ثورة الزنج  بين الدكتور فيصل السامر والدراسات الأخرى

ثورة الزنج بين الدكتور فيصل السامر والدراسات الأخرى

د. ضرغام الدباغ
تكتسب الدراسات التاريخية والسياسية التي تبحث في مرحلة العصر العباسي الوسيط أهمية خاصة وذلك بسبب نضج المعطيات الموضوعية والذاتية التي أثرت على تبلور الأوضاع الاجتماعية / الاقتصادية من جهة، وعلى تطور الفكر السياسي من جهة أخرى، وتستلزم أن يتمتع الباحث بقدرة عالية على التميز بدقة بين الحركات والفرق الدينية / المذهبية، أو الحركات الاجتماعية، المطلبية / السياسية والتأثيرات المتبادلة بينها، وعلى طبيعة وكنهة الأحداث الدائرة.

ولكن الأمر لم يكن كذلك على أرض الواقع، فالتداخلات والتشابك الوثيق بين الشعارات والأهداف، تجعل مهمة الباحث عسيرة في فك أسرار وغموض، وأبعاد وحدود كل موضوع، وغالباَ ما تتداخل بصفات وشروط الحركة السياسية المطلبية، حتى تبدو للعيان وكأن الأمر يدور عن فرقة دينية. وهكذا، فليس نادراَ ما طالعنا من المؤرخين والباحثين والكتاب من يقرر أو يتعامل مع الزنج والقرامطة كفرق أو تيارات دينية، والحق فأن هذه هي حركات سياسية مارست العنف المسلح، ولكن تلك الحركات، لاسيما الزنج والقرامطة، اتخذت بهذه الدرجة أو تلك من الحذاقة السياسية، شعارات دينية أسبغتها على نضالها السياسي/ المطلبي من أجل إكسابها المزيد من الشرعية، ذلك أن الوعي الاجتماعي/ الطبقي كان أضعف من أن يكون لوحده كافياً كشعار محرك للجماهير، أو من اجل إكساب الحركة المزيد من الالتفاف الشعبي حولها.

وتدور مناقشات، ربما صاخبة في بعض الأحيان بين العلماء والمؤرخين والكتاب في تحديد هذه السمات والظواهر أو تلك، أو استصغار دور هذا العنصر أو ذاك، كما إننا ندرك ونتفهم عندما يحاول بعض الباحثين استخدام مناهج تحليل معينة، ووضع الحركات والثورات تحت مجهر الفحص والتدقيق وهذا أمر يلاحظه القارئ اللبيب بسرعة، وهو بحد ذاته ليس خطأً جسيماً، ولكن الخطل والاشتباه يبدأ عندما يتجاهل أي باحث الحقائق المادية أو ينكر وجودها، أو عندما يعمد إلى مبالغة غير مقبولة في عرض فقرات بحثه بقصد إضفاء أهمية مزعومة، والتهويل في دور عناصر معينة وإنكار أهمية أخرى، وهكذا نصبح في النهاية أمام بحث يفتقر إلى الدقة والاتساق، يحفل بالتناقضات، ربما يرضي صنف من القراء، ولكنه لن يشكل قطعاً إسهام على طريق خدمة العلم والثقافة والتراث العربي الإسلامي.

والزنج وقائد ثورتهم علي بن محمد، هي واحدة من أكثر الموضوعات التي طالما أثارت الخلاف بين المؤرخين والباحثين. ويزيد في صعوبة البحث والتقصي، أن الثورة وقادتها لم يتركوا ورائهم وثائق أو أدب سياسي، أو دلائل على منجزاتهم سوى قطعتين نقد معدنية ترقد واحدة منها في متحف لندن والأخرى في باريس، وكثير من الدماء، دماؤهم ودماء أعدائهم، والشقاء والدموع.

ومن أبرز قضايا الخلاف وصعوبات البحث : ـ
ـ الطابع الاجتماعي للحركة بصرف النظر عن درجة نضج هذا الطابع.
ـ انعدام المراجع التي خلفتها الحركة وعناصرها الرئيسية.
ـ التفاوت الكبير في موقف ورؤية المؤرخين للحركة.

ولحسن الحظ، فان أعمال معاصرة حديثة قامت بتجميع أخبار الزنج وثورتهم المتناثرة في عشرات من المصادر والمخطوطات القديمة، اهتدينا إلى بعض الرئيسية منها، لا خلاف حول دقة المعلومات الواردة فيها، مع تفاوت في تحليل تلك المعلومات، هو خلاف لا يضر بعملية البحث العلمي، بل على العكس، هو في الواقع مفيد وضروري يزيد في عمق الرؤية ويتيح فحص الموضوع من زوايا عديدة تقود في النهاية إلى سعة وثراء الفكر.

