دعوة لجمع  رسائل الشهيد كامل شياع

دعوة لجمع رسائل الشهيد كامل شياع

صادق البلادي
جرت العادة أن نستذكر أحبّتنا يوم وفاتهم، فهو يوم غيابهم عنا، يوم اللوعة والأوجاع، يوم الحزن على الفراق دون وداع، خاصة من تتمنى أن تكون أنت بدلا منه، أن تروح أنت فدىً له، وليس أن يودعك أنت صفوُ الحياة فحسب ولا تودعه.لكن في الدنيا بعض من يأبى الرحيل، بل لا يدع للرحيل فسحة أن يأخذه معه وإليه. من هؤلاء، وهم قلة، الفقيد كامل شياع، وما في هذا ريب.

خمس سنوات تقترب على نهايتها منذ أن التقيته في برلين بشهر قبل أن يوقف القتلة من الظلاميين قلبه عن الخفقان، ويردوه بكاتم الصوت قتيلا. بضع ساعات نتبادل الحديث عن الهم الأوحد : العراق ودورالحزب المُفتقد. نقرأ معاً مقولة ماركس باقية منقوشة على مدرجات جامعة هومبولدت حتى بعد سقوط جدار برلين :”قام الفلاسفة لحد الآن بتفسير العالم تفاسير مختلفة، المطلوب تغييره»، ودون أن يهتم بالخوف من يوم القيامة التي ما كان يعتقد بها، كان يعمل أن يكون بين الساعين إلى التغيير، يريد أن ينفع الناس بعلمه، دون خشية يوم القيامة، يوم يكون العالِم الذي لم ينفع الناس بعلمه أشد الناس عذابا، حسبما قال الغزالي، منبها الغافلين من الفلاسفة والمثقفين الذين همهم تحصيل العلم دون الالتفات إلى العمل من أجل التغيير. فقد كان كامل ككل الشيوعيين  الذين انتموا للحزب وهم مدركون أن هذا الانتماء”لن يوفر مكاسب مادية أو وعودا أخروية”، كما جاء في  قرار محكمة بداءة الكرادة/ بغداد  الرقم 762/ب/2012 في 15/4/2012 وجاء وقت كان الشيوعي الذي ما زال حيا يعلم انه شهيد في إجازة. وجاهل ذاك الذي يظن أن الشيوعيين وحدهم لا يعتقدون، فالدهريون كثيرون. من أدلة ذلك كتاب السيد جمال الدين الأفغاني”في الرد على الدهريين الصادر عام 1908. وكان كامل الجادرجي، الشخصية الوطنية الديمقراطية
واحدا من أولئك، الذين كانوا لا يعتقدون.
قتلة كامل بكاتم الصوت كانوا يريدون وقف تأثيره في نقل الوعي التنويري والتعبوي في صفوف المثقفين، كانوا لا يريدونه أن يبقى أمثولة يسير آخرون مثله في الإصرار على السعي للسير على منهاجه، والتحلي ببعض من خصاله وسجاياه، والقدرة على التخلص من شراك الفساد، والبقاء نزيها في غابة الفاسدين، والسلامة من السقوط في مستنقعهم.
يظل الاستمرار في المطالبة بالكشف عن الجناة ومعاقبتهم واحدا من المهام التي أخذها على عاتقهم الذين أعلنوا عن تأسيس مرصد كامل الشياع. إضافة إلى مهمة جمع ما كتبه من مقالات عديدة في صحف و مجلات كثيرة خلال سنوات المنفى و السنوات الخمسة في عراق بعد الاحتلال وانهيار البعث الفاشي.
“كامل شياع لم يطبع كتاباً. هو نفسه، كان كتاباً متنقلاً”كما قال عنه سعدي يوسف، المناوئ للاحتلال ولما بعد الاحتلال، على طريقته. لكن آخر فعل قام به كامل كان الطواف في شارع المتنبي و شراء بعض الكتب،  التي ربما  كان يتصفح واحدا منها عندما انهالت عليه رصاصات كاتم الصوت.
نعم لقد أراد الظلاميون، أعداء الحياة، والخائفون حتى من سماع كلمة ثقافة، إسكات صوته وإخماد فكره.لقد رحل إلى عالم الخلود دون أن يمتلك حسابا مصرفيا و لا قطعة أرض، رغم قضائه السنوات الخمسة في بلد الفساد، الذي فَرَّخ المليونيرية في كل مكان. لكنه ظل حريصا على ألا تزل به قدم. استطاع القتلة أن يسكتوا صوته، وأن يوارى جسده ولكنهم لم ولن يستطيعوا أن يوقفوا أفكاره عن التأثير في تعميق الوعي وتعبئة الناس في سبيل دولة مدنية ديمقراطية،  مسالمة. كما كان هو مسالما، وكارها للسلاح، كان لا يقبل أن يتمنطق السلاح حتى للدفاع عن نفسه، التي كان يعلم أنها معرضة كل لحظة إلى الخطر. المنطق كان أداته المفضلة، و كان منفتحا على الآخرين مهما اختلفوا معه في الرأي.
