رائد الصحافة العراقية الساخرة نوري ثابت

رائد الصحافة العراقية الساخرة نوري ثابت

كريم عبد مطلك
عندما نتصفح تاريخ الصحافة العراقية الساخرة يبرز اسم نوري ثابت واحدا من المع الصحفيين العراقيين الذين تعاملوا بالحرف الجريء من اجل الوطن والشعب حياته.
ولد نوري ثابت في السليمانية عام 1898م من اب عربي من محلة –بني سعيد- شارع الكفاح. حيث ينتهي نسبه الى قبيلة قيس العربية. وكان ضابطا في الجيش العثماني برتبة (عقيد)،

نشا نوري في السليمانية وتعلم اللغة الكردية قبل العربية فيها وعندما عاد أبوه الى بغداد أدخله المدرسة الرشيدية ثم الاعدادية الحربية التي تؤهله لحمل رتبة (ملازم ثان)... وعندما اعلنت الحرب العالمية الاولى كان نوري ثابت في الصف المنتهي من الاعدادية فمنح رتبة (ملازم ثان) قبل تخرجه وسيق الى ميدان القتال وأسهم في الحرب وجرح ثلاث مرات وظل يحمل رصاصة في يده اليمنى حتى عام 1924 عندما اخرجت بجراحة اجريت له في بغداد وقد اثرت عليه بحيث اضطرته لان يمسك القلم بشكل غير طبيعي عند الكتابة، وبعد ان وضعت الحرب اوزارها عاد الى بغداد ليعمل مدرسا في المدرسة الجعفرية ثم التفيض وكانتا اهليتين بعدها التحق بوزارة المعارف وعين مدرسا في دار المعلمين الاولية وتعهد بالحركة الكشفية فيها وعندما وجد ان الايعازات وتفاصيل التدريب ما زالت باللغة التركية اضطلع بترجمتها الى العربية وما يتم تداوله اليوم من ايعازات (يس...يم...الى الامام سر.. الى اليمين در وغيرها) كان بفضل ترجمة نوري ثابت من التركية الى العربية، وكانت الاناشيد التي تنشد في الدار وبعض مدارس بغداد باللغة التركية،ويوم تنادى الشعراء لنظم الاناشيد العربية كالشاعر الرصافي إنبرى نوري لتلحين بعضها مستفيدا من المامه بالموسيقى ومعرفته بالعزف على العود والكمان، ولم يقتصر نشاطه على ذلك بل تعداه الى كتابة المسرحيات الساخرة والمشاركة في تمثيلها على ان مهمات الاخراج والماكياج والديكور – على بساطتها- كانت بعهدته ايضا وقد ادت الانتقادات اللاذعة في مسرحياته للسلطة انذاك الى نقله الى الاعدادية المركزية مدرسا ثم مبعدا الى كركوك كمدير متوسطة فيها، وعندما اثيرت مشكلة الموصل وكان زوج اخته عبد العزيز القصاب متصرفا لها توجه نوري ثابت من بغداد الى الموصل واخذ ينبه اهلها وشبابها الى خطورة دعوى تركيا ونشط في حشد التظاهرات كما الف عدة تمثيليات قدمها في مدارس الموصل ومثل فيها وعندما نظم شاعر الموصل اسماعيل حقي فرج مدرس اللغة العربية في متوسطة الموصل نشيدا مطلعه :

لست يا موصل الا
دار عز وكرامة

قام نوري بتلحينه واخذ المتظاهرون والطلاب بانشاده وترديده.
أسماؤه المستعارة :
استخدم نوري ثابت عدة اسماء مستعارة خوفا من بطش السلطة آنذاك حيث كانت تحرم على الموظفين الكتابة في الصحف والمجلات لتضمن لنفسها تجميد الطبقة المتعلمة والمثقفة وشلها عن نشر الوعي او فضح اساليبها في الحكم، ولقد استخدم الاسم المستعار (خجه خان) في جريدة (الكرخ) التي اصدرها ملا عبود الكرخي عام 1927 وكان كتاباته فيها مجانا كما استخدم الاسم المستعار (جدوع بن دوخة) و (خادمكم المعلوم) و (أ. حبزبز) الذي تطور فيما بعد ليصبح (أ. حبزبوز).


نجاته من الموت :
تعرض نوري ثابت للموت لمرات عديدة نجا منها كلها :

1- واجه الموت عام 1904 عندما غرق في نهر دجلة عندما كان يسبح في شريعة (المربعة) واستطاع اخوه ناجي ان ينقذه بصعوبة.

2- في عام 1906 سقط من ظهر الجمل في (الاحساء) ومرت الجمال بالقرب منه ولم تطأه ونجا باعجوبة.

3- اصيب في معارك (جناق قلعة) في الحرب العالمية الاولى برصاصة في يده اليمنى استقرت فيها حتى عام 1924 عندما اجريت له جراحة لاخراجها.

4- اصيب برصاصة ايضا في معارك القفقاس.

5- وفي معركة اخرى اصيب بطعنة (حربة) حيث اخطات بطنه وجرحته في فخذه.

6- وفي استانبول سقط من ظهر الحصان فكسرت يده.

7- وفي ايلول عام 1931 وقبل ان تصدر جريدته حبزبوز بايام نجا باعجوبة من محاولة اغتيال بينما كان يحتسي الخمرة في اوتيل (ما شاء الله) في شارع الرشيد – الحيدر خانة اذ جاءه احد (شقاوات) بغداد آنذاك وكان نوري السعيد قد اغراه بقتل حبزبوز فاطلق عليه الرصاص فاخطاه واستطاع نوري ثابت الهرب من (الاوتيل) فلحق به في الشارع وظل يمطره بالرصاص فاخطاه ايضا واثناء ذلك كان احدهم جالسا عند الحلاق (محمود نديم) بجوار (الاوتيل) فترك الكرسي ومدّ راسه من باب الدكان ليرى ما حدث فاصابته رصاصة قتلته في الحال. وبعد هذا الحادث نشر حبزبوز مقالا بعنوان (على عيون عزرائيل) تحدث فيه عن المرات التي تعرض فيها للموت وعرّض بنوري السعيد في المقال ايضا.

علاقته بروفائيل بطي :

كان روفائيل بطي قد نشر مقالا في جريدته البلاد عام 1936 يحي فيه جريدة حبزبوز لمناسبة مرور خمس سنوات على صدورها جاء فيه :”دخلت الزميلة الخفيفة الروح جريدة حبزبوز الهزلية الاسبوعية في سنتها الخامسة، ومن العجيب ان لا تستطيع جريدة البلاد ان تقول كلمة اطراء في حبزبوز الكاتب الهزال اللبق حيث ولد هذا الكاتب الذكي وترعرع في جريدة البلاد فسجلت له مجلدات السنة الاولى منها اسما ذهبيا في النقد السياسي البارع والاصلاح الاجتماعي القومي، ولا تجوز شهادة الاطراء في احد الانسباء”. فكتب نوري ثابت يرد عليه في العدد (202) السنة الخامسة الصادر في 21/1/1936 قائلا”هذه الكلمة الشريفة المتواضعة التي اهداها ايانا الاستاذ روفائيل بطي لمناسبة دخولنا السنة الخامسة فوددنا ان نذكر للقراء شيئا من تاريخ حبزبوز لان حضرة الاستاذ تعرض للتاريخ بقوله :”حيث ولد هذا الكاتب في جريدة البلاد”. اجتمعت والاستاذ روفائيل بطي قبيل صدور جريدة البلاد في مجلس الاستاذ الرصافي وكنت حينذاك موظفا في وزارة المعارف ولكن هذه الوظيفة لا تمنعني من كتابة بعض المواضيع الهزلية باسماء مستعارة مثل :(جدوع بن دوخة) و (خادمكم المعلوم) وغير ذلك. فقال الاستاذ رفوائيل بطي :

- انا راح اصدر جريدة باسم”البلاد".

- موفق ان شاء الله.

- ولكنني اريد معاونتك.

- مثل ايش؟

- مقالات هزلية تحت عنوان”هزل وتفكه”

- ممنون...ولكن انا لا اكتب”ببلاش".

- يعني تريد فلوس.

- طبعا ذلك لا لأني مفلس وانما اريد ان اعطي درسا للكتاب العراقيين في ان الكاتب لا يتعب قلمه”ببلاش".

- أنا حاضر.

- أشكرك وأنا حاضر.

وهكذا اتفقت مع الاستاذ، فصدرت جريدة البلاد وهي تحمل مقالا هزليا في باب”هزل وتفكه”وكان عنوانه”كل شيء بحسابه”واخترت له اسما مستعارا”أ. حبزبز”احد الفكهين المشهورين ببغداد، وابتدات بالكتابة اعتبارا من العدد الاول الذي صدر من جريدة البلاد ببغداد يوم 25 تشرين الاول سنة 1929. وفي مقاله هذا اراد نوري ثابت ان يقول انه لم يولد ككاتب في جريدة البلاد ولا في اية جريدة اخرى فهو يكتب التمثيليات الهازلة والساخرة وعندما وصلت مقالاته الى الصحف التي كانت تصدر انذاك عام 1925 كانت شهرة نوري ثابت ككاتب واسعة كما كتب في جريدة الكرخ عام 1927 وهذا يعني انه ولد ككاتب صحفي قبل ولادة جريدة البلاد باكثر من اربع سنوات وككاتب تمثيليات ساخرة باكثر من سبع سنوات ولكن يمكن ان يقال ان نوري ثابت احترف الكتابة واخذ يتقاضى راتبا عما يكتبه في جريدة البلاد حيث انه كان يكتب في جريدة الكرخ لصاحبها عبود الكرخي مجانا.

