لمحة عن حياة القائد الشيوعي فرج الله الحلو

لمحة عن حياة القائد الشيوعي فرج الله الحلو

ولد الشهيد فرج الله الحلو عام 1906 في قرية حصرايل من قضاء جبيل في لبنان. في البداية درس في مدرسة القرية، التي قال هو عنها:”لم اتعلم سوى القليل جداً في هذه المدرسة، أما طعْمُ القضبان التي كان المعلم يعاقب التلاميذ بها فلن أنساه أبداً”. ومن ثم انتقل إلى المدرسة الوطنية في عمشيت، التي أنهى فيها الدراسة الابتدائية، ومن ثم انتقل إلى مدرسة ميفوق. ولكنه جاء الوقت الذي يترك فيه المدرسة لضيق ذات اليد.

 وأخذ يبحث عن عمل، فعمل مستخدماً في مصلحة المساحة بالقرب من مدينة بانياس على الساحل السوري. ثم عمل معلماً في بعض المدارس الريفية.

لم يتخل فرج عن الرغبة بمتابعة الدراسة، وفي سنة 1929 توفرت له فرصة متابعة دراسته في الكلية الإنجيلية في حمص، مقابل إعطائه دروساً في اللغة العربية للصفوف الابتدائية فيها. وفي هذه الفترة أخذ يتعرف على بعض الأدبيات الماركسية والتقى أحد مؤسسي الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، وهو (ناصرالدين حدة) من بلدة يبرود في القلمون. وما يثير الغرابة أن ناصر حدة هذا بقي اسمه مطموساً في الحزب لأكثر من خمسين عاماً وقد رحل منذ عدة سنوات. ومن ثم تعرف فرج في عام 1931 على خالد بكداش وبعض القادة الشيوعيين الآخرين. وانتسب في العام ذاته إلى الحزب الشيوعي السوري، ونظم خلية في مسقط رأسه جبيل. وبعد ذلك أرسله الحزب للعمل في مناطق أخرى من البلاد، في طرابلس وبيروت ودمشق وحلب والمناطق الريفية في سورية ولبنان.
وفي عام 1934 سافر فرج لأول مرة إلى الاتحاد السوفييتي، وفي العام ذاته أخذت تصدر الجريدة السرية(نضال الشعب) الناطقة بلسان الحزب، وكان هو أحد مؤسسيها وكاتباً رئيسياً فيها. وفي عام 1935 أصبح عضواً في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي.
وفي عام 1936، وفي أثناء الإضراب الخمسيني في دمشق، ألقت سلطات الانتداب القبض على فرج الله الحلو في إحدى المظاهرات، وأبعدته بعد اسبوعين إلى بيروت ومنعته من دخول سورية. وفي أذار سنة 1937 انعقد في دمشق مجلس وطني للحزب في سورية ولبنان انتخب فيه خالد بكداش أميناً عاماً للجنة المركزية وفرج الله الحلو سكرتيراً للجنة المركزية، وخاض في العام ذاته معركة الانتخابات عن محافظة جبل لبنان. ولما صدرت جريدة (صوت الشعب) العلنية في ربيع عام 1937 وضعت تحت قيادته المباشرة.
وفي سنة 1939 بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، لوحق الحزب الشيوعي من السلطات الفيشية الفرنسية المتواطئة مع النازية، واعتقل فرج الله وألقى دفاعاً أمام المحكمة العسكرية الاستعمارية، دافع فيها عن حق سورية ولبنان بالاستقلال، وهاجم فيها الفاشية والنازية وقوى الحرب والعدوان. وحكم عليه هو ورفاقه مدة خمس سنوات. وقضى فرج الله ونقولا شاوي السكرتير الآخر للجنة المركزية والشيوعيون المعتقلون الآخرون 22 شهراً في سجون القلعة والرمل وبعبدا وبيت الدين.