ومن تلك المصادر، بدرجة ممتازة :ـ
* ثورة الزنج : وهي أطروحة دكتوراه ممتازة للدكتور فيصل السامر مقدمة إلى جامعة فؤاد الأول(القاهرة).

* سلسلة أعمال الدكتور فاروق فوزي عمر وهو خبير وأخصائي في تاريخ الدولة العباسية.

وقد بدا لي أن كلا الأستاذين الفاضلين لم تفتهما أي ملاحظة مهما كانت صغيرة عن تاريخ الزنج وثورتهم، مع تقارب شديد يكون متماثل في دقة المعطيات والمعلومات والجدول الزمني للأحداث.

وبادئ ذي بدء، يبدو لي ضرورة التميز بين كلمتين طالما تستخدم بطريقة خاطئة في البحوث والمقالات، وهي الزنوج، والعبيد. فالزنوج هي كلمة أطلقت على السود من سكان أفريقيا، أما العبودية فهي حالة فقدان كافة الحقوق لإنسان ما، ودخوله ضمن ممتلكات شخص آخر(سيده)، وأشكالها المبكرة كانت في الشرق واليونان وروما. وقد تكاثفت ممارسة الرق كعملية تجارية واسعة النطاق، لاسيما بعد اكتشاف أمريكا عام 1492 م حيث تم نقل أعداد كبيرة جداً من العبيد إلى شمال وجنوب أميركا.

والزنوج موضوع دراستنا، هم ضحايا عمليات صيد وخطف وتجارة رق وأسرى، دارت على نطاق واسع، حدثت خلال قرون عديدة قبل الإسلام وبعده، جلبوا من سواحل أفريقيا الشرقية المطلة على المحيط الهندي، ومن الصومال والحبشة وزنجبار ومن داخل أفريقيا أيضاً. وقد أطلقت تسمية العبيد على كل من فقد حريته وأرادته الشخصية الحرة ودخل في عبودية من يمتلكه ضمن نظام كان له تقاليد وأعراف. أما العبد الزنجي فقد أطلقت على العبيد من ذوي البشرة السوداء، وبيع العبد الزنجي بسعر يقل كثيراً عن العبد الأبيض، 35-30 دينار، فيما كان العبد الأبيض يباع بسعر يصل إلى ألاف الدنانير، وقد أتصف العبد السود بالبساطة والسذاجة، ولكن بالشجاعة والجلد والصبر وقوة التحمل في الأعمال الشاقة.

وهكذا فان العبيد الذين فقدوا حريتهم أولاً، ثم اعتبروا من أملاك السادة، استخدموا في ظروف شاقة كخدم والعمل في الأرض، وقد استخدموا أيضاً في الجيوش لغزو وفتح بلداناً أخرى، وهكذا كانت الحروب والغزوات تغذي نفسها، بل أن قياصرة روما استخدموهم كمادة للمتعة عندما كانوا يقذفون بهم إلى حلبات الصراع مع الحيوانات المفترسة، أو لتدريبهم وزجهم في حلبات المصارعة والقتال حتى الموت.

وحيال أوضاع وظروف كهذه، لم يعد لهؤلاء العبيد البائسين ما يفقدونه أو يغامرون به إن ثاروا، من اجل ولو بارقة أمل بسيطة في تحطيم قيود عبوديتهم ولينعموا بالحرية ولو لأجل قصير. وفي هذا الإطار عرف ما أطلق عليه في التاريخ بثورات العبيد في أرجاء مختلفة من العالم.

ففي إيطاليا وصقلية اللتان كانتا تغصان بآلاف العبيد الذين كانوا يعانون أشق صنوف الاضطهاد الجسدي والامتهان المعنوي، حيث قام العبيد بعدة ثورات أهمها ثورة صقلية عام 135 ق.م ونجحوا في تشكيل دولة ومجلس قيادي. وثورة العبيد الثالثة واستولى فيها على جنوب إيطاليا، بيد انه واجه مصيره هو الآخر بالقتل على يد جنود القيصر.

وكان العرب قد عرفوا الرق قبل الإسلام، وقد أرسيت قواعد عرفية للتعامل مع العبيد سواء كانوا من السود أو البيض. وكانت مكانتهم في المجتمع الجاهلي منحطة، إذ لم يكن للعبد أن يقاتل مع الرجال، كما لم تكن له دية الإنسان الحر. وصاحب العبد حر التصرف بعبده كأي متاع. والإسلام وإن لم يلغ الرق، إلا أنه وفر مكانة لهم وحقوقاً لهم ضمن المجتمع في مقدمتها حق العمل السياسي. كما رفض الإسلام التميز العنصري إذ توصل عبيد نالوا حريتهم بفضل التحامهم بالعمل والجهاد الإسلامي، إلى مواقع قيادية مهمة بين الزعامات الإسلامية مثل: بلال الحبشي، سلمان الفارسي، صهيب الرومي، زيد بن ثابت(عربي)، واعتبرت الشريعة الإسلامية تحرير العبد تقوى للمسلم تقربه إلى الله.

