13 تشرين الثاني 1929 انتحار رئيس الوزراء  عبد المحســن الســعدون

13 تشرين الثاني 1929 انتحار رئيس الوزراء عبد المحســن الســعدون

اعداد : ذاكرة عراقية
جاء انتحار عبد المحسن السعدون يوم الثالث عشر من تشرين الثاني سنة 1929 في ظروف مفاجئة هزت البلاد من اقصاها الى اقصاها وكان له وقع أليم صادق على الشعب العراقي حديث العهد بالاستقلال المتطلع الى مستقبله السياسي بامال جسام والذي كان ينظر الى رئيس الوزراء وكفاحه الدؤوب الهادئ باحترام عظيم قد لايدانيه لأي زعيم من زعمائه السياسيين في ذلك الوقت.

 كان الشعب العراقي في العشرينيات من القرن الماضي بسبب الظروف ونظام المجتمع وطبيعة تكوين الدولة الجديدة وازدواجية الحكم وبدائية وسائل الاعلام يجهل ما يدور وراء الستار من مناورات بين رجال السياسة وسلطة الانتداب التي كان يعز عليها ان ترى خيوط السلطة تفلت من يديها واحدا تلو الاخر فازداد تمسكها بها حينا ثم لاتلبث ان ترخيها قليلا لتعود الى شدها من جديد..
وكانت الدولة الفتية تتجاذب مصيرها قوى متعددة فهنالك سلطة الانتداب و(الانتداب) صيغة جديدة ذكية توصل اليها دهاقنة الاستعمار في مؤتمر الصلح بباريس لتبرير استيلائهم على غنائم الحرب العالمية الاولى واقتسامها و صيغة مؤادها ان الاقطار المنسلخة عن الدولة العثمانية بقيت لفترة طويلة مهملة ومتاخرة وان شعوبها اصبحت غير قادرة على حكم نفسها بنفسها ولذلك لابد من ان تعهد عصبة الامم بادارتها الى احدى الدول الراقية المتمدنة لترعاها وتاخذ بيدها الى المستوى الذي يؤهلها للاستقلال وياله من شعور انساني نبيل وحرص على مصالح هذه الشعوب المسكينة وادراك للمسؤولية الدولية!.. ويالها من كلمة حق اريد بها باطل.. فقد صيغت صكوك الانتداب بطريقة توحي بانها تهدف الى خدمة مصالح الدول التي رضخت تحت الانتداب ولم تتطرق الى الهدف الاصلي وهو مصالح الدول التي سيعهد اليها بهذه المهمة الانسانية ولا الى اتفاقية سايكس بيكو اللااخلاقية التي تم بموجبها اقتسام الغنائم سرا يوم كانت اطرافها تتلمظ ازاء ممتلكات الدولة العثمانية وتتطلع الى اليوم الذي تضع فيها ايديها على هذه البلاد ذات الموقع الجغرافي والستراتيجي الفريد على طريق الهند وروائح النفط العبقة التي كانت تفوح من اراضيه الغنية بشدة وهنالك الملك فيصل الاول الذي كان يعمل على ترسيخ عرشه في العراق بعد ان خسر عرشه في سوريا ويحاول ان يتفادى مع الانكليز تكرار اخطائه مع الفرنسيين وان يستفيد من تجاربه السابقة ويقول المثل (من لدغته افعى يرتعد لرؤية الحبل) فلعل أي احد يستيطع الوقوف بوجه سلطات الانتداب وكم يستطيع الانتزاع منها ليستيطع الوقوف امام تيارات الراي العام وبين هذا وذاك كيف يستطيع تحقيق التوازن مع مناورات رجال السياسة؟.
اما الناس في بغداد فقد تناقلوا على اثر الحادث اقوالا واشاعات مفادها ان انتحار السعدون كان بسبب حالة غير طبيعية من الكابة والمرض النفسي الذي كان كامنا لديه وان الامر كله لم يكن يستوجب الانتحار ولم ينج أي سياسي من اتهامات عنيفة يكيلها له خصومه بالحق او بالباطل وقال اخرون : فتش عن المراة وذهبوا الى ان زوجة عبد المحسن السعدون كانت تزعجه بدرجة لاتطاق وتنغص عليه حياته مما سود الدنيا في عينه وجعله يكره الحياة فعمد الى التخلص منها في لحظة ياس قاتل ولكن اذا صح هذا التاويل فما معنى رسالته الى ولده اذن؟.
ولماذا جاءت قاصرة على الامور السياسية فقط ولم ترد فيها اشارة لو غير مباشرة الى حياته العائلية وحالته النفسية؟.
ان الدراسات التي صدرت عن حياة عبد المحسن السعدون حتى الان – وهي معدودة – لم تتناول هذه النواحي ولم تلق عليها ضوءا كافيا (وذلك ربما باستثناء دراسة الاستاذ خيري العمري في كتاباته (حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث) فهي عبارة عن سرد لوقائع حياة الرجل منذ ولادته الى وفاته يحتوي على كثير من المعلومات والتفاصيل دون أي تحليل لشخصية عبد المحسن السعدون ونفسيته وحياته اليومية وعاداته الشخصية وارائه في الناس والحياة وظروف انتحاره وملابساته المعقدة وبواعثه الانية والكامنة ولذلك فان معظم تلك الدراسات ليست اكثر من سيرة (رسمية) تكاد تكون خالية من الجوانب الانسانية.
عن كتاب (خواطر في التاريخ) للاستاذ نجدة فتحي صفوة

