في الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيله..العالم المؤرخ والوزير النزيه فيصل السامر

في الذكرى الخامسة والثلاثين لرحيله..العالم المؤرخ والوزير النزيه فيصل السامر

توفيق التميمي
الدكتور فيصل جري السامر من مواليد بطائح البصرة 12/1/1924م، والده جري مري السامر شيخ عشيرة الصيامرة من قبيلة بني تميم، اكمل في مدينته البصرة المرحلتين الابتدائية والمتوسطة ومن ثم انتسب الى ثانوية الملك فيصل الاول (كلية بغداد لاحقا)،وهي الثانوية التي تأسست لتستقبل الطلبة المتفوقين من جميع انحاء العراق،

 وبعد تخرجه من تلك الثانوية ورغم تفوقه الا انه اصر على مواصلة دراسته في التاريخ بدلا من دراسة الطب والهندسة كما هو شائع، فقصد مصر في سنة 1947 بعد ان الغيت بعثته الاولى الى بريطانيا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية فتحولت البعثة الى جامعة الملك فؤاد الاول في القاهرة (جامعة القاهرة لاحقا) لينال منها شهادة الليسانس ثم الماجستيرعن اطروحته المهمة (حركة الزنج) عام 1950 م واخيرا الدكتوراه 1953 بتخصص التاريخ الاسلامي.
مشوار التدريس
بعد عودته من القاهرة درّس مادة التاريخ الاسلامي في دار المعلمين العالية بالعاصمة بغداد كما درس في ثانوية البصرة قبل حصوله على بعثة الدكتوراه،وعين بعد حصوله عليها مدرسا للتاريخ في دار المعلمين العالية (كلية التربية لاحقا) ولكنه فصل منها بعد عام واحد مع من فصل من الاساتذة والمدرسين والمعلمين والطلبة والموظفين بسبب مواقفهم المناوئة لحلف بغداد وسلوكيات النظام الملكي آنذاك وانتمائه الى منظمة السلم العالمية المناهضة للحروب والانظمة الفاشية.
بعد ان انهى دورة الضباط الاحتياط العاشرة التي خصصت للموظفين المفصولين عام 1955انتدب للتدريس في احد المعاهد العالية في دولة الكويت وظل هناك حتى عاد الى العراق بعد نجاح ثورة 14 تموز 1958 م ليسهم في الحياة الجديدة في حقولها الثقافية والاكاديمية والسياسية بشكل فعال ويشغل مناصب عديدة منها مدير التعليم العام في وزارة المعارف،ورئاسة اول نقابة للمعلمين في تاريخ العراق.
السامر وزيرا
لنجاحه في المهمات التي أنيطت به وانجازاته وبصماته في الوظائف التي تقلدها ولسيرته العلمية والاخلاقية المرموقة وشهرته المبكرة كمؤرخ بارع اختاره الزعيم عبدالكريم قاسم وزيرا للإرشاد بتاريخ 13-7-1959، بعد استقالة وزيرها الاسبق القومي محمد صديق شنشل،وقام خلال هذه المرحلة من استيزاره بسلسلة من الانجازات والبصمات المشهودة حيث شهد عهد وزارته تطوير برامج وتلفزيون جمهورية العراق، وتأسيس وكالة الانباء العراقية، وكذلك تأسيس الفرقة السمفونية ودار الاوبرا.وقدم استقالته من الوزارة في الثالث عشر من مايس سنة 1961م.
بعد انقلاب شباط الاسود
عند حصول انقلاب شباط الاسود صباح الثامن من شباط 1963 كان الدكتور السامر وزيرا مفوضا في وزارة الخارجية العراقية في اندونيسيا وماليزيا،ولما تناهت اليه اخبار القمع والقتل المجاني لفصائل اليسار واركان الحكومة القاسمية وفصولها المروعة من قبل عصابات الحرس القومي، اختار السامر اللجوء السياسي في عاصمة جيكوسلوفاكيا براغ وعمل هناك استاذا في جامعتها وحصل هناك على عدة اوسمة تقديرية لكفاءته العلمية، وشكل مع مجموعة من الناشطين السياسيين والمثقفين العراقيين لجنة الدفاع عن الشعب العراقي ضد الفاشست من حكومة الحرس القومي وكان معه في تلك اللجنة مجموعة من الشخصيات العراقية منها الشاعر الجواهري والوزيرة الاولى نزيهة الدليمي والفنان محمود صبري وغيرهم.
العودة الى العراق
عاد للعراق عام 1969 بعد ان أعيدت اليه الجنسية العراقية التي اسقطتها عنه حكومة الحرس القومي،وعين استاذا في كلية التربية بجامعة بغداد وحين دمجت كلية التربية بكلية الآداب اصبح رئيسا لقسم التاريخ في كلية الآداب جامعة بغداد، ثم مشرفا على رسائل الدكتوراه ثم تفرغ للتأليف حيث انجز سلسلة من المؤلفات القيمة والتي صدر البعض منها بعد وفاته في احد مستشفيات لندن متأثرا بمرض السرطان الخبيث في صباح 14/12/ 1982.

