حسين الرحال وبدايات الفكر الاشتراكي في العراق

حسين الرحال وبدايات الفكر الاشتراكي في العراق

ولد الرحال عام 1902 في بغداد من والد ضابط في الجيش العثماني – دخل مدرسة اللاتين في بغداد وتعلم الفرنسية، ثم نقل والده الى استانبول – فدخل المدرسة الثانوية هناك.
ثم ارسل قبل اكمال المدرسة الثانوية الى المانيا من قبل الدولة العثمانية في اول قطار ذاهب الى المانيا بعد افتتاح خط سكة حديد بغداد عام 1916 وكان يحمل رسالة من قريبه صبيح نشأت موجهة الى توفيق الخالدي الذي كان يقيم في برلين – وبعد ان اتصل به واستقر في نفس المدينة دخل مدرسة الهندسة المسماة مدرسة،

 ويروي انه (كان متفوقا في صفه وبارزا بين زملائه التلاميذ الالمان)، وقد كانت هناك في المانيا دعوة بين العراقيين للنظام الجمهوري في العراق – وكانت فكرة الجمهورية تمثل بالنسبة للرحال بداية للتفتح على الفكر المتحرر – ثم بدأ يقرأ الصحف الالمانية التقدمية التي اطلع من خلالها على الفكر الاشتراكي – ومن ثم اندلعت الثورة الالمانية في برلين عام 1918 – التي كان (السبارتكسيون) من ورائها – وقد هزت هذه الثورة حسين الرحال بعنف.

واخذ يحاول معرفة طبيعة هذه الثورة والمبادئ التي ترتكز عليها – عرف الرحال عن كثب مجريات احداث الثورة فقد كان صدقاته من الطلبة الالمان المؤيدين للثورة يذهب قسم منهم الى مناطق الثورة – وكان الرحال يذهب بصحبتهم وكان يرى العمال بحماسهم الثوري ويشهد الجنود وهم ينتزعون شاراتهم العسكرية من مقدمات خوذهم ليستبدلوها بشارات الثورة الحمراء، وكان يستمع في هذه المناطق الى خطب قادة الثورة (روزا لوكسمبورغ ولييكنخت) ولكن كان الثوار يبعدون الطلبة عن مناطق الثورة خوفا عليهم – وكانوا يزودونهم بنشرات الثورة التي تحمل اسم (حكومة المجالس). ان اغلب هذه النشريات كانت تطبع في مناطق (بفاريا) التي سبق واعلنت فيها سلطة عمالية، وفي هنغاريا التي هي الاخرى شهدت قيام سلطة عمالية بزعامة (بلاكون).
من النشريات التي قرأها حسين الرحال انذاك كراس بعنوان (حكومة السوفيات في هنغاريا) كما قرأ جريدة (العلم الاحمر) اضافة الى الجريدة البرلينية (برلينو تاكه فلاك) وقد كانت هذه المطبوعات محملة بالافكار الاشتراكية فعكف الرحال على مطالعتها بنهم.
بعد ان اعلنت الهدنة عام 1919 خيرت الحكومة العثمانية طلابها في المانيا بين البقاء هناك واكمال دراستهم على نفقتهم الخاصة وبين العودة الى اسطانبول وقد اختار الرحال العودة قبل ان يكمل دراسته لاسباب تتعلق بصعوبة التحويل الخارجي.
