أمل دنقل.. وصاياه بقناع كليب

أمل دنقل.. وصاياه بقناع كليب

د. حاتم الصكَر
أخذت قصيدة مقتل كليب – الوصايا العشر لأمل دنقل بأجزائها الثلاثة المنشورة: لا تصالح، وأقوال اليمامة، ومراثي اليمامة شهرةً وشيوعا وتداولا لم تصلها أي من قصائده في مراحل تجربته التي بدأت بديوان (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) 1969.. رغم أنه عالج في تلك القصائد موضوعات مشابهة وبرؤية مماثلة تنطلق من أفق قومي تقدمي يمتزج فيه الإنساني بالوطني.

لكن القراءة الشائعة والشعبوية لقصيدة أمل دنقل (لا تصالح) تعكس هيمنة المتلقي بكونه ذاتاً جَماعية في لحظة يحكمها السياق الخارجي، لا الذات القارئة المحتكمة إلى النص أولا. وذلك يفرض على القصيدة تأويلاً وحيداً يلخصها بعنوان تحيل إليه القراءات اللاحقة، هو حذف الصلح أو التصالح كحل للصراع العربي الصهيوني، واستبدال الدم به إشارة مباشرة للحرب. مع أن أمل يستخدم الدم رمزا مضادا تبدأ به العداوة حين جعل كليب يوصي أخاه المهلهل بألا يصافح قاتليه:
كيف تنظر في يد من صافحوك../ فلا تبصر الدم../ في كل كف؟
قراءة المطابقة
إن الربط بين الهتاف (لا تُصالِحْ) المستعار مما روي أن كليب كتبه بدمه بعد مقتله، وبين الواقع العربي المتداعي والمتهاون في رد الكرامة السليبة بالهزيمة والانتكاسة، قد حصرَ القراءة في اتجاه واحد، فغدت (لا تصالح) شعاراً سياسياً يكرسه الجدل والخلاف، قبل أن يكون نداءً إنسانياً ينبه لِحقٍّ قومي كما أراده الشاعر حين تحدث عن قصيدته التي أرخ كتابة مقطعها الأول في نوفمبر تشرين الثاني 1976 ونشرها خارج مصر وتحديداً في مجلة (آفاق عربية) ببغداد قائلاً إنه”حاول تقديم حرب البسوس التي دامت أربعين عاما برؤية معاصرة.. وربما أغرت تلك (المعاصرة) بترحيل مضمون القصيدة ورموزها إلى وقائع الحاضر بطريقة القراءة التطابقية التي تