نصوص تنشر  للمرة الاولى   لمؤيد الراوي

نصوص تنشر للمرة الاولى لمؤيد الراوي

تعارف
قالَ رونالدو سانشيز ميجيياز  إنهُ التقى هارولدو دي كامبوز  ببرلين، في مصعدِ فندقٍ أخذ بهما الى  الطوابق العليا. كان دي كامبوز يرتدي قبعة داكنة.
الأول كاتبٌ كوبي يعيش في منفاهُ ببرشلونه. والثاني كاتبٌ وشاعرٌ من البرازيل، أثّر في جيل كامل يتحدث بالبرتغالية.

وكما يقول سانشيز إنه حداثيٌ مستمرٌ في الحداثة بحيث لم  يجعل من الحداثة التيِ يتم التوصل اليها أن تصيرَ لحظة كلاسيكية. أي أنه أنشغلٌ دوما في نسج لغةِ وبنية الحداثة على نحو متواصل.
 
سأل رونالدو، في مصعد الفندق، دي كامبوز، ما إذا كان هو كامبوز البرازيلي،  فغمغم من تحت  قبعته : أن نعم
ثمَّ  تحدَّث له رونالدو بإنفعال وبحب عن تأثيره الإستثنائي في الأدب،  فغمغم دي كامبوز :  نعم.  
وبعد صمت لم يجد رونالدو سوى أن يغهغمَ هو أيضا : نعم.
قرأت كل هذا ولخصته من نشرةٍ  فصلية هامشية  تصدر باللغة الألمانية  تعنى بأخبار الأدب في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ولكنني تساءلتُ، في غرفتي البرلينية الباردة، وأنا أطل من النافذةِ على مساحات الثلج الملوث التي تكمن لا شك خلفها بلدانٌ يعيش فيها ملايين الشعراء : من هوَ دي كامبوز،  هذا الكاتب الذي واصل 73 عاما معركتهُ بذخيرةٍ  واحدةٍ هي ذخيرة الإقتراب جداً من الذات الملتبسة  وتحديد موقعها في العالمِ بين الناسِ وبين الأشياء، دون أن نعرفهُ ودون أن يعرف نفسهُ.
توفي هارولدو دي كامبوز في 16 آب من هذا العام. وأعلِنَتْ الهدنة بينهُ وبين نفسهِ أولاً ومن ثمَّ بينهُ وبين العالم.
أين توفي، وأينَ دُفِنَ،  ومن الذي سمعَ بوفاتهِ ليشيَّعَ هذا المحارب المجاني الى التراب؟
لم يَقل لنا رونالدو ما إذا مشى خلفَ جنازتهِ، وبكى رامياً حفنةً من التراب في الحفرةِ التي سُجِيَ فيها.
كما لم يتوارى الى سمعي ما إذا توقف بعض الكتاب دقيقة واحدة عن الكتابة تأملاً أوحداداً.
ولم  يسأل المنفيونَ في رحيلهِ عن ثمن الوطن وعن أرباح الغربة والمنفى، لأنهم لم  يتعلموا الحساب  المعقد ليستخلصوا الرقم المركب للإغتراب عن النفس  وعن الآخر وعن المكان. ذلك التوحد المجهول  في طيّات كثيفةٍ  لزجةٍ  تحيطها دوماً كائنات  تأخذ ُ المتوحد الى الحمى وتقوده الى الهذيان.
مات  هارالدو دي كامبوز
وإستمرت المجاعة والحروب في كثير من أنحاء العالم، مثلما استمرت شاشات التلفزة في إعلاناتها عن البضائع، وعن إيقاد الرغبة المنطفأة في الأجساد. وبدأت الأمبراطوريات في تكثيف أحلامها وفي زيادة ملفاتها عن المشبوهين، ممتدة يدها، بالشرطة وبالمخبرين، إلى أقاصي العالم. تبني للعلماء والمختصين  معامل ومختبرات تصرف بها العواطف والعقل مثل النقود، معتبرة  الناس حيتاناً  تزاحم البحار وينبغي اصطيادها.
مات في 16 آب من هذا العام
ولو كان قد مات قبل ذلك أو بعدهُ لما عرف الناس أي دي كامبوز مات.
هناك الآلاف في البرازيل وفي أمريكا اللآتينية يحملون هذا الإسم  ثمة جندي سُمِّيَ بهذا الإسم، أو قائدٌ أو موظفٌ. هناك من سمي بكامبوز يُقتلُ في الشوارع الضيّقة  بريودو جانيرو.  إلاّ  أن رونالدو الكوبي المنفي في لشبونة يتحدث بتشخيص عن كامبوزالبرازيلي