الظاهر ان الرحال مع قراءته لما كتب هناك عن الفكر الاشتراكي، فانه اولا لم يفهم الاشتراكية بمفهومها العلمي وثانيا لم يكن لديه تصور واضح عن مفهوم الاشتراكية بشكل عام – لكنه كان لديه صورة باهتة عن الاشتراكية وافكار سطحية ربما عرف عن الاشتراكية انها نمط من العدل الاجتماعي – او البر بالفقراء والعطف عليهم – اي انها مسالة انسانية ليست لها اسس معينة، فالظروف غير الطبيعية التي كانت تسود المانيا اثناء الثورة والحرب لم يتح له الاطلاع بشكل دقيق على الاشتراكية، وربما لم تكن لديه تلك الامكانية الفكرية التي تتيح له استيعاب الفكرة وتتبعها بشكل سريع، ويبدو ايضا انه لم يدرسها بعمق ووفق خطة منظمة، اذ بعد ان عاد الى بغداد عام 1919 لم يظهر له في البداية نشاط واضح في بث الفكر الاشتراكي والدعاية له، كما ان من التقى معه هذه الفترة لم يفهم منه فكرة واضحة عن الاشتراكية ويؤيد ذلك قوله السيدة امينة الرحال انه(كون في المانيا صورة سطحية عن الاشتراكية).
كما يذكر السيد عبد القادر اسماعيل انه عرف الرحال وسمع احاديثه عن الفكر الاشتراكي ولكن (النظرية الماركسية لم افهمها منه، وان كل ما عنده كان اشياء سطحية، ولم يكن هناك هضم للنظرية الاشتراكية).
عاد حسين الرحال ولا تزال الصحافة العراقية والمطبوعات تكتب عن نظام روسيا بالذم تارة وبالمديح تارة اخرى، وكثير ما يحصل ان تذم الصحيفة المذهب الاشتراكي في حين يظهر مع ذلك الذم جوهر المبادئ الاشتراكية، يبرز مع الذم اهتمام الاشتراكية بالعمل والفئات الكادحة ورفع شانهم والقضاء على الفوارق الطبقية.
كتبت جريدة العراق مقالا بعنوان (نظام البلشفيك السياسي) وذكرت انها تكتب رواية شاهد عيان عاد اخيرا من روسيا، جاء في مقالها: ((عندما استلم السلطة الحزب الاشتراكي المتطرف المسمى الحزب الكوموني والبلشفيكي اعلن سلطة العمال المطلقة فصار العامل والاجير والخادم واغلبهم من الاميين والجهلة اصحاب الحال والربط في تلك البلاد العظيمة، بواب البيت صار صاحبه والمسيطرة على سكانه.. ويحكم كل قضاء ومقاطعة مجلس ينتخب من العملة والخدام واصحاب الحرف الحقيرة حسب نوع السكان..)).
وفي تعليق للجريدة على اجور العمال قالت: ((جاء المذهب الاشتراكي في العصور المتأخرة يساوي بين الناس ولا يعرف لهم تفاضلا في غير الميزات الحقيقية والخدمة العامة، فتنفس العمال الصعداء في البلاد التي اشرقت عليها من الحرية شموسا ساطعات وظللتها افياء المساواة))، وبعد ان اثنت الصحيفة على المبدأ الاشتراكي وعرفت القارئ بانه ليس هناك من تفاضل بين الناس، قارنت ذلك مع العراق بقولها: ((اما عندنا فان العمال ما زالوا حتى هذه الساعة بلا رابطة تربطهم ولا جامعة تجمعهم)).
ومن المقالات الطويلة التي كانت على شكل نقد للاشتراكية ما يتخذ شكل مناقشة البعض اسس الاشتراكية، يعطي للقارئ صورة ولو بسيطة عن الاشتراكية، فنجد مقالا للقس حنا رحماني من مدينة الموصل بعنوان: (المبادئ الاشتراكية والعقل السليم) جاء فيه: (كنا وكانت المبادئ الاشتراكية اراء يحصرها كتاب بين جلديه وافكاراً لبعض المتفننين كانت لهم نظريات خيالية.. اما اليوم وقد تأسست دولة – الدولة الروسية البلشفية على المبادئ الاشتراكية – دولة عظمى تصل الرقي الغربي الحديث الطراء بالعالم الشرقي المستيقظ من سباته الطويل، فقد صارت الاشتراكية واقعا ثابتا محسوسا وداء تخشى عدو له، وقد استولى الخوف على كل من يملك باعا من الارض او درهما من المال لان الاشتراكيين لايسلمون لاحد بحق التملك على شيء او التمتع بشيء دون غيره..)) ثم يعرف الكتاب مبدأ التملك ويعتقد ان الطبيعة هي التي اعطت الفرد هذا الحق لانها وهبته غريزة الدفاع عن النفس والنضال ضد اي خطر وعلمته ان من عوامل تقوية النفس هو التملك.