بيد أن هذه النظرة السمحاء للشريعة الإسلامية لم تكن لتنهي الرق وتجارة العبيد.فمع تواصل حروب التحرير والفتوحات، فقد تواصلت عملية ضخ المزيد من الأسرى إلى حالة العبودية، وبذلك استمرت القاعدة سارية المفعول : الحروب كمصدر رئيسي للعبودية، ومن أسباب قيام الرق. وكان النخاسون(تجار الرقيق) يرافقون الجيوش في الحروب كما أزداد ثراء الناس وتصاعد مستوى المعيشة بصفة عامة، فكان سبباً في ازدهار تجارة العبيد، فقد أعتبر استخدام العبيد في البيوت كخدم، والجواري كمحظيات ومن مظاهر الوجاهة الاجتماعية، وكان العبيد بصفة عامة في مراحل التاريخ عنصراً اقتصاديا مهماً، كقوة عمل زهيدة. ولكن العرب وبسبب سماحة الأفكار الإسلامية في العدل والمساواة وعدم التميز بين المسلمين، نال الكثير من العبيد حريتهم بل وتوصل العديد منهم إلى القيادات السياسية والعسكرية، وجواري أصبحن أمهات ولد لخلفاء وأمراء وقادة.

على أن المرحلة اللاحقة للفتوحات، طرحت مواقف ومستلزمات جديدة. ففي العراق على وجه التحديد، أستدعى العمل الشاق في الريف، لاسيما في القسم الأدنى من العراق، حيث تمتاز بطبيعة قاسية لوجود البطائح (الأهوار) والمستنقعات، وأراضٍ سبخة فشهدت فئتين من العبيد:

* الأولى : هم العبيد الزنج الذين جيء بهم من السواحل الشرقية لأفريقيا كما أسلفنا واستخدموا في هذه الأعمال الشاقة، وكانت تلك عملية مجزية اقتصادياً، فأسعار العبيد الزنج متدنية قياساً إلى العبيد البيض، ثم أن العبد لا يتناول أجراً لقاء عمله الشاق هذا، ولا يحتاج الأمر إلا إلى تغذية بسيطة جداً (سويق، طحين ـ تمر) فأصحاب الأراضي كانوا يستخدمونهم بكتل كبيرة 5000 - 500 عبد، في ظروف عمل بالغة السوء. وكان الزنوج قد جلبوا إلى العراق منذ القرن الهجري الأول، بدليل أن ثورتهم الأولى في البصرة اندلعت عندما كانت تحت حكم مصعب بن الزبير، وكان عددهم قليلاً، لذلك قمعت حركتهم بسهوله وسرعة، بيد أنهم ما لبثوا أن ثاروا مرة أخرى عام 758/785H بقيادة زنجي يدعى رباح، ولكن الحجاج تمكن من قمع هذه الحركة مرة أخرى بعد فترة قصيرة من اندلاعهاوكذلك ثورة اندلعت في عهد المنصور758M/141H قضى عليها بسهولة.

* الثانية : وهم عبيد الزط، وقد جلبوا من الهند، إلا أنهم كانوا أقل عددأ لذلك كان تمردهم قصيراً وتمكنت السلطة العباسية في عصرها الوسيط من تشتيت الحركة والقضاء عليها.

وقد ثبت هنا مرة أخرى، أن التطور الاقتصادي وحتمياته أقوى تأثيراً من العناصر الأخرى، فعندما بلغت الدولة العباسية الإسلامية مرحلة تبلورت فيها أسباب ومعطيات اقتصادية / اجتماعية، لاسيما على صعيد الأرض، أفرزت أنماط وتشكيلات جديدة. فالمجتمع العباسي عرف أصناف جديدة من تملك الأرض قادتها الضرورات السياسية بدرجة رئيسية بالإضافة إلى عوامل اجتماعية وإدارية وتلك الأصناف كانت :
* أقطاع التمليك : وتسمى أيضاً أحياء الموات، وهي إصلاح الأراضي غير
الصالحة للزراعة، وهي من الأصناف التي لا تورث.
* إقطاع الاستغلال: وتمنح لقادة الجيش وهي لا تورث أيضاً.
* إقطاع مدني : وتمنح للموظفين بدلاً عن الرواتب.
* إقطاع خاص : وتمنح إلى الأفراد لقاء خدمات معينة.
* إقطاع عسكري : وتمنح للأمراء والقادة(لقاء رواتب الجند).
* إقطاع الخليفة : وهي أملاك الخليفة من الأراضي والضياع.