الوصية التاريخية
 ولدي وعيني ومستندي علي:
اعف عني لما ارتكبته من جناية، لاني سئمت هذه الحياة التي لم اجد فيها لذة وذوقا وشرقا، الامة تنتظر الخدمة، الانكليز لايوافقون، ليس لي ظهر، العراقيون طلاب الاستقلال ضعفاء عاجزون وبعيدون عن الاستقلال، وهم عاجزون عن تقدير نصائح ارباب الناموس امثالي، يظنون اني خائن للوطن وعبد للانكليز، ما اعظم هذه المصيبة، انا الفدائي الاشد اخلاصا لوطني قد كابدت انواع الاحتقارات وتحملت المذلات، محضا في سبيل هذه البقعة المباركة التي عاش فيها ابائي واجدادي مرفهين:
ولدي نصيحتي الاخيرة لك هي:
1- ان ترحم اخوتك الصغار الذين سيبقون ينامي(وتحترم والدتك) وتخلص لوطنك.
2- ان تخلص للملك فيصل وذريته اخلاصا مطلقا.
اعفني يا ولدي علي
13-11-29

• وكتب الشيخ علي الشرقي في كتابه (ذكرى السعدون) :
مأتم الامة وحداد البلاد
شمل الحزن العاصمة وكانت مدينة بغداد مأتما عاما يوم الخميس وليلة الجمعة وليس هناك قلب لم يشترك في الجرح وبدت شارات الحداد فكانت في النهار غلق الاسواق وتعطيل الاعمال ورفع الاعلام السود على المقاهي والحوانيت ورفعت كل مدرسة علما اسودا كتبت عليه عبارة تدل على حزن عميق وكانت في الليل وحشة وسكون ومسارح فقد سكنت تلك المعازف وخرس الحاكي وسدت دور اللهو ومسارح الرقص والتمثيل والسينما حدادا ولم تشاهد بغداد ليلة خرساء موحشة مثل تلك الليلة وصدرت الارادة الملكية المطاعة بتعطيل جميع الدوائر الرسمية في يوم الخميس واصدرت وزارة الداخلية امرا بتنكيس العلم العراقي المحبوب في كل دوائر القطر العراقي حداداً.
واقيم مأتم رسمي في ديوان فخامة رئاسة الوزراء فقد صدر بلاغ رسمي جاء فيه (ابتداء من يوم السبت 16 تشرين الثاني الى يوم 18 تشرين الثاني سيفتح دفتر خاص في ديوان رياسة الوزراء لتسجيل اسماء الذوات الذين سيقومون بواجب التعزية للحكومة) وجلل ديوان رئاسة الوزراء بالسواد ثلاثة ايام.
اما بيت فقيد البلاد فقد اصبح بيت الامة العراقية يتموج بالشعب العراقي المفجوع وقد اخضلت حجارته بالدموع ومسحت اركانه بالقلوب الحزينة وعقد حزب التقدم جلسة كئيبة في عصر الجمعة واعلن الحداد وفي يوم السبت عقد مجلس النواب جلسة حداد مهيبة فلم تكن ترى في المجلس غير شارات الحداد ولم تسمع الا اصوات البكاء وكان مقام الرئاسة ومقاعد الوزراء مجللة بالسواد وقد نصب رسم الفقيد العظيم في المحل الذي كان يجلس فيه المرحوم وقد احيط الرسم المبارك بشارات الحداد واكاليل الزهور وفي الساعة المضروبة فتحت الجلسة فتعالت اصوات البكاء والعويل في جميع صفوف النواب وشرفة المستمعين بحيث ان المجلس اهتز اهتزازا وتقرر ان يقف النواب وقفة الحداد فوقف الجميع”النواب والمستمعون”حدادا في سكوت عميق وانتهت الجلسة وصدرت الارادة الجليلة باسناد رئاسة الوزراء الى فخامة ناجي باشا السويدي وجرت حفلة استيزار صامتة وباكية ورغب صاحب الجلالة بمناسبة الفاجعة ان تتلى الارادة بدون مراسيم وقرر الوزراء ان لايقبلوا التبريكات وان يزور