علاقته بالجواهري :
كان الجواهري موظفا في البلاط فاعتاض من الوظيفة باصدار جريدة اسماها (الفرات) ويبدو انه هادن نوري السعيد وسياسته آنذاك فتصدى له المعارضون وفي مقدمتهم نوري ثابت والملا عبود الكرخي
حتى ان الملا عبود نظم قصيدة شعبية هجا فيها الجواهري يقول فيها :

كاسر الاكرع ودافن

وانت هم دافن وكاسر

فثارت ثائرة الجواهري وكتب مقالا في العدد (19) من جريدته (الفرات) الصادر في الثاني من حزيران عام 1930 تحت عنوان”اذا كنت كذوبا فكن ذكورا”شتم فيها نوري ثابت شتما مقذعا ولام وزارة المعارف على ايقافها نوري ثابت كواحد من مدرسيها ومربيها وكان نوري يومها مدرسا وقد جاء في المقال :”في هذا البلد زمرة من الناس اتخذوا الصحافة وسيلة لنهش الاعراض واثارة الحفائظ والاحقاد".

وقال عن وزارة المعارف فيه :”انها ليست وزارة معارف بل هي وزارة (الحباززه والقزامزه)”فغضب وزير المعارف وكان وقتها عبد الحسين الجلبي فاقام الدعوى على الجواهري، ويوم نظم الجواهري قصيدة حيّا فيها مزاحم الباجه جي مطلعها :

كيفما صورتها فلتكن

أنا عن تصويرة الناس غني

قام نوري ثابت وكان ينشر في جريدة الكرخ باسم (خجه خان) يحشد جماعة من الشعراء الفكهين فاعانوه على معارضة قصيدة الجواهري هذه بقصيدة جاء فيها :

كيفما صورتها فلتكن

انها طبخة طاه ارعن

غاية الشعر لديكم أكلة

فالفح (التشريب) ملء (اللكن)

اترك (الباجة) لا تلهج بها

ليست (الباجة) مثل (التمن)

ويشير بالباجة الى (مزاحم الباجه جي) وبالتمن الى (جعفر ابو التمن)

ثم تختم القصيدة بتبرئة نوري ثابت من المشاركة في نظمها :

أشهد الله تعالى انني

(لست من قيس ولا قيس مني)

حيث كان نوري ثابت قيسيا، فثارت ثائرة الجواهري واقام الدعوة على الملا عبود الكرخي، وعندما صدرت جريدة جبزبوز قام نوري ثابت بنشر القصيدة في احد اعداد السنة الاولى مذيلة باسم مستعار هو (مدغدغ) وظلت العلاقة بين الجواهري وحبزبوز متوترة لم تتحسن فيما بعد حتى وفاته


انوطته واوسمته :

حاز نوري ثابت على اربعة اوسمة اثناء حياته العسكرية في الجيش العثماني :

1- وسام حرب مداليه سي لاشتراكه في حروب جناق قلعة.

2- وسام ليقات مدالية سي لانه جرح مرتين.

3- وسام بشنجي رتبة مجيدي لتاليفه كتابا عن الرشاشات الروسية.

4- وسام الصليب الحديدي الالماني لقيامة بالترجمة من الفرنسية الى التركية وبالعكس.

وصيته وتركته :

يروى ان نوري ثابت قد اوصى وهو على فراش الموت قائلا :”وصيتي الى وهيب المصطاف (عديله) كل ما عندي خمس وثلاثون دينارا، ثلاثون منها لشكيب ابن اخي وخمسة دنانير الى خيرية (مربيته) وقد قال الوصية امام جمع من عائلته ولم يكتبها وقد اخذت عائلته بوصيته ونفذتها بعدها ترجل الفارس واسلم الروح ميتا على فراشه بعد ان عان من مرض السل الذي انتقل اليه عن طريق زوجته الاولى التي توفيت هي الاخرى قبله وذهب الى جوار ربه في يوم الاربعاء الثاني عشر من تشرين الاول عام 1938 م ودفن بالزاوية اليسرى من مؤخرة جامع بني سعيد ببغداد وشيدت عليه قبة لها باب لا يفتح الا للزوار ونقش على شهادة قبره المرمر :

(هذا مرقد الكاتب الهزلي الشهير الوطني الصميم المرحوم الحاج نوري ثابت صاحب (جريدة حبزبوز) ولد سنة 1316هـ وتوفي يوم الاربعاء 17شعبان 1357هـ. الى روحه الفاتحة)

نقول رحم الله هذا الانسان الكبير الذي كان علما من اعلام الصحافة العراقية الحرة الجريئة وجهبذا من جهابذتها وسننشر ملفا عن جريدته حبزبوز على صفحات شبكتنا(شبكة تواصل للأعلام الحر)وفاءا له ولجريدته وللصحافة العراقية ولقراءنا الأعزاء .