تفاصيل صغيرة تنقذ حيواتنا الضائعة..  قصة لقاء سيلفيا بلاث وتيد هيوز

تفاصيل صغيرة تنقذ حيواتنا الضائعة.. قصة لقاء سيلفيا بلاث وتيد هيوز

جابر طاحون
مر أكثر من ستين عاما على لقاء سيلفيا بلاث وتيد هيوز في حفلة طلابية في كامبريدج. ستون عاما ليست واحدة من تلك المناسبات التي تحصل على الاهتمام تبعا لتقاليد الأدب الآن. ليلة حفل إطلاق مجلة «القديس بوتولف» (مجلة طلابية للشعر أسسها تيد هيوز) في الخامس والعشرين من فبراير/شباط عام 1956 لم تكن نوعا من المناسبات كميلاد أو وفاة،

 رغم أن شخصا شديد العاطفة قد يقترح أن ذلك اليوم قد يصبح بصورة كبيرة جزءا من كل منهما.. تيد وسيلفيا.
رسائل هنا.. رسائل هناك
«النتيجة ستظهر يوما ما». كتب تيد هيوز ذلك إلى صديقه تيريتنس ماكوغي ولم يأت على أي ذكر عن لقائه سيلفيا، لكنه تحدث عن القاعة الجيدة الواسعة التي أُقيم فيها الحفل، وغرفة اجتماع الاتحاد النسائي، المكان الذي ضمن لمحرري المجلة اهتماما نسائيا واسعا. «الكل كان مخمورا، نساء أكثر من الرجال، المكان تركناه محطما والنوافذ كانت في غير مكانها وجعلنا الأرضية مثل مسار لسباق الدراجات النارية».
في الوقت نفسه كتب إلى والديه: «ذهبت في نهاية الأسبوع إلى حفلة في كامبريدج حيث كل شيء كان براقا وكل شيء قد تحطم». كتب هيوز تلك الرسائل أثناء إقامته في لندن، وكان قد تخرج من كامبريدج قبل عامين، لكنه ظل يظهر فيها؛ يرتاد المكتبة، يذهب إلى الحفلات ويزور صديقته التي كانت تدرس الإنكليزية في كلية نيونهام هناك. في الوقت نفسه الذي كان هيوز يكتب فيه في بيته، طالبة أخرى في نيونهام كانت تكتب لأمها من ويتستيد (بيت الطالبات في نيونهام) بيت إقامتها على طريق بارتون. استلمت كوريليا بلاث (والدة سيلفيا) الخطاب في مارس/آذار 1956. سيلفيا بلاث صاحبة الثلاثة والعشرين عاما التي كانت قد حصلت على منحة فولبرايت في نيونهام، كتبت إلى أمها العديد من المرات أسبوعيا. الخطابات التي كانت محاولة لإضفاء الإيجابية وتوهج الإنجاز على تجاربها، وتسجيل حياتها كتقارير مرحلية: «أريد الآن فعلا ان أخبرِك كم كانت رسائلك تعني لي الكثير». قالت ذلك لأمها في رسالة بعد الحفلة، بجانب ذلك، ذكرت ـ في عفوية ـ أنها قابلت «شاعرا لامعا، خريج كامبريدج، في حفل مجلة القديس بوتولف الأسبوع الماضي. على الأرجح لن أراه ثانية، لكني كتبت بعد ذلك أفضل قصيدة لي عنه. إنه الرجل الوحيد الذي قابلته هنا حتى الآن الذي قد يكون قويا بما فيه الكفاية ليتساوي مع قوة هذه الحياة».
مخموران بطموحهما
كانا في العشرينيات من عمريهما، عيونهما عانقت كل واحدة منهما الأخرى في المرة الأولى للقائهما، مخمورين كثيرا، منتشيين للغاية بأبخرة طموحهم المثيرة. الطريقة التي يحتفل بها الشعراء الذي ظهروا للتو لأول مرة في مجلة الشعر الجامعية لهم كل الحق ــ والتي هي طريقة أخرى لقول إنهم كانوا أطفالا، أو أنهم ليسوا أكـــثر من أطفال ــ في الاحتفال، وطبعا، تحطيم كل شيء تمـــامـــا. أليس هناك شيء حزين قلــــيلا، خدر قليلا حـــول اعتبار الحفلة الطلابية الفوضــــوية التي تقابلا فيها ذكرى ســنوية؟ جـــوناثان بايت (أكاديمي وروائي بريطاني) يوبخ هيـــوز بلطف في سيرته الجديدة عنه، لأنه أخطأ لون الوشاح الذي كانت سيلفيا ترتديه في «القديس بوتولف»، القصيدة عن تلك الليلة، التي سيضمـــها إلى «رسائل عــــيد الميلاد"بعد خمســة وثلاثين عاما. «لكونه كان المحرر لمذكرات سيلفيا بلاث يكتب بايت هيوز كان يعرف أن لون الوشاح كان أحمر».
