أمير الشعر الإنجليزي المعاصر لم يغادر القصيدة.. تيد هيوز  صفعته امرأة ثملة وأنصفته الملكة

أمير الشعر الإنجليزي المعاصر لم يغادر القصيدة.. تيد هيوز صفعته امرأة ثملة وأنصفته الملكة

علي العزير
من النادر أن تتماهى السيرة المهنية لشخص ما مع مثيلتها الحياتية كما حصل مع الشاعر الإنجليزي تيد هيوز، الرجل الذي خلف صخبا هائلا في إبداعه الشعري، لم يكن حضوره الشخصي أقل دويا. منذ الفترات الأولى لانطلاقه في فضاء الذاكرة العامة كان هيوز على موعد مع نسق من المفارقات الغريبة التي ستدمغ حياته القادمة حتى يوم غيابه عن هذه الدنيا،

 ولعل من شأن التبصر في تفاصيل عيش هذا الشاعر الذي كان دوما في قلب الحدث، أن يشير إلى قصديه، من مستوى التواطؤ، تمارسها الأقدار حيال من تعده لملء الشغور في المنطقة الدافئة من المشترك الإنساني العام.

ألقاب شتى حازها هيوز عن جدارة، فهو أمير الشعر الإنجليزي الحديث، وهو شاعر البلاط الذي سترثيه الملكة اليزابيت كما لم تفعل مع شاعر غيره، بمن فيهم العملاق تي سي اليوت، الذي جرى تكريسه بوصفه رائد الحداثة الشعرية ليس في الغرب وحده، وإنما على مستوى العالم بأكمله.
في الحفل التأبيني الذي أقامه القصر الملكي البريطاني لتأبين هيوز، غداة رحيله عن الدنيا في العام 1998 أعلنت ملكة بريطانيا بتأثر واضح: ''الآن بموت تيد هيوز تبكي انجلترا دموعا مريرة، وتعلن الحروف والكلمات الحداد لفقد هذا الشاعر الحالم الملتزم، بعدما استحق أن يكون شاعر بلاطنا الرسمي، وعنوان الشعر الإنجليزي الذي كان، ولا يزال، أهم مميزات هذا الشعب العريق''.

صفعة القدر
رصد النقاد في شعر هيوز تيمة إبداعية متميزة، لا يمكن العثور على ما يوازيها في نتاجات سابقيه من الشعراء الإنجليز، الذين كان بينهم أصحاب قامات شعرية باسقة، كما تحدث بعضهم عن عالم سري شديد الخصوصية، مفعم بالغرابة، أتاح للرجل قدرا استثنائيا من التمايز الإبداعي، لكن ملامح شتى ظلت غائبة عن محاولة تقصي جوهر المشروع الشعري الذي أنجزه هيوز على امتداد سبعة عقود من عمره، اتسم خلالها بغرائبية آسرة، قد لا يكون أكثر تفاصيلها غموضا ذلك المشهد الذي انطبع في أذهان متابعيه ذات أمسية باردة، يوم عمدت فتاة أميركية ثملة، كانت تشارك في حفلة طلابية، إلى توجيه صفعة قوية للشاعر فيما هو محاط ببعض النسوة، يروي لهن نوادره المعهودة المتصلة بالجنس اللطيف.

أصيب الحاضرون بالدهشة، وهم يشاهدون الدم ينزف من أنف هيوز، لكن الدهشة الحقيقية كانت يوم حملت، سيلفيا بلايث، وهي الشاعرة الاميركية الثملة التي صفعت الشاعر بكل قوتها، لقب السيدة هيوز، متحدة مع ضحيتها في رباط زوجي استمر ست سنوات، وأنتج طفلين، قبل أن تتولى بلايث إنهاءه بطريقة تراجيدية، عبر وضع خاتمة لحياتها منتحرة بالغاز.

المتوحش
نهاية بلايث شكلت بداية التوهج في سيرة هيوز، حمّله الناس مسؤولية موتها، خاصة بعد الكشف عن رسائل لها، وصفته خلالها بالفاشستي المتوحش، غليظ القلب، والخالي من المشاعر. صدق الناس كلام بلايث، التي كان يعرف عنها تهورها الشديد، خاصة أنهم كانوا على معرفة بعلاقة عاطفية تجمع هيوز إلى آسيا ويفيل، وهي امرأة ألمانية اقتحمت حياة الشاعر، قبل ان تنتهي هي الأخرى منتحرة بطريقة بلايث نفسها، حينها لم يتردد جمهور مشارك في إحدى الأمسيات الشعرية لهيوز في إطلاق الهتافات المنددة بسلوكه الفج مع الجنس الانثوي، دون ان يشفع له قوله الأثير إنه لا يجد سعادته إلا بمحاذاة النساء، متأملا في ملابسهن وعاداتهن وسائر أمورهن الأخرى.

ما يثير الاهتمام أن هيوز لم يسع إلى الدفاع عن نفسه، وتبرئتها من التهم التي كانت تكال له بغير حساب، آثر الصمت، وظل طيلة ثلاثين عاما من وفاة زوجته مهتما بنشر نتاجها الإبداعي، الذي لم يحظ بفرصة الخروج إلى الملأ خلال حياتها، بالرغم من محاولات شتى بذلتها على هذا الصعيد، وهو ما شجع البعض على الافتراض أن ضآلة المكانة الشعرية لسيلفا كانت وراء نقمتها على زوجها، الذي أمضى حياته يقفز من فوز إلى آخر.
في العام 1981 أبصرت أعمال بلايث النور. بعد أن كانت صاحبتها قد دخلت في ظلام عميق.

أيضا حال هيوز كان مشابها، إذ صدرت بعد موته كتب ومقالات شتى تسعى إلى إنصافه مما تعرض له من تجريح واتهامات، خاصة في ما يتصل بعلاقته مع زوجته، ويسجل للكاتبة البريطانية دايان ميدلبروك أنها قدمت في كتابها المعنون: ''تيد هيوز وسيلفا بلايث قصة زواج'' أقرب التفاصيل إلى الحقيقة في شأن القضية التي ظلت عالقة لأكثر من ثلاثة عقود.
ميتولوجيا
غرابة الأطوار ونقاء الشاعرية كانا السمتين الأشد تمييزا لحياة تيد هيوز، فقد ركّز في شعره على الصلة الخفية بين الإنسان والقوى الفوقية المتحكمة بالكون، كذلك لجأ إلى الرموز مستوحيا منها عالمه الطفولي الشائك، وموغلا في تشريح البعد الأخلاقي في النفس البشرية، دون أن يتخلى عن إيحاءات ذات طابع قريب من الابتذال. بعض النقاد رأى في ديوانه ''كهف الطيور'' محاولة لخلق ميتولوجيا خاصة تعكس ذائقة فائقة الغرابة، وتنحو إلى مسار معقد في وصف معاناة الناس، وطرائق تفاعلهم مع محيطهم المادي.

كان تيد هيوز شاعرا على مدار اليوم والعمر، لعله لم يأخذ إجازة ولو لساعة واحدة من وظيفته الشعرية، لهذا ربما أمكنه ان يشكل إحدى العلامات الفارقة في المخاض الشعري، متخطيا كثيرين ممن ارتسموا على الخارطة الإبداعية بوصفهم عناوين تصعب مجاراتها.

عن موقع ثقافات