4. اخبار الدولة الاسلامية.

ومن اوائل القرن الثالث الى اوائل الرابع يلحظ زيادة جوهرية في المادة التاريخية ودقة وتحررا في مصادرها.
انطلقت رؤية مؤرختنا الى ان التاريخ ليس شيئا يكتب مرة واحدة ,  ولكنه مادة تكتب مئات المرات ,   تعاد كتابتها باستمرارسواء بسب ظهورمعلومات مستجدة اوبسبب تطورفي مذاهب التاريخ وفلسفاته,  اوبسبب ظهور أي  كاتب ومؤرخ يجد في نفسه القدرة والرغبة على ان يتعرض لموضوع ما من موضوعات التاريخ.
وفي السياق نفسه, اعتقدت الاستاذة نبيلة ان كتابة تاريخ فرد اوامة اوعالم عملية متجددة , لايصدر قرار ببدئها , ولاقرار بايقافها. وان الشعوب في مراحل يقظتها الفكرية تزداد اهتماما بتاريخها تماما كماتزداد اهتماما بحاضرها ومستقبلها ,  ومن ثم تشتد حركة التاليف عن التاريخ ويزدادالناس اقبالاعلى قرائته , وفي حالات الخمول تنام الامم عن ماضيها ومستقبلهامعا,  وتستسلم لما وجدته مكتوبا عنها من قبل.
وقدلاحظت مؤرختنا"ان التاريخ ليس شيئا تكتبه جهة واحدةوليس لأحد ان يحتكركتابة التاريخ حتى تاريخ امته, ولايملك فرد اومجتمع ان يمنع الغيرمن الكتابة عنه ,  وكلما كانت الحضارةغنية تتعدد جنسيات الذين يكتبون عنها ,  وذلك ان التاريخ والحضارات ملك مشترك للمعرفة الانسانية كلها ,  فتكثر المؤلفات التاريخية وتتعدد مناهجها لذلك يجب الاحاطة بكل تلك المناهج عند كتابة التاريخ اوقرائته قراءة جديدة".
والحق , في لحظة من اللحظات , تكاد تشعر وانت تقرا مناهج التاريخ ان أي تاريخ غير تاريخ الحكام لم يكن موجودا على الاطلاق. فلا يورد التاريخ كثيرا ان شعوبا تعرضت الى الظلم اوالاضطهاد,  لم يكن هنا كثورات حقيقية قادها ثوار خرجوا من بين طبقات المجتمع,  ليس هناك شئاسمه هزيمة وقعت بفعل حماقة سلطانا وجهلها وقصوره, فكل الهزائم التي حدثت كانت نتاج مؤامرات خططلها الاعداء. لاتورد مناهج التاريخ في اغلبها قصصالاحرار التي قطعت اعناقهم دفاعا عن  الحرية,  بل تتحدث باسهاب عن مجموعة من المتمردين الخارجين على القانون والمتواطئين مع الاعداء.
وتناقش المترجم له االذين يصفون كتابة التاريخ ,  انه تاريخ رسميا يتاريخ الملوك و السلاطين.  وان الناس لاتتفق بهذا التاريخ ومسالة الشك هذه قديمة جدا, ينبغي الالتفاف اليها ,  ومما يرد في المصادر ان بعض ملوك الفراعنة كانوا ينسبون اثار من سبقهم وماقاموا به من حروب ومعارك لانفسهم. وتستشهد مؤرختنا بتعليق احدالمؤرخين قائلا :"ان هذا الامر استمر حتى العصر الحديث , لان النفس الانسانية , او نفسية السلطة , والشعور بسطوتها حين تمتلك البشر فيها ملامح متشابهة مستمرةوعرضة للتكرار ولذا من الطبيعي ان يشك الناس في كل ماهو تاريخ رسمي.
ومن الجدير بالملاحظة, حتى تواريخ الانبياء , ضاعت كلها وسط التاريخ الذي يروي امجاد الفراعنة والملوك الذين عاصروهم.