سيلفيا
الكتابة إلى أمها تأرجحت بعنف ما بين التصريح أنها تريد أن تغمس نفسها في كتاباتها دون الالتفات إلى النشر «أنا أعتمد على مسار عملية الكتابة وليس على القبول». وهاجس ألا تمتلك صوتا خاصا بها يسمعه الكل «نوبات من الاستياء في عماي وعجزي». في الحقيقة رغم كونها لم تكن قد نشرت أي شيء بعد في «نيو يوركر"على سبيل المثال، لكنها تجنبت سؤال النشر. الكتابة لم تكن تأتيها بسهولة في تلك الفترة والخطابات والمذكرات من منتصف يناير/كانون الثاني حتى منتصف فبراير، الأيام ما قبل حفلة القديس بوتولف أظهرت بوضوح، أن اكتئاب عميق كان يسيطر عليها. لقد أدركت ذلك، تقول: «رعب متزايد لا يمكن الإفصاح عنه، كل يوم يمر دون كتابة أشعر بالمزيد من الخوف». يوم 24 فبراير/شباط، الإرهاق ونزلة برد مع الألم والانزعاج من حيضها، بجانب استمرار شعورها بالأذى من الانفصال عن ريتشارد ساسون، الأمريكي الذي احتل تفكيرها لعدة شهور، ما جعلها في حالة اكتئاب. إنها كانت قد امتلكت قصة مبنية على العطلة الشتوية مع ساسون لم يكن في ذلك لها أي عزاء. كنيسة ماتيس"التي رفضتها «نيويوركر»، المجلة التي كانت تنتظرها أن ترفض قصائدها التي كانت قد أرسلتها لها: «يا إلهي، إنه لشيء شديد البؤس، حين تعتمد حياة على أشياء سهلة وسخيفة كهذه القصائد الجاهزة لقنابل المحررين العنقودية». لقد تمكنت من نشر القصائد في مجلة جامعية، ورقة كبيرة مطبوعة من وجه واحد، راجعها طالب اسمه دانيال هوز.
هيوز
في رسائلها ومذكراتها في ذلك الوقت: الألم مع الوحدة، والخوف الحقيقي من ألا تقابل شخصا تحبه، توقها «الغريب المظلم العينين»، موضوع الزواج ورغبتها في أن تقابل زوجها قبل أن تعود إلى أمريكا، قد تكررت في خطاباتها إلى البيت. لذا كانت عرضة، ومتأهبة، لشخص مثل هيوز الذي لم يكن في تلك الليلة. مجرد قوي جسديا ويمكن الاعتماد عليه، لكنه متوازن التفكير، شخص ناضج وناجح. كان قد نشر في مجلة «القديس بوتولف» قصائد قد أُغرمت بها حتى أنها اقتبست منها، وكان يمتلك ما بدا مبهرا لها؛ وظيفة متعلقة بالكتابة: «إنه يعمل لصالح آرثر رانك» كتبت ذلك لأمها في ذلك الخطاب الذي أتت فيه على ذكره لأول مرة. ومع ذلك، من المفارقات أن هيوز كان يمر بأزمته الخاصة، حيث هويته ككاتــب كانت هما، ووجد أن وظيفته مهينة وخانقة: لم يكن سوى «رعشة"في آرثر رانك كما كتب إلى ماكوغي. وإلى أخته أولوين، قال إنه يعيش «ولكن ليس بحماس كبير». لم يكن يكتب كثيرا وفي خطاباته جاء على وصف نفسه بأنه عالق ويشعر بالذنب، عيناه تتأذى من قراءة الروايات التي عليه تحريرها. كان مرهقا، لا يتوقف عن التفكير في السفر إلى المجر أو إسبانيا أو دبلن، خطة تلو أخرى فاترة للهروب من رتابة وظيفته، التي شعر بأنها تمنعه من الكتابة.
