محمد إقبال.. الإنسان المصلح وشاعر الفلسفة الذاتية

محمد إقبال.. الإنسان المصلح وشاعر الفلسفة الذاتية

فلاح المرسومي
يَضــع الكاتب زكـــي محمد جــواد بين يدّي القراء مؤلفـــه الجــديد”الأعمال الكاملة للشاعر والفيلسوف محمد اقبـــال”وبجزئين، المجلد الأول بـ  540  صفحة والثاني بـ 596  صفحة، واللذين صدرا هذا العام 2017، وقد زيَّن الصفحة الأولى بعشرة أبيات اختارها المؤلف لتكون خير إهداء لمنجزه هذا بحق رسول الأمة العظيم مُحمَد بن عبدالله صلى الله عليه واله،

 وهي من  قصيدة”حديث الروح”والتي غنتها السيدة أم كلثوم وصداها يتجدد في كل وقت منذ أكثر من خمسين عاماً ولا تزال، وهاتان بيتان من الابيات العشرة المختارة،
مَن كـان يهتــفُ باسمِ ذاتِكَ قَبلنــا
    مَن كانَ يدعـو الواحدَ القهــَّارا
عبـدوا تَمَا ثيـلَ الصُخورِ وقدَسُوا
 مِن دُونِك  الأحجـارَ والأشجارا