واضريح الفقيد العظيم بعد تلاوة الارادة وهكذا توجهوا توا الى مقر الفقيد وكان اعضاء حزب التقدم ومعظم النواب من الاحزاب مجتمعين وبعد قراءة الفاتحة تقدم فخامة ناجي باشا الى الضريح الكريم والدموع منهمرة والزفرات تكاد تقطع عليه الكلام وفاه بما خلصته جريدة العالم العربي: (ايها الراحل الكريم اتقدم الى ضريحك العزيز اتقدم انا ورفاقي الذين كانوا يحيطون بك احاطة الهالة بالقمر وهاهم يحيطون :
مثل نجوم فقدت بدرها         او كنظام فقد الواسطة

وقلوبهم كسيرة تخفق حزنا على ما اصابهم بفقد رئيسهم الاعظم وانا واياهم نفسم على ضريحك الطاهر باننا سنضع تضحيتك العظمى نصب اعيننا لتكون لنا منارا نستهدي به في سبيل المبادي السامية التي ضحيت نفسك من اجلها فنم مستريحا انك ستحيا وتحيا مبادؤك.

• الرصافي يرثي السعدون
كان المرحوم  الشاعر الكبير معروف الرصافي – فوق ما يحمله من معاني الاحترام والاجلال للاسرة السعدونية – بوصفه المعبر عن الرأي العام البغدادي – العراقي في أواخر العهد العثماني والذي يتكلم باسمه ويفصح عن مكنوناته – اذا كان ذلك مطلوبا في المواقف المختلفة – تربطه بالمرحوم عبد المحسن السعدون”رئيس وزرائه العراقي”صداقة وثيقة، قد تكون توطدت ايام كلنا معا في الاستانة في مجلس المبعوثين العثماني،وقد عبر المرحوم الرصافي عن صداقته للسعدون بمدائح واستعطافات واخوانيات منشور بعضها في ديوان الرصافي، على ان مراثيه الثلاثة التي قالها بحق السعدون عندما سمع بفاجعة انتحاره تعتبر من غرر الشعر في المناسبات، فيقول الرصافي في القصيدة الاولى التي قالها في دار السعدون فور سماعه بنبأ الانتحار والسعدون مضرجا بدمائه قبل ان يدفن:
هذا يدرك في الدنيا الكمال          
        هكذا في موتها تحيا الرجال
اما القصيدة الثانية (وهي الرثائية المشهورة) التي القاها الرصافي في الحفلة التأبينية الاربعينية لوفاة السعدون ومطلعها:
شب الأسى في قلوب الشعب مستعراً   
   يوم ابن سعدون عبد المحسن انتحرا
وفيها يقول:
يا أهل لندن مأرضت سياستكم      
    اهل العراقيين لا بدواً ولا حضراً
إن انتدابكم في قلب موطننا              
 جرح تداويه لكن لم يزل عبرا
لم يكفه انه للحكم مغتصب             
   حتى غدا يقتل الأراء والفكرا
إلى ان يقول في وصف يوم انتحار السعدون
يوم به كل عين غير مبصرة       
   إذ كان اسنانها في الدمع منغمرا
خلت العراقيين خدي تاكل وهما    
  سطران للدمع في الخدين قد سطرا
ابو علي قوي في عزائمه          
      لورام بالعز دحر القوم لاندحرا
ثم يقول مخاطبا المصريين في مقارنة جميلة بين الزعيم المصري سعد زغلول الذي كان الاعلام المشرقي – خاصة المصري – يتبجح بزعامه وتضحياته وبين رئيس وزراء العراق عبد المحسن السعدون المنتحر:
سعد وسعدون محمود مقامهما    
      هذا بمصر وهذا ها هنا اشتهرا
كلاهما قد فدى بالعيش أمنه     
        لكن سعدون لاسعدا قد انتحرا
إن كان قد ارخص الاموال سعدكم 
     فإن سعدوننا قد ارخص العمرا