وفي عام 1943 خاض المعركة الانتخابية مرشحاً عن جبل لبنان ووصل إلى دور البالوتاج وحصل آنذاك على حوالي 12 الف صوت. وفي العام ذاته تألف المؤتمر الوطني اللبناني وكان فرج من أبرز وأنشط رجالاته.
وفي 31 كانون أول من عام1943 و1،2 كانون ثاني من عام 1944 انعقد المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي في سورية ولبنان، وقدم فرج الله التقرير التنظيمي ومشروعاً للنظام الداخلي واتخذ قراراً بإنشاء حزب شيوعي مستقل في كل من سورية ولبنان، وصار فرج أمينا للجنته المركزية. وفي هذه الآونة انتخب عضواً في أول نقابة لمحرري الصحف في لبنان. وهو من مؤسسي اتحاد الاحزاب اللبنانية ضد الصهيونية.
يقول فرج في تقريره الذي قدمه أمام المؤتمر الثاني:"إذا كانت النظرية الماركسية العلمية عامة، فذلك لا يعني أبداً أن نتائجها مستقلة عن ظروف المكان والزمان، بل هي تقول كذلك"... ثم يتابع ويقول"عندما يضع حزبنا سياسته لا يقلد أحداً على الإطلاق، لا في الشرق ولا في الغرب، بل يطبق نظرية الماركسية على أحوال البلاد، ولا يحاول أبداً أن يطبق أحوال البلاد على النظرية". ومن ثم يقول في تقريره"إن أشكال التنظيم في الحزب تخضع لظروف الحياة، ولا يمكن إخضاع ظروف الحياة للتنظيم، وليس لأي حزب جدي أن يزعم أنه يستطيع ذلك. وكل محاولة من هذا النوع تعطي تنظيم الحزب طابعاً انعزالياً وتقوده حتماً إلى الفشل والإفلاس". ثم يتابع الرفيق فرج في تقريره قائلاً:"أي رفاق نحتاج نحن؟ إننا بحاجة إلى رفاق مسلحين بالمعرفة والثقافة والاطلاع. نحن بحاجة إلى حزب مطّّلِع عارف".
وهكذا، منذ خمس وستين عاماً يتكلم فرج الله الحلو عن تميز النظرية في بيئتها وظروفها ولا يعتبرها نسخة يجري تطبيقها ذاتها في كل زمان ومكان. كان فكره نقدياً بامتياز، ولذلك من الطبيعي أن يصطدم فيما بعد فكر العقل مع فكر النقل....
ثم يعاد فيما بعد توحيد الحزبين الشيوعيين من جديد، نتيجة الظروف السرية التي استجدت في البلاد، باسم"الحزب الشيوعي في سورية ولبنان، ويبقى فرج الله ركناً أساسياً في هيئاته القيادية.
*******
ففي عام 1947 وبعد صدور قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، يعلن فرج الله الحلوعن:"أسفه لموافقة الاتحاد السوفييتي على هذا القرار"، وطبعاً لم يصدر الأسف عنه فقط، وإنما أسف واحتج آخرون على صدور هذا القرار مثل: هاشم الأمين، وقدري القلعجي، ورشاد عيسى والأديب والشاعر رئيف خوري وإميلي فارس ابراهيم وغيرهم.... وهنا تبدأ محنة فرج الله مع عبادة الفرد في الحزب.. وتعلن لائحة الاتهام ضد هؤلاء واعتبارهم"مخربين وانتهازيين وانهزاميين و تيتويين(نسبة إلى الزعيم اليوغسلافي تيتو الخارج آنذاك لتوه من الكومنترن). وكذلك من التهم التي وجهت لهم أيضاً، أنهم (ديموقراطيون اشتراكيون)، وكانت الديموقراطية الاشتراكية في تللك الفترة تهمة شنيعة أيضاً، وتعتبر خروجاً عن"الماركسية – اللينينية".....