إذن ووفق هذه المعطيات، لاحظ بصفة خاصة إقطاع التمليك وإحياء الموات (استصلاح الأراضي)، إقطاع التمليك وأحياء الموات (استصلاح الأراضي)، وهي تحتاج بصفة خاصة إلى وفرة في الأيدي العاملة في عمل شاق لإزالة ملوحة الأراضي وكذلك الاقطاعات العسكرية والمدنية وهي جميعاً بحاجة إلى قوة عمل بخسة، وهذا ما يفسر استمرار جلب الزنوج إلى العراق برغم المخاطر التي أثيرت والتي يحتمل أن تثار. ولكن الأغراء الذي تمثله قوة العمل الزهيدة، والأرباح التي يمكن أن تجنى من هذه العملية، كانت أقوى من هاجس الأمن حتى اندلاع ثورة الزنج موضوعة دراستنا هذه، ولهذه المعطيات أيضاً نشطت حركة تجارة الرقيق الأسود عبر البحر الحمر والمحيط الهندي والخليج العربي إلى شبه الجزيرة العربية والعراق ومصر وعبر الصحراء الكبرى إلى شمال أفريقيا.

وفي العراق حيث احتدمت التناقضات بصفة حادة، فمن جهة فساد في قمة السلطة لا خلاف أو جدال حوله، وصراع يدور في السر والعلن بين الخلفاء العاجزين عن وضع حلول لمشكلات أخذت تتفاقم، ومن تلك صراع يدور بين الخلفاء ومؤسسة الخلافة من جهة وبين القادة المرتزقة من جهة أخرى، وكذلك مع القوى العسكرية الأجنبية (البويهيين والسلاجقة) والتي فرضت واقعاً سياسياً تميز بالانحلال والفساد وشيوع الظلم والاستغلال بالإضافة إلى سوء الموقف الاقتصادي والاجتماعي.

وهكذا توفرت الشروط والمقدمات الموضوعية والذاتية لاندلاع ثورة قوامها أعداد غفيرة من الزنوج الذين يعيشون حياة بائسة، وتمثل الثورة بالنسبة لهم بارقة الأمل للخلاص من بؤسهم والموت والسيف في أيديهم أفضل من الموت تحت السياط، ووضع نهاية لعذاب بدا لا نهاية له، وبالمقابل الدولة بفساد أجهزتها وعناصرها القيادية التي لم يكن بوسعها وضع حد لتدهور نظام الحكم وسلطة الدولة.

ويشبه المستشرق الفرنسي كلود كاهن ثورة الزنج في العراق بثورة سبارتكوس لكن بفارق لا يبدو بسيطاً، ذلك أن سبارتكوس قائد ثورة الزنج الثالثة كان عبداً من تراقيا (من رعايا الدولة البيزنطية، وتراقيا اليوم هي منطقة مقسمة بين تركيا واليونان) في حين لم يكن علي بن محمد قائد ثورة الزنج عبداً، بل ولم يكن حتى ذو بشرة سمراء أو سوداء ولكن هناك خلاف كبير في المعطيات الأخرى عن سيرة حياته وانحداره الطبقي والعرقي. ولكن على الأرجح، فأن علي بن محمد الذي غدا أسمه فيما بعد صاحب الزنج يتمتع بقدر كبير من الذكاء والطموح السياسي الواسع والشجاعة، كافية لتثير فيه نزعة المغامرة مع مقدرة قيادية وإدراك لطبيعة الظروف السياسية والاجتماعية التي تمر بها البلاد ومؤسسة الخلافة، فأقدم على قيادة تلك الجموع البائسة التي لم يكن لديها ما تخسره والتي كانت مستعدة للعمل تحت قيادته للخلاص من واقعها.

وصاحب الزنج علي بن محمد هو من مواليد بلاد فارس من أب عربي، وربما أن والدته من سكان أواسط بلاد فارس، ولكن الشكوك الكثيرة تحوم حول ادعائه النسب العلوي، مما يحمل معظم المؤرخين على الاعتقاد أن قائد الثورة أدعى هذا النسب من أجل كسب دعائي سياسي / ديني.