• التمثال ينتصب في بغداد
حينما شعر العراقيون بفداحة المصاب تنادى عدد من النواب ورجال الصحافة وعلية القوم الى تكريم عبد المحسن السعدون ؛ من خلال لجنة عليا تعمل على اقامة تمثال له يليق بسجله الوطني وتضحياته ؛ على ان يمول من تبرعات ابناء الشعب اسهاما و تقديرا لدوره في الحياة السياسية والاجتماعية وقد عهدت اللجنة الى الفنان الايطالي العالمي بيترو كنونيكا بمهمة تصميم و نحت التمثال ؛حيث سبق لهذا الفنان الكبيران نحت تماثيل لفيصل الاول ؛ ومصطفى النحاس ؛ واتاتورك ؛ والجنرال مود.... وفي عام 1933 انجز كنونيكا التمثال ورفع الستار عنه في ساحة صغيرة خضراء تقع في نهاية شارع الرشيد بالقرب من مدخل ابي نؤاس ؛ حيث كان يقابله آنذاك متحف صغير لمخلفات الملك فيصل الاول البسيطة. والتمثال يصور عبد المحسن السعدون واقفا بملابسه الكاملة معتمرا سدارته ؛ و يحمل بيده اليسرى مجموعة من الاوراق ؛ ويشير بيده اليمنى الى صدره ؛ وهو مصنوع من النحاس ؛ اما القاعدة فقد كانت من المرمر الصقيل وقد برزت عليها تماثيل صغيرة لبعض شخصيات تلك الفترة من تاريخ العراق السياسي المعاصر. لقد تشعبت الاراء حول دلالات الوقوف والاشارة ؛ وحينما سألت الشاعر والقانوني الكبير المرحوم ابراهيم الواعظ والذي اسهم اسهاما ادبيا وماديا في حملة التبرعات الشعبية لاقامة هذا التمثال ؛ عن تلك المغازي اجابني وانا اجلس اليه في دائرة التفتيش العدلي التى كان يرأسها في الخمسينات من القرن الماضي بالقول (اما الوقوف ؛ فهو دليل على الشموخ والاعتداد بالنفس ؛ و اما الاوراق التي يحملها فهي دليل على صفحة اعماله وخطاباته ؛ وما اليد اليمنى التي تمتد لتلامس صدره الا اشارة الى ما اكده في رسالته الاخيرةلأبنه علي.. (انا الفدائي لوطني) ؛واذا ما تملينا تماثيل القاعدة وجدناها ترمز الى اعضاء مجلس النواب والوزراء وكأنهم يستمعون اليه خطيبا أ.ه)... لقد تنقل التمثال من موقعه الاصلي الى حيث مدخل جسر الجمهورية ليقابل مدرسة الراهبات ؛ ثم الى بداية ساحة التحرير ؛ ولما كان التصميم والانشاء اعترضا مكانه في الحالتين فقد نقل الى موقعه الاخير في ساحة النصرمنذ عام 1962 .