وفي منظور الاستاذة نبيلة ان مبدأ اخفاء المعلومات بوجها وبآخرموجود في المجتمعات الانسانية عبرالتاريخ كله. وكانت معرفة الاخبارلاتتم الا بالرواية الشفوية, وتتواتر الروايات من شخص لاخرمع كلما تمر به من خلال ذلك في تحريف مقصود او غير مقصود , لذلك كانت معرفةالناس بسيطة , ثم ان المؤرخين يأتون بعد ذلك بمئات السنين يحاولون تجميع ملامح الحدث اوالعصر بصعوبة بالغة , ومن شواهد نادرة وحتى الان حين يعثرالناس على وثيقة اومخطوط اوحجر فتقلب تاريخ عصر كما نعرفه راسا على عقب , وتلعب المصادفات في ذلك دور اكبيرا.
وتشير مؤرختنا الى اهمية المخطوطات في عملية كتابة التاريخ , لان هناك كما هائلا من المخطوطات , لم ينشر منها الا اقل القليل ونشر وتحقيق المخطوطات يساعد في فهم التاريخ عند كتابته , والامثلة على ذلك كثيرة جدا, وتشير الى واحدة منها ان استاذها عبدالعزيز الدوري اختص بكتابة التاريخ العباسي, وكان له رأي في الدعوة العباسية وان ذلك الرأي كان معتمدا عند جمهرة من المستشرقين والكتاب العرب , الا انه وبطريقة ما عثر على مخطوط هو اخبار العباس وولده واطلع عليها , وبعد اطلاعه ظهر له رأي جديد مايخالف ماكتبه هو وماكتبه الآخر ونفي الموضوع , لان اكتشاف المخطوطة غيرت المفهوم السابق. وقد وضح الدكتور الدوري ذلك في مقال كتبه حول الموضوع بعنوان"ضوء جديد على الدعوة العباسية", نشر في مجلة كلية الاداب والعلوم عام 1956.
يمكن ان نعزو ذلك ان مؤرخي الاسلام خلفوا للمؤرخ المعاصر ثروة تاريخية طائلة , يستطيع ان يتدارك في صياغتها مافاتهم ,  وان العلم الحديث يسجل لهم انهم اول من ضبط الحوادث بالاسناد والتوقيت الكامل, وانهم مدوا حدود البحث التاريخي ونوعوا التاليف فيما هو اكثر الى درجة لمن لحق بهم فيها من تقدمهما وعاصرهم من مؤرخي الامم الاخرى ,  وانهم اولمن كتب في فلسفة التاريخ والاجتماع وتاريخ التاريخ.
وتؤكد استاذتنا على بقاء بذرة الشك دائما لدى الناس وفي التاريخ المعاصر , ومرة اخرى صار كل رسمي, يجب ان يشرح رأيه ويرسم صورته قبل ان يرسمها غيره , فهو وان لم يكذب صراحة , فهو على الاقل يحذف مالا يريد له ان يذاع.  والتاريخ الاسلامي – في منظور الاستاذة نبيلة- كتب منه جانب كبيرفي ظل ظروف تحكم السلطة ,  وفي عصورمظلمة فكريا وثقافيا واجتماعيا , وتلك مسالة جديرة بالاهتمام حين نكتب التاريخ.
تميزت الاستاذة نبيلة بمنهجها العلمي في كتابة التاريخ الاسلامي , فهي لم تكتف بدراسة الظاهرة التاريخية وسردها اوعرضها افقيا , وانما ركزت على التحليل العلمي لها واسباب وقوعها ,  ونتائجه الان الحدث التاريخي ليس حدثا وقع وانتهى زمانيا ومكانيا , وانما هو حدث له صيرورته وتكوينه , ويؤثر فيما بعده من احداث لانه يمثل الاب لها , ومرتكزها , فلاحدث بلا اسباب,  وهولايتعلق بالأهواء وانما له جذور هوقاعدته التي يستند اليها لذلك جاءت دراستها وبحوثها وكتبها اصيلة وعميقة في محتواه اومادتها التاريخية.