اضواء على مؤلفاته حسب تاريخ اصدارها :
1- صوت التاريخ :هو اول اصدارات الاستاذ الدكتور فيصل السامر تولى طبعه ونشره السيد كاظم الحيدري الكتبي في مطبعة الاعتماد ببغداد 1948م وقدم للكتاب بمقدمة شغلت سبع عشرة صفحة من مجموع صفحات الكتاب البالغة (128) صفحة من القطع المتوسط.
2- حركة الزنج :وهي في الاصل الرسالة العلمية التي نال بها السامر درجة الماجستير من جامعة القاهرة والتي تحمل عنوان (حركة الزنج واثرها في تاريخ الدولة العباسية) وقد طبعتها (دار القارئ) ضمن سلسلة منشوراتها بعنوان ثورة الزنج /مطبعة العاني – بغداد 1954 في طبعتها الاولى.
3 –(الدولة الحمدانية في الموصل وحلب) والتي نال عنها شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة عام 1953م،وطبع هذا الكتاب بجزئين وساعدت جامعة بغداد على نشره وتم طبع الجزء الاول منه في مطبعة الايمان ببغداد 1970م وطبع الجزء الثاني منه في مطبعة الجامعة ببغداد عام 1973م.
4 –الاصول التاريخية للحضارة العربية الاسلامية في الشرق الاقصى،وهذا الكتاب اصدرته وزارة الاعلام العراقية في طبعته الاولى عام 1977م.والكتاب يقع في (150)صفحة)من القطع الكبير
5- العرب والحضارة الاوربية وهو من اصدارات سلسلة الموسوعة الصغيرة التي تصدرها وزارة الاعلام العراقية عام 1977م.
6- ابن الاثير،وهو كتابه الاخير الذي صدر بعد وفاته بعام من دار الرشيد للنشر التابعة لوزارة الثقافة والاعلام العراقية وجاء الكتاب في (176) صفحة.