ثم يعود للمبدأ الاشتراكي فيقول: ((يزعم الاشتراكيون ان الطبيعة لا تعطي لاحد حق التملك اذا ان في البدء كانت الاشياء كلها لكل الناس لا يختص منها شيء بفرد من البشر ويقول الاشتراكيون من ان الاشياء لايمكنها ان تكون للافراد بل هي لكل منتج من ذلك ان من ينفرد بشيء منها لاستعماله الشخصي، ولملكه فكان يختلسه من الهيئة الاجتماعية، بعضهم وهم اشدهم جرأة وغيرة، يريدون بسذاجة صبيانية، ان تقسم الاشياء كلها بين الجميع على السواء وبكل ضبط ودقة مستثنين على هذا ان الجميع متساوون، رأي غيرهم امتناع قسمة كهذه، فخففوا من وطأة مبادئهم الصلبة، قالوا على الحكومة ان تقبض اثمار شغل كل فرد وهي التي تقوم باود الجميع كل حسب حاجته)).
نلاحظ ان الشعراء قد نبهوا الى مسألة الصراع بين المالكين والمعدمين وبينوا كيف يستغل القوى الضعيف في ظل الانظمة غير العادلة.. فيقول الشاعر محمد مهدي الجواهري:
ولما تزاحمت القوى وتهافتت
منها سمان عجاف
متكالبين كأن رب لغاتهم 
ما خط فيها لقطته الانصاف
لو كان في مال الغني لمعوز   حق لسادت عيشته بكفاف
حينما عاد الرحال التقى بمجموعة من الشباب التفت حوله تسمع منه ما عرفة هناك من فكر تقدمي، كان الذين يلتقون به ويسمعون منه كثيرون، لكن المجموعة الانفة الذكر استمرت على اتصال به وكونت معه حلقة لها نشاطها الثقافي المتمثل في المناقشة حول الفكر التقدمي وما يستجد حوله، وفي تبادل المطبوعات المتضمنة هذا الفكر، سواء كانت عربية ام باللغات الاجنبية والتحدث عن هذه المعلومات التي ترد بلغات اجنبية الى من يجهل تلك اللغات، هذه المجموعة اصبحت كحلقة ملتزمة بمبادئ تقدمية، بل ان بعض الباحثين من سماهم بانهم اول حلقة ماركسة في العراق، وهذه التسمية في الواقع مبالغ فيها الى حد ما.
تضم المجموعة بالاضافة الى حسين الرحال، محمود احمد السيد، مصطفى علي، عبد الله جدوع، ابراهيم القزاز، وسليم فتاح، كان الاثنين الاخيرين اقل ايمانا بالفكر الاشتراكي من بقية الجماعة، لكن اللقاءات المستمرة، كان يلتقي فيها الجميع مع تفاوت في فهم المذهب الاشتراكي والايمان به، ولكن الجدل كان يدور حول هذا المذهب،، فهناك اراء تعتقد به واخر لا ترى فيه ما تراه الاخرى، وقد كان من هؤلاء سليم فتاح، كان شخصية تقدمية علمية لكنه بعيداً عن الافكار الاشتراكية، وذلك فهو في نزاع مع الجماعة الذين يعتقدون بها، واما ابراهيم عبد الجبار فهو ذو اراء دينية وينطلق في فهمه للعدالة وفق المنظور الديني، لكن مصطفى علي وعبد الله جدوع بالاضافة الى حسين الرحال ومحمود السيد كانوا يمثلون الجماعة المؤمنة بالفكر الاشتراكي والتي دعت له وطرحت رأيها في اصلاح المجتمع وفق الحل الاشتراكي كما دخلت في جدل حرية المراة.