قبل كل هؤلاء الرفاق بمصيرهم وبقائهم خارج الحزب، باستثناء فرج الله الحلو الذي لم يكن يتصور لحظة واحدة أن يبقى خارج الحزب، فقبل تقديم النقد الذاتي الذي طلبه منه خالد بكداش، وقبل الإقامة الجبرية الحزبية التي فرضت عليه في أحد المنازل، وبدأ بكتابة (رسالة سالم) الذائعة الصيت. وسالم هو أحد الأسماء السرية لفرج. ولكن مسودة رسالة النقد الذاتي رفضت لعدة مرات لكونها لم تحظى بقبول خالد. وحول هذه الرسالة يرد في مذكرات أرتين مادويان: فلكثرة ما كتب فرج من"نقد ذاتي"، ورُفِضَ من قبل الرفيق خالد، فإنه، أي فرج قال(لأرتين): قلْ للرفيق خالد أن يكتبَ ما يشاء، وأنا سأوقع، فقط لأني لا أريد أن أطرد من الحزب". كل هذا الذل فرض على فرج فقط لأنه قال:"أنه يأسف لموافقة الاتحاد السوفييتي على تقسيم فلسطين".
وأخيراً تحظى رسالة"سالم"بالقبول، ويعود فرج إلى عمله الدؤوب في مجال التنظيم والسياسة وصحافة الحزب. وبعد شباط من عام 1954، بعد سقوط دكتاتورية أديب الشيشكلي، يبدأ تواجد فرج المكثف في سوريا، وصار إلى جانب عمله في القيادة مسؤولاً عن جريدة الحزب العلنية اليومية (النور)...
“كان يأتي أبو فياض، في أكثر الأيام حوالي الساعة العاشرة مساء، إلى مطبعة (الوفاء) الكائنة في باب توما / حارة الفرايين على ضفة بردى. وبعد أن يحيي الرفاق الذين كانوا يحرسون المطبعة ويسألهم عن أحوالهم، يدخل إلى غرفة التحرير ليشرف على جاهزيتها للصدور. وحوالي الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وأحياناً أكثر من ذلك، يغادر أبو فياض المطبعة. وكان من القياديين الذين يترددون كثيراً، إلى غرفة التحرير في مطبعة جريدة النور آنذاك بالإضافة إلى أبي فياض، نقولا شاوي وموريس صليبي...".
*******
وفي تشرين الثاني من عام 1958، ينعقد الاجتماع الكامل للجنة المركزية للحزب الشيوعي في سورية ولبنان، ونتيجة للأوضاع المتغيرة في سورية بسبب قيام الوحدة بين سورية ومصر يتخذ قرار فصل الحزبين الشيوعيين اللبناني والسوري وتنتخب امانة للحزب الشيوعي اللبناني من ثلاثة أعضاء في عدادهم فرج الله الحلو.
في العام ذاته كان قد تم تكليف الرفيق فرج الله الحلو بقيادة العمل الحزبي في مدينة دمشق؛ وفي مطلع عام 1959 يسافر إلى بيروت لبعض الوقت، ويرجع إلى دمشق في 25 حزيران من عام 1959 سراً لتنفيذ بعض المهام الحزبية، ولكنه يعتقل بعد توجهه إلى أحد البيوت السرية الذي كان قد تم كشفه من قبل سلطات الأمن.. ويتعرض آنذاك لأشرس عملية تعذيب من جلادي تلك الحقبة، ويشارك في التحقيق الخائن رفيق رضا(رأفت) الذي حظي ببصقة من فرج ملأت وجهه. ومن ثم يلفظ هذا القائد والمناضل الفذ أنفاسه الأخيرة تحت وطأة التعذيب المكثف جداً في صباح 26 حزيران من عام 1959. وخاف الجلادون من انكشاف عملية الاغتيال، ولذلك بعد أن كانوا قد دفنوا الجثة في إحدى قرى غوطة دمشق، نقلوها وأذابوها بالآسيد ليمحوا كل أثر لجريمتهم؛ ولكن الجريمة لم تبق طي الكتمان وانكشف أمرها في العالم كله؛ ولم يجحدها سوى محمد حسنين هيكل في أكبر كتبه الصادر في عام 1989. كان من المفترض أن يتأنى أكثر هذا الصحفي الكبير والذي يحاول دائماً أن يكون مؤرخاً.
عاشت ذكرى المناضل الفذ فرج الله الحلو، وستبقى روحه الخالدة نبراساً ومثلاً لكل المناضلين من أجل الحرية والديموقراطية.

عن موقع الحزب الشيوعي السوري