فالثورة هي أذن ثورة عبيد، وهي واحدة من ثورات العبيد العديدة في العراق والشائعة في التاريخ كما أسلفنا (والأصح تسميتها بانتفاضة وليس ثورة لأن شروط وقوانين الثورة أعقد من أن تنطبق على ثورة الزنج، ولكن دعنا نجاري التسمية!) وقد وجدت الثورة، ولربما أن ذلك حدث في أماكن أخرى أيضاً، وجدت من يؤيدها ويدعمها، بل ولربما أن يقاتل في صفوفها من الذين يجدون مصلحة في مناهضة السلطة، أو من فئات مسحوقة وإن لم تكن ضمن حالة العبودية، فتلتف حول الثورة لتشكل الحزام الجماهيري الذي يحيط بها ويقدم الدعم المعنوي والمادي لها وليتحول الدعم في مرحلة من مراحله إلى المساهمة في النضال، كما حدث ذلك في ثورة الزنج، إذ ساهم أفراد وربما جماعات من عناصر البدو والفلاحين الساخطين في العمال القتالية لثورة الزنج.

وفي هذا الإطار"ساعد بعض الأعراب ثورة الزنج في الهجوم على البصرة"  وهذه المعلومة تؤكد أن الثورة قد اكتسبت في بعض مراحلها صفة حركة الساخطين على الظلم وفساد الدولة، وليس ثورة عبيد حصراً، ولكن قيادة الثورة أخفقت في استغلال هذه المسالة بصورة دقيقة، أي أنها لم تنجح في توسيع إطار الثورة وشعاراتها ومنحها مضامين اجتماعية عامة ذات أبعاد عميقة وتحويلها من ثورة عبيد تهدف إلى الانعتاق والعودة إلى اوطانهم الأصلية، أو تحسين ظروف حياتهم ومعيشتهم(إذ لم يكن استلام السلطة من بين أهدافهم) وقيادة الثورة لم تخطو تلك الخطوة الكبيرة الحاسمة، التحول إلى ثورة عامة، ذلك لضعف وعي القيادة بقوانين الثورة من جهة ولتباطؤ ردود الفعل من جهة أخرى.

وبتقديرنا، كان لهذه الفقرة آثارها، بالإضافة إلى سلسلة من الأخطاء منها أن الوسط الذي هبت منه رياح الثورة كان يحفل باتجاهات وتيارات مختلفة (البصرة والعراق الأدنى)، وكان الزنج يمثلون فيه بؤرة الثورة الجاهزة للالتهاب مع أول شرارة، لكن دون إغفال لعناصر الموقف الأخرى ومعطيات أخرى مهمة، منها ضعف إدراك وتشخيص فقرات أساسية أخرى في المجتمع العباسي"فقد كان التطور الاقتصادي الذي شهده القرن الثالث الهجري في المجتمع العباسي من الزراعة الضيقة إلى الزراعة الواسعة (وقد أسلفنا ذلك) والتجارة الرابحة، أدى ذلك إلى قيام طبقة من أصحاب الثروات الكبيرة وملاك الأراضي الواسعة بجانب طبقة من الفقراء وأدى ذلك إلى مزيد من التناقض".

وفي دراسة مهمة صادرة عن جامعة لايبزغ بألمانيا، أن الزنج لم يغيروا أي شيء من طبيعة علاقاتهم الاجتماعية بعد انتصاراتهم (تلك التي حققوها في بداية الثورة)، بل أنهم بداؤا بامتلاك أعداد من العبيد، من الفلاحين والبدو الفقراء، كما أصبح قادة الزنج من ملاك والأراضي، فشلوا في تحقيق التفاعل وصيغ النضال المشترك مع البدو المضطهدين وجماهير الفلاحين والمساواة بين جميع الزنج في النضال وبذلك فقدوا المقدمات الحاسمة لانتصارهم وخسروها لصالح الخلافة"