ـــــــــــــ
(نصوص)

الذي التقاهُ في مصعد ببرلين.  شاعرٌ قاسى من جيل الحداثة وسَبَرَ  إشكالية حياته قائلا :”مسكينٌ هذا الشاعر،  في زمن الفقر، يعيش على الهامش”.
لم يكن كامبوز إحتفالياً لكي ألتقيه. كنت في  برلين حينما خلع قبعته الداكنة ونام في غرفة ما بفندق  ما  على سرير طقت أخشابه وهو محاصرٌ من جراءاحتدام المعركة بين الحداثة والقدم. و يقيناً لم يتحدث معهُ رونالو الذي غمغمَ معه في المصعد : نعم.
أنا لم أتعرف على كامبوز وعلى رونالدو، ولم أعرفهما من قبل،  ولكنني لسبب ما  لا أعرفه سأنتظر المنفي الكوبي ليأتي مرَّةً أخرى الى برلين.  سأبحث عنهُ في الطرقات وفي الفنادق، وسأتابع القراءات التي ربما يقرأ فيها قصائده علي جمهور صغير لا يتعدى العشرات،  نصفهم من المنفيين الذين يتحدثون البرتغالية أو الإسبانية.  سأنتظرهُ هذا العام،  وفي العام القادم. سأتابع نبأ قدومه في الأعوام القادمة.
وسأرتدي قبعةً داكنة،  وسيأخذني الزمن الىعامي السبعين والثلاثة لأخاطبه عندما ألتقيه :
حسنا يا رونالدو،  أنا مؤيد،
خذني الآن الى هارولدو دي كامبوز.
خذني إليهِ لأحدق في عينيهِ وأرى أية سحابةٍ تغطيهما،  وأي مكبسٍ يعصرُ قلبهُ الضعيف.
لا تحدثني عن كوبا وعن لشبونة، لا تسألني شيئاً عن العراق أوعن البرازيل.  أنا لا أعرف اللغات، ولكنني أعرفُ لعق الدم ومخاطبة الأشباح، أعرف ولادة العقارب.
خذني الى دي كامبوز
لأسأله، في حفرتهِ الضيقةِالمجهولةِ، عن الخسارة التي مني بها.
     

      2001برلين / نيسان ـ ك الأول

********
قصيدة القصر من ديوان نزهة في  غواصة الذي منعته الرقابة من النشر اواخر 69

القصر
.................................
 

  وضعت زهرة
  في القصر

           على وجهي نظارتي
           كائن بحري
           يقدم الفطائر
           ويحرس.

  و
  وضعت زهرة
  في منتصف
  القصر

          قلت: يغطي الزمن الزائر
          داخل القناني
          يغطيه
          بثمار مرفوعة للايام

  وضعت زهرة
  للاحترام
  قبل
  نصف المسافة
  وضعت زهرة
  بينما اتعب
  داخل قرون الاسوار
  اتعب مرة
  والحديقة تألف جداول الاحصاء
  الذي
  لون
  زهرة 
  وتعب

  وضعت، كما عرفوا، منهاجا للسفر
  اطلق اعضائي غداء”للفجر
  بينما وضعت
  زهرة القصر
  وانا في اسواري الواطئة.