كان يُستدرج باستمرار إلى كامبريدج، ليس فقط من قبل صديقته، ولكن الراحة التي وجدها، والتي أتاحت له حياة كاملة من القراءة والكتابة: «أنا لست مؤهلا فعلا للعيش خارج الكلية، هذه هي الحقيقة، ومع ذلك، التأهيل السيئ هو أني أعيش في الخارج». وجد نفسه قادرا على كتابة «قطعا ثنائية صغيرة"وهو رغب في كتابة قصائد كاملة بدلا من ذلك.
تجربة القديس بوتولف
كان أفق مجلة «القديس بوتولف» – المجلة التي أنشأها مع هيوز ومايزر وبعض الطلاب- مثيرا؛ ربما هي المرة الأولى التي ينشر فيها شعره تحت اسمه، بعد أن استخدم العديد من الأسماء المستعارة مثل: دانيال هيرينج، بيتر كريو أثناء النشر في اثنتين من المجلات الطلابية الأخرى: جرانتا وتشيكر، على الترتيب. لكنه بدا قلقا أيضا بخصوص أن يجد قراء «لم يكن العنوان خيارا جيدا» كتب ذلك إلى ماكوغي، «كل واحد اعتبرها مجلة كنيسية/إبراشية.. أفضل شيء بخصوصها كان الحفلة». من نواح عدة، الشاعران الشابان، كل واحد منهما كان مهيأ للآخر. الثقة التي بدا أنهما يمتلكانها انقلبت في الحفل، وكل واحد منهما كان في حاجة للبحث عن واحد يوفر لهم إمكانية النفاذ، يُطلق سراحهم. ذلك ربما يكون السبب أن كلاهما في تلك الليلة كتب في لغة تعصف بالتحطيم والضجيج والصراخ والضوضاء، ربما يكون ذلك السبب أن هيوز كان في حاجة لأن يفسر ذلك في مصطلحات فلكية. ربما يكون ذلك السبب أن بلاث كانت في حاجة إلى الاعتقاد أنها عضت بقوة خد هيوز فيما هو قبل رقبتها، القبلة التي لم تترك ليس مجرد علامة (هيوز وصفها في قصيدة أنها «خندق من آثار الأسنان») بل جرح مفتوح يقطر دما. ما مدى الصلابة التي تحتاجها لتلدغ وجه أحد، ومع أي موهبة لا حصر لها، ومع أي نفوذ، تترك «الدم يسيل على وجه أحد» كما كتبت بلاث ــ خفيفة كطائرة ورقية ــ في مذكراتها الصباح التالي؟ ما يبين أن بلاث لم تكن الوحيدة التي كانت في حاجة للاعتقاد في ذلك.
التفاصيل الصغيرة
هناك غرابة، حيرة أكثر، في العودة للوراء والنظر إلى الأشياء كافة، كل الأمور الصغيرة، التي كان يمكن أن تغير مسار الحياة، كما تكشفت من تلك اللحظة في الوقت المناسب. والطريقة التي يوفر بها هذا المنظور لحياة الواحد الضجيج وتعقيد القصة من شيء فيه، كل التروس الصغيرة وعجلات الحكاية اللازمة لكي تتحرك بدقة كما فعلوا في تلك اللحظة، والنتيجة، ميلادها. هناك إثارة تسكن التفاصيل الدقيقة في يوم في حياة كاتب، تلك التي أفضت إلى قصيدة معينة أو رواية أو جملة، حالة من البساطة والدهشة.. من الحقيقة. الشعر يأتي من الأشياء في الحياة اليومية؛ لا فقط من جسامة «صدام وقتال»، لكن من كتاب مفتوح على المكتب، من مشروع مقالة متوقفة على آلة كاتبة سميث كورونا، من تلك التروس والعجلات للواقع المعاش لأنها تتكئ على شيء ما كأنه المصير، لكن ذلك ما قد يكون مجرد فرصة. «إنها فقط قصة»، هيوز كتب ذلك في «زيارة»، الرابعة في قصائد رسائل عيد الميلاد. «قصتك، قصتي» كتبت (سيلفيا بلاث) وكانت ليلة فقط، ولكن ما أعقبها كان «مرجل الصباح».
عن موقع جبهة الشعر