وليست هناك فائدة كبيرة ترجى من مجادلات لا تنتهي : لماذا تصدى علي بن مجمد العربي الحر لقيادة ثورة العبيد الزنج، فكثيراً ما أشغل المؤرخون أنفسهم بهذا السؤال. وفي الواقع أن علي بن محمد وهو ليس عبداً ولا زنجياً، بل وفيما يبدو من سيرة حياته"انه كان على شيء من الثقافة، وقد عمل في التدريس في عاصمة الخلافة (سامراء) كما عمل في الدواوين"وعلى الأرجح فان علي بن محمد أدرك وشاهد الخلل والفساد وبحكم جولاته الكثيرة (اشتملت على البحرين والإحساء والقطيف) أدرك أن العبيد هم مادة الثورة المؤكدة. وكذلك إطلاعه على التنجيم وقدرته على طرح الشعارات وتفسيرها (وتدل هذه في القاموس السياسي المعاصر، إلى القدرة للعمل بين الجماهير)، فقرر التصدي لقيادة الثورة، ولربما في ذلك شيء من الطموح القيادي والمغامرة إلا أنه في النهاية تصرف ينطوي على المسؤولية وتحمل المخاطر ورفض للفساد والظلم.
وكان علي بن محمد قد أدرك ضعف الخلافة كمؤسسة وفسادها وانحطاط تصرف الخلفاء، فلم تعد تلك الهالة تحيط بهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كان الفساد قد أستشري لدرجة تحض على الثورة، إلا أن إدراك قائد الزنج علي بن محمد للخطوط العامة للموقف السياسي والاجتماعي لا يعني بالضرورة قدرته على طرح منهاج سياسي/ اجتماعي للثورة وتحديد مواقفها حيال ابرز قضايا ذلك العصر كما أن ادعاؤه النسب إلى البيت العلوي قاده إلى سلسلة من التناقضات والأخطاء أضعف موقفه وموقف الحركة والثورة، إذ أدعى أصول مختلفة من النسب إلى آل البيت العلوي، رغم أن الادعاء بالانتساب إلى آل البيت كان محور حركات سياسية وعقائدية كثيرة، وكان أمراً مألوفاً ومتكرراً.
وفي ذلك يكتب الدكتور فيصل السامر"أن حركة الزنج لم تكن الحركة الوحيدة التي استندت إلى ادعاءات دينية في التاريخ الإسلامي. وثمة حقيقة كبرى في التاريخ الإسلامي الوسيط، هي أن الدين لم ينفصل عن السياسة بل بقيا يسيران جنباً إلى جنب، ذلك أن الخليفة كان يجمع بين يديه السلطتين الروحية والزمنية (قبل حلول سلطة العسكريين المرتزقة والبويهيين والسلاجقة) على عكس ما نجد في الغرب إبان العصور الوسطي حيث كانت السلطة الروحية بيد البابا، والزمنية بيد الإمبراطور"
ومع أن أحداث كثيرة قد جرت في أواخر العصر العباسي الأول، وحفل بها العصر العباسي الوسيط، عدلت إلى حد كبير من مفهوم الخلافة ومؤسسة الخلافة ككل. ونجد ذلك واضحاً في أعمال علماء السياسة العرب المسلمين، إلا أن الشريعة وأحكامها بقيت مقدسة في أذهان عامة الناس"فالخليفة اعتبر منفذاً للشريعة الإسلامية ومفسراً للقرآن والسنة، وهذه أدت إلى نتيجتين مهمتين.
* الأولى : أن كل حركة قامت في التاريخ الإسلامي مهما كانت على صواب، وصمت بالزيغ والزندقة وخروج على الدين والدولة.
* الثانية : أن أي حركة لم يكن ليكتب لها النجاح ما لم تستند إلى حجة دينية تبرر فيه قيامها ضد النظام القائم.
وكانت جميع الحركات، من زنج وقرامطة، وحركات ذات أهداف وغايات اجتماعية، ولكنها اتخذت الدين ستاراً لكي تبرر برامجها في نظر الجماهير. ومن هنا عبرت ثورة الزنج عن روح العصر اشد التعبير، في ذلك العصر الذي كان زاخراً بالدعايات الاجتماعية المستترة باسم العدالة الدينية الداعية إلى أعادة الشريعة إلى ما كانت عليه، وهي في الواقع تأكيد ومحاولة لتحسين ظروف الطبقات الفقيرة وتغير النظام السائد. وهناك أمثلة كثيرة على ذلك منها المختار الثقفي، الحارث بن سريح...الخ"