وفي حقل الترجمة :
1- مسرحية الاسلحة والرجال بمشاركة قرني رفيق الدوغرمجي لبرنادشو عام 1947 وطبعت في مصر.
2- ازمة الحضارة لجوزيف كاميليري طبعته وزارة الثقافة والاعلام عام 1984م.
كان له اسهام فاعل في تأسيس حركة السلم والتضامن التي تأسست بداية الخمسينات وحضر مؤتمرها الاول في القاهرة عام 1954.
تتلخص منهجيته في كتابة التاريخ بانها المنهجية الواقعية التاريخية المادية التحليلية الاستقرائية،ولذا كانت تسودها النزعة التحليلية المادية التاريخية على جميع مؤلفاته في التاريخ ومنها ومن سيرته السياسية جاءت شبهة انتمائه الى الشيوعيين العراقيين وهو في الحقيقة كان مستقلا عن جميع الانتماءات الحزبية ولكنه كان يميل الى الافكار الليبرالية واليسارية التقدمية بوضوح
التدريس والاشراف على طلبة الدراسات العليا
خلال حقبة البعث الثانية وبعد عودته الى العراق عام 1969وقبل رحيله من الدنيا انصرف الدكتور السامر الى هموم التدريس الجامعي والتأليف وتعتبر هذه المرحلة من اخصب فترات حياته المعرفية حيث انجز وطبع اغلب اعماله واطروحاته في الدكتوراه والماجستير،كما نشط في الاشراف على أطاريح ورسائل الدكتوراه والماجستير لطلبة التاريخ في كلية الآداب :وفي كلمة تأبينيه القاها احد طلبته أ.د عبد الامير دكسن في إحياء الذكرى 25 للراحل فيصل السامر وصف فيها خصال ومزايا السامر المربي والاستاذ والاب العلمي بهذه الكلمات (لقد عرفنا استاذنا المرحوم الدكتور فيصل السامر حين كنا طلابا في المرحلة الثانية في قسم التاريخ بكلية التربية في درس واحد فقط وقد ترك هذا اللقاء اثر فينا حيث نصحنا نصائح ابوية أكد لنا فيها اهمية العلم وان نركز عليه ولا ننساق الى الافكار المختلفة المطروحة في الساحة آنذاك لان كل شيء زائل سوى العلم.
كان استاذنا الراحل عالما مفكرا ودودا وطيب القلب رحيما دمث الاخلاق واديبا فاضلا،رقيقا متسامحا حتى مع خصومه وهم قلة.
كانت افكاره مثار نقاش وجدل شغلت الناس وكان له فضل الريادة فيها وقد لقيت مقاومة في بعض الاوساط العلمية لجرأتها ومخالفتها للفكر السائد آنذاك،وخاصة في منهجيته لثورة الزنج ضد الدولة العباسية في رسالته للماجستير،ولم يأبه لكل ما اثير حول افكاره من معارضيه بل ثبت على رأيه ودافع عنه شأنه شأن كل المفكرين في العالم الذين عانوا مقاومة الفكر الحر ولكن بعد ذلك اعترف الناس بصحة افكارهم وفضلهم بالريادة.
ولم نر الاستاذ المرحوم الدكتور فيصل السامر ثار على معارضيه او جادلهم الامرة واحدة وجدناه منفعلا،وقال بالحرف الواحد :ماذا نفعل غير كلمة حق بحق الحركات الاجتماعية الثورية المظلومة في التاريخ ونحن لم نقل الا هذه الكلمة الحقة)
فيصل السامر سياسيا
لم يعرف عن الدكتور فيصل السامر انتماؤه لأي حزب من الاحزاب اليسارية او اليمينية طيلة مسيرته المهنية سواء كان استاذا او مديرا عاما او وزيرا او باحثا وعالما،فكان يقدم العالم والمؤرخ على السياسي ومناصبه وامتيازاته،لكن ذلك لا يمنع من ان افكاره ومرجعياته كانت تنتهي لأفكار اليسار والليبرالية والحزب الوحيد الذي كان يميل اليه هو الحزب الوطني الديمقراطي ودعاه مؤسسه كامل الجادرجي الى الانتماء لكنه رفض،وبرغم ان حكومة البعث الثانية في 1968م اعادت اليه الجنسية العراقية التي اسقطتها حكومتهم الاولى واعادوه الى التدريس في الجامعة لكنه رفض تسلم اي منصب في حكومة البعث وآثر ان يتفرغ للبحث العلمي..
وعاش محنة المفكر الحر في نظام وظف كل امكاناته وادواته الاكاديمية والاعلامية لتزوير التاريخ وليّ حقائقه باتجاهه وكان موقفه مشرفا برفض الانخراط في مشروع اعادة كتابة التاريخ وفق المنهج البعثي.. وكان ذلك موقفا شجاعا يضاف الى سلسلة مواقفه الوطنية والعلمية المشرفة.
محنته كمؤرخ ومحنته كاستاذ وباحث في زمن لا يقدر مكانة امثاله من العلماء اسفرت في النهاية عن استنزاف قدراته واستفحال المرض اللعين في جسده لينهي حياته في لندن صباح يوم 14 /12/1982م.