كتب في بداية عودته إلى العراق من المنفى :
“أعلمُ أننِي قَدْ أكونُ هَدَفاً لِقَتلةٍ لا أعْرِفُهُمْ ولا أظُنُّهُمْ يَبغونَ ثأراً شخصياً منِّي، وَأعلمُ أننَّي أخشى بغريزتي الإنسانيّة لحظَةَ الموتِ حِينَ تَأتِي بِالطَرِيقَةِ الشَنيعةِ التي تَأتِي بِها، بِرُغمِ ذلِك كُله وبِمقدارِ ما يَتَعَلَّقُ الأمرُ بِمصيري الشخصي أَجِدُ نَفسِي مُطمَئناً عادةً لأنِني حِينَ وَطَئتُ هذا البَلَدَ الحَزينَ، سَلَّمتُ نَفسِي لِحُكمِ القَدَرِ بِقناعةٍ وَرضا».
و لكن خاب و سيخيب ما أراده القتلة. فأول كتاب لكامل صدر العام الماضي”اليوتوبيا معيارا نقديا”عن دار المدى، ترجمة سهيل نجم، ومراجعة د. صلاح نيازي، وهو ترجمة لأطروحته لنيل شهادة الماجستير في الفلسفة، وقد سبق أن ترجمتُ مقدمة الأطروحة عام 2010، بعنوان”الطوبى كنقد”ونُشرت في جريدة العالم البغدادية  يوم 7/2/2010، بمناسبة ذكرى ميلاده السادسة والخمسين، واستخدمتُ في الترجمة طوبى بدل يوتوبيا، التي ما زال الكثيرون
يميلون إليها، ولكني ترجمتها  رغم ذلك في مقدمة كامل طوبى،كما كنت أترجمها منذ زمن،  استنادا إلى أنه شخصيا اقتنع لاحقا بصواب ترجمة طوبى فاستعملها في مقالته عن إسرائيل بالقول”وإذا حصل أن انهارت هذه الدولة[إسرائيل ] في الصراع الذي أيقظ عصبيات الماضي وشحذ نزعات أصولية متزمتة من الطرفين، فستكون التجربة الطوباوية الأولى في العصر الحديث التي تنهار من الخارج. قبلها انهارت طوبى الاشتراكية السوفيتية  من الداخل رغم الدور الضاغط للعوامل الخارجية.”، كما استعملها في مقالة عن الحادي عشر من سيبتمبر”وهذا خيار عملي وطوباوي معا”. ومع الأسف لم يراع المترجم والكاتب ما أخذ به الفقيد كامل شياع نفسه لطوبى بدل يوتوبيا.
وتحل اليوم الذكرى التاسعة والخمسون لميلاد فقيدنا كامل شياع، ونريد لأفكاره أن تبقى محلقة، جاذبة إليها أناسا جددا، ومن الشباب خاصة، وما نود أن يظل صدور ترجمة الأطروحة يتيما، فثمة مساعٍ إلى جمع مقالاته المنشورة في عدد من المجلات الصادرة في العراق و في المنافي قبل الاحتلال وبعد السقوط.
ومن المعروف أن الفقيد كامل شياع إضافة إلى ما نشره في الصحف و المجلات تراسل مع كثير من أصدقائه و معارفه ورفاقه عبر الرسائل البريدية والإليكترونية
تناول فيها مختلف المواضيع  بمناسبات متباينة، وكان يكتبها بروحية  مقالاته، بعمق و بدقة، بمسؤولية المثقف العضوي، وبتواضعه، وحرام بل جريمة أن تظل تلك الرسائل حبيسة الأدراج الشخصية، أو أن تضيع و يقرضها النسيان.
ومن أجل جمعها و حفظها ومن ثم إصدارها بكتاب أناشد جميع من تراسل مع الفقيد كامل وما زال يحتفظ برسالة منه، أو يعرف أحدا يحتفظ برسالة من كامل أن يرسل إلى عنواني نسخة من الرسالة، من أجل إصدارها في كتاب، وفي هذا بعض الوفاء لفقيدنا، وشكل من أشكال التكريم.وإن خير تكريم لكامل يكون لا بالاكتفاء فقط بكلمات الرثاء التي قيلت وتقال بحقه، والإيفاء بالالتزامات التي أخذها المثقفون على أنفسهم عندما أعلنوا بيان”مرصد كامل شياع”،بل إن خير تكريم للفقيد الغالي كامل شياع هو الإصرار في السعي للسير على منهاجه، والتحلي ببعض من خصاله وسجاياه، والقدرة على التخلص من شراك الفساد، والبقاء نزيها في غابة الفاسدين، و الاستمرار في المطالبة بالكشف عن الجناة ومعاقبتهم.
ذكرى كامل ستكون في كل فعل يفعله الأخيار لبلوغ الغد الأفضل، وهذه مسيرة طويلة، لكن طولها لا يصح عليه ما قاله الجواهري من أن طول مسيرة ملل، فهي لا تثير الملل واليأس، بل تستنهض العزائم. فهذه المسيرة التي كان لكامل شوط فيها تبعث الفرح والسرور في روح الإنسان.