وقائد الثورة علي بن محمد الذي طرح شعارات دينية، علوية ثم زيدية ثم أمامية فيما كانت أرائه السياسية هي أقرب إلى أراء الخوارج لاسيما في قضية الإمامة التي هي مسالة جوهرية في الاتجاهات الشيعية. فقد رأى قائد ثورة الزنج، أن الإمامة يتولاها أفضل المسلمين بغض النظر عن نسبه، وهو رأي أقرب إلى الخوارج منه إلى الاتجاهات الأخرى، كما رفع شعارات أشترك فيها مع الخوارج كشعار :"لا حكم إلا الله"، وأستند إلى الآية :"إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداُ عليه حقاً في التوراة والنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم وذلك هو الفوز العظيم"111ـ التوبة)، وقد أول صاحب الزنج هذه الآية تأويلاً سياسياً حيث قال أن المؤمنين(ويقصد أنصاره) قد اشتروا أنفسهم فلم يعودوا بعد عرضة للرق والعبودية"
ويختلف المؤرخون وكذلك المستشرقون في البحث عن هوية اجتماعية / سياسية للحركة، ومع أن طبيعة الثورة واضحة بما يكفي من الشواهد والأدلة، كونها ثورة عبيد، الذين يمثلون العنصر الأساسي للحركة، ومادة الثورة الرئيسية، الذي تنطوي عليه الحركة، وهي حركة تحرر. نعم أن الوضوح النظري والعقائدي لم يكن بارزاً أو كافياً بسبب حالة التخلف الثقافي الذي كانت عليه جموع العبيد، وهذا يفسر أيضاً عدم تركهم لوثائق أو مؤلفات، وفعاليات الحركة في التقييم النهائي لها وإن كانت على ضعف نظري وعقائدي بين، بيد أن ذلك لا يلغي هويتها بوصفها ثورة تحرر من العبودية.
نعم إنها ثورة اجتماعية ولكن يشوبها الكثير من التناقضات، والغموض وعدم الوضوح!!
ويبدو أن قائد الثورة قد أسرف(وتلك من مثالبه أيضاً) في قطع الوعود للعبيد بالتحرر والأنعتاق وبتحقيق انتصارات كبيرة وسريعة فشل في تحقيقها، وفي ذلك أبخسوا قدر مؤسسة الخلافة على ما تنطوي عليه من ضعف، إذ سرعان ما أستطاع الخليفة من عقد التحالفات مع منافسيه في البيت العباسي بعد أن بلغته الانتصارات الأولى التي حققها جيش الزنج المؤلف من عشرات الالآف من العبيد، واجتياحه الدموي لمدينة البصرة، الأمر الذي ألب القوى ضدهم. ثم ببلوغهم مدينة واسط، حمل الخلافة على الشعور بالخطر الداهم. فعين الخليفة المعتمد شقيقه الموفق ولياً للعهد وقائداً للجيش، الأمر الذي أدى تلقائياً إلى تخفيف قبضة العسكريين المرتزقة على الجيش والدولة.
وقد أثبتت مؤسسة الخلافة، في إطار معالجتها لتفاعلات ثورة الزنج، أنها قادرة على أن تعالج جروحها وتلحم شروخها وتستفيق من استرخائها، فتعقد صلات وتحالفات سريعة مع قوى معادية(حركة الصفارين)، ومع حكام أقاليم طموحين(الطولونيين)، وقد وقعت حركة الزنج في هذه الأخطاء"نتيجة لتصوراتهم الاجتماعية الساذجة، وفي تقدير القوة العسكرية للخليفة"
وكانت القراءة الأولى للموقف السياسي في مرحلة تفجير الثورة صحيحة إلى حد كبير، فقد كانت الدولة العباسية تشهد شللاً في أدائها، أو أنها بسبب هيمنة قوى عسكرية أجنبية لضباط أتراك وديلم، مرتزقة جيء بهم في زمن الخليفة المعتصم ثم أستفحل أمرهم بصفة خاصة بعد أن اغتيل الخليفة المتوكل على أيديهم عندما أراد أن يحد من خطورتهم وتكاثف دورهم إلى أن باتوا يهيمنون في الواقع على الحياة السياسية وأحالوا مؤسسة الخلافة إلى مجرد واجهة، يتحكمون في خلع وتنصيب الخلفاء، ويعيدون إلى الأذهان دور الحرس البريتوريين Partorian (الحرس الإمبراطوري في روما القديمة)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان تمرد آخر قد نشب إلى الخلافة في شرق الإمبراطورية بحدود العام 867M/259H بقيادة يعقوب الصفار وقد بلغت شأناً مهماً في أرجاء جنوب وأواسط فارس حتى بلغ حدود نفوذهم إلى واسط، جنوب العاصمة بغداد، كما أن ولاة الدولة العباسية أظهروا حيال ضعف الخلافة الكثير من الرغبة في الحكم الذاتي، ولربما إلى ما هو أكثر من ذلك، في تأسيس كيانات ليس لها سوى علاقة شكلية بالخلافة، بل وحاولوا فعلاً التوسع إلى خارج حدود ولاياتهم، حيث نازع الطولونيون الخليفة سلطته على شمال أفريقيا والحجاز وبلاد الشام.