قصد الكاتب في تقديم هذا العمل الكبير ليكون الجميع وبكافة مستوياتهم على معرفةٍ وبينّةٍ تامةٍ عن أعمال مُحمِد إقبال الشاعر الحكيم، أعماله وفلسفته وشعره وهو الذي عاش طيلة حياته  ينتقد ويصلح ويفكر في إيجاد ما يستحقه المسلم في كل مكان، وكان يرى إن منطلق البناء هو مركزه العقل والنفس، وإنهما إن صلحا صلحت الحياة بمجملها، وإن خبثتا كتب عليها السلام، وأن السبيل في نظره الثاقب للصعود بالعقل من الوديان الى الجبال ومن الذل الى الإباء، هو كشف حقيقة الإنسان وحقيقة ما يحويه في كيانه، فالإنسان على وصف الشاعر إقبال”محيط متلاطم رهيب في الجواهر والحصى فإن مالت نفسه عن الحقيقة تلاشت الجواهر أمام وفرة الرمال، وإن مالت نفسه نحوها لم تظهر آثار الحصى أمام أنوار اليواقيت”، عرفنا الشاعر إقبال من كبار التيار الاصلاحي الثوري مع محمد خان، والأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، وعلال الفاسي، هذا التيار الذي فجر ثورة عرابي في مصر، وأقام دولة باكستان، وكان وراء الحركات الاستقلالية في المغرب العربي وفي الثورة المهدية في السودان، وفي الحركة السنوسية في ليبيا، وفي حركة الأئمة الأحرار في اليمن، وامتدت الحركة الاصلاحية في الوعي السياسي الى الآلوسيين في العراق والشوكاني في اليمن ومصطفى السباعي في سوريا وسيد قطب في مصر، والمودودي في باكستان الوليدة وحركة  فدائيو الإســلام  في إيران، كان يتميز الشاعر إقبال بصفات جذابة في الصورة وفي الفكر والكلام، مشرق الوجه جذاب، مهيباً ذكي الفؤاد، حلو المعشر، حاضر الذهن، ظريفاً يثير النكات الأدبية والاجتماعية تطرب سامعيه، وهو فوق هذا كانت نفسه عفيفة، موفور الكرامة والإباء، متواضعاً مع الطبقات الفقيرة والوسطى، لا يهادن بالحق ويبدي العظمة والكبرياء مع المتجبرين من الطبقات الاستقراطية في مجتمعه الهندي، آمن بأن التعاليم الإسلامية هي وحدها تستطيع إعادة ذلك التراث الإنساني الذي شع بريقه الى شتى بقاع العالم، وكان من أكبر رواد مذهب التجديد واستطاع بعد دِراسته القران الكريم دِراسة مُعَمَّقة ودَرَسَ فلسفات الغرب جميعاً  كبرغسون وكانت ونيتشه  وفلسفات العرب كالغزالي، أستطاع من خلال كل ذلك أن ينتهج منهجاً ايجابياً هو نهاية التقليد وبداية التجديد، لقد جاء المؤلف بالجزء الأول على مولد ونشأة ودراسة الشاعر مُحمَد إقبال حيث الولادة في مدينة سيالكوت في ولاية البنجاب في الهند عام 1873م وفي ذكر آخر أن مولده كان عام 1877م، هو من عائلة كريمة معروفة من أوسط بيوتات البراهمة في كشمير وتنتسب الى الجنس  الآري  وكان تعليمه في مدرسة انكليزية واجتازها بدرجة الامتياز والتحق بجامعة  كامبردج  في لندن عام 1905 وحصل منها على شهادة عالية في الفلسفة وعلم الاقتصاد وبقي في لندن ثلاث سنوات يلقي محاضرات في موضوعات اسلامية أكسبته الشهرة والثقة، وقد دَرَّس مادة آداب اللغة العربية في جامعة لندن، بعدها سافر الى ألمانيا ومنح شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة  ميونخ  ثم عاد الى لندن وانتسب الى مدرسة علم الاقتصاد والسياسة وتخصص في هاتين المادتين ليعود بعدها الى بلده الهند عام 1908 ولقد كان إقبال نابغاً في الشعر وانه قد حصل على كل هذه النجاحات ولم يكن قد تجاوز من العمر  اثنين وثلاثون عاماً  وهناك عوامل كثيرة ومدارس مميزة كوّنت شخصيته، لقد طَبعَ مُحمد إقبال أول مجموعته الشعرية سنة 1924م باسم  بانك درا  وتعني  جرس القافلة  حظي باقبال كبير لم يحظ ديوان من قبله بهذا الطلب وسعة المبيعات والانتشار حتى أنه قد أعيد طبعه مرات عدة. وان رحلاته حول العالم كانت عديدة ومنها بدعوات حكومية من فرنسا واسبانيا وايطاليا والقى محاضرات في الفن الإسلامي وزار مسجد قرطبة وصلى فيه لأول مرة منذ جلاء المسلمين عنها ونظم في استذكارهم حين حكموها ثمانية قرون  فغدت صدور المؤمنين مصاحفاً … في الكون سطوراً بها القران  واثناء رجوعه من قرطبة وفي طريقه الى الهند عرّج على القدس وشارك في المؤتمر الإسلامي الشهير وقال قصيدته البديعة المؤثرة  ذوق وشوق، كما وقد جاء المؤلف في الجزء الأول على آثار الشاعر في الشعر والنثر في لغات عدة الفارسية والأردية والانكليزية والحقائق التاريخية في شعره وعن الفلسفة الذاتية في فكره وعن ديوانه الأول  صلصةُ الجرسِ وديوان اسرار إثبات الذات، ورسالة الشرق، وفي محاور العلم والعشق،
أما في الجزء الثاني فكانت البداية فيه  على أرض فلسطين  حيث حل الشاعر ضيفاً على المؤتمر الإسلامي الذي عقد في القدس عام 1931وعلى أشعاره وقصائده وهو قرب المدينة المقدسة”القدس”كما وجاء في هذا الجزء على الديوان السادس للشاعر”ضربُ الكليم”وفي قسمه الأول على”الإسلام والمسلمون”وفي الثاني”التعليم والتربية”والثالث عن”المرأة”والرابع عن”الأدب والفنون”وفي الخامس”سياسيات – المشرق والمغرب”وفي الديوان السابع تناول”رسالة الخلود”وباقسام عديدة منها، فلك القمر، فلك عطارد، ما وراء الأفلاك، كلمة الى الجيل الجديد، وفي الديوان الثامن عن ماذا تصنع الآن أمم الشرق..؟ وجاء فيه على حكمة الأنبياء، حكمة فرعون أو سياسة الطغاة، كلمة التوحيد لا إله إلا الله، وفي أسرار الشريعة، والى الأمة العربية وأخرى كثر وتطرق في أقسام الديوان التاسع والذي كان بعنوان”هدية الحجاز" على قصائد مترجمة نثراً منها”إبليس، ونصيحة بلوش عجوز لإبنه، الصورة والصور، علم البرزخ، القبر والمناجاة وصور من الغيب”، لم يغيبه المرض الذي الزمه الفراش أياماً طويلة حيث ظل لسانه يفيض بالشعر ويملي الكتب والمقالات ويقابل الاصدقاء والزوار ويحدثهم في أمور اسلامية وعلمية وهو على هذا الحال نشر مقالة مستفيضة في الرد على القومية تناقلتها الصحف وتحدث بها الناس ومن أقواله قبل وفاته – جنة لأرباب الهمم، وجنة للعباد والزّهاد، قل للمسلم الهندي، إبشر فإن في سبيل الله جنة أيضاً، وقال قبل عشر دقائق من وفاته – ليت شعري! هل تعود النغمة التي أرسلتها في القضاء، وهل تعود النفحة الحجازية، قد أظلني موتي، وحضرتني الوفاة، فليت شــعري! هل حكيم يخلفنــي؟  وقال وهو يجود بنفسه – أنا لا أخشى الموت، أنا مسلم، ومن شــأن المســلم أن يستقبل الموت مبتســماً، ولم يكن ليصمت على ما حوله من ظلم وفساد حين قال:
فإلى متى صمتي وحولي أمةٌ..
 يلهو بها السلطان والدرويش
 هذا بسبحته وذاك بسيفه
وكلاهما مما.. تَكـُّــد يعيـــش
أسلم الروح لبارئها فجر يوم 21أبريل 1938م، مات جسداً وبقيت أعماله خالدة ومنها قصيدة  النشيد الوطني  وقد صار النشيد الوطني الوحيد الذي لا تزال ترتج به الحفلات المشتركة الشعبية في الهند والقصيدة الثانية  انشودة المســلم  التي تفتتح بها اجتماعات المسلمين، وهو الذي طرح فكرة إنشاء دولة باكستان وساعده في ذلك محمد أسد وهما من أسسا جمهورية باكستان الإســلامية، بُنيَ للشاعر مُحمَــد إقبـــال ضريحــاً يليــق بــه في باكســـتان يقصده عامة الناس ومن كل الأجناس والديانات والأفكار ومنهم بالخصوص من ذوي العلم والأدب والفكر ومن مختلف الثقافات