وفي حين أخفقت الثورة في أقامة حوار أو تحالف مع هذه البؤر، كما أظهروا فشلاً ذريعاً في الائتلاف والتحالف أو حتى التنسيق مع حركة القرامطة التي كانت في بواكير نشاطها السياسي والعقائدي وبالمقابل تمكن الخليفة من رأب الصدع في صفوفه داخلياً بتعين أخاه ولياً للعهد وقائداً للجيش كما أسلفنا، وأضعاف سلطة العسكريين المرتزقة وتجميع القوى العسكرية والسياسية لمواجهة الموقف الذي بدا عصيباً حقاً.
وقد سهلت أخطاء الزنج مهمة السلطة في عزل الثورة، وقد لاحظنا أن هناك تعاطفاً وإن بدا ذلك في البدء ضعيفاً من الفلاحين والبدو الذين كانوا يعانون من ظروف سيئة، تعاطفاً مع الثورة في كثير من فعالياتها بما في ذلك العسكرية منها، ولكن الثورة لم تحسن التصرف حيال هذا التعاطف والعمل على تعميقه وتوسيعه بإبداء المزيد من التفهم لظروفهم ولطبيعة الموقف بصفة عامة، ومن تلك ارتكابهم خطأ فادحاً بإقامة مجازر دموية عند احتلالهم البصرة في 7/ أيلول ـ سبتمبر 871 /257H شوال ـ17، أي بعد سنتين تقريباً من اندلاع الثورة فقتلوا عشرات الألوف من الناس(قيل 300 ألف إنسان)، وقاموا بأعمال رهيبة من القتل والنهب والسلب للأغنياء والفقراء على السواء.، وفي الواقع، وتجمع على ذلك أعمال المؤرخين والكتاب والمستشرقين، أن الطابع الدموي الشديد للفعاليات الزنجية في أتباعهم أساليب الإرهاب قادت إلى خلق ردود فعل سلبية لدى الجماهير، ذلك الإرهاب الذي مارسته الثورة مع كافة المدن التي كانت تقع في متناول أيديهم.
والحركة التي بدت في بدايتها قوية منتعشة ومتقدمة، تمسك بزمام المبادرة بيدها، في حين كانت السلطات وقواها الضعيفة في حالة دفاع وتراجع، وقد تصور قائد الثورة علي بن محمد ورفاقه، أن قوتهم من جهة وضعف سلطة الدولة ومؤسسة الخلافة من جهة أخرى هي حالة دائمة فلم يحاولوا إدامة تفوقهم السياسي والعسكري والمعنوي، فاعتقدوا أن جل ما ينبغي عمله هو المزيد من الطرق والحفر بالوسائل العسكرية على جسم الدولة المنهك، وفاتهم أهمية وضرورة العمل السياسي والإعلامي والعقائدي.
وعلى هذا الصعيد بالذات، الإعلامي/ العقائدي، أظهروا عجزاً كبيراً ولم يدركوا أهمية تعبئة الجماهير عقائدياً، الأمر الذي له أهمية خطيرة على صعيد العمل الدعائي ونتائجه على معنويات عناصر الحركة وجماهيرها على حد السواء(وهو خطأ تجنبته بطريقة ما حركة القرامطة بالتحاقها بالدعوة الإسماعيلية كواجهة دينية / عقائدية) وقد فشلت حركة الزنج في خلق أطار فكري خاص، ولولا طابعها المميز(ثورة عبيد) لفقدت كل قيمة تاريخية لها.
وتشير معطيات ووقائع كثيرة، أن عناصر الثورة في مراحلها المتقدمة، كانت تتساقط بسرعة فريسة لإعلام ودعيات السلطة، فقد استخدم الموفق(ولي العهد وقائد الجيش) سياسة اللين والقوة معاً، بإصدار العفو مراراً عن المشاركين بالثورة إن هم سلموا أنفسهم، ومن ثم أستخدمهم في جيش السلطة ليقاتلوا رفاق الأمس، وكانت تلك من أهم فعاليات الدولة السياسية والدعائية ضد الثورة.
وإلى جانب ذلك، فإن الثورة فقدت الكثير من مصداقيتها وطهارتها الثورية بحيازتها للعبيد، وبهذا شعر العبيد الزنج دون ريب بالإحباط، إذ فقدت الحركة قوتها ودافعها الأخلاقي وذلك يفسر انضمامهم إلى السلطة والنهاية السريعة(نسبياً) للحركة تثبت ضعفها الفكري والسياسي والمعنوي، فلا غراوة أن نجد عناصر من الزنج المستأمنة قد التحقت بجيش الدولة.
وكان صاحب الزنج قد أدعى النسب العلوي بهدف إحراز نفوذ معنوي، وتمسك بآيات قرآنية تدل على مشروعية نضالهم، وأستند إلى أحكام الشريعة التي تدعو إلى حسن معاملة العبيد وتحريرهم وتمسك بها، بيد أن هذه السياسة سرعان ما ناقضت نفسها في فعاليات لاحقة عندما أعلن صاحب الزنج(قائد الثورة) شعارات معروفة للخوارج، وهم من خصوم العلويين، كما انه بأتباعه مذهب الخوارج، وهو مذهب يغري الثوار لفحواه اليساري الديمقراطي، بينما كانت مذاهب الشيعة كلها(تقريباً باستثناء الزيدية إلى حد ما) لها نزعة صوفية فيما يتعلق بالإمامة، وعصمة الأئمة، وإسباغ الحكمة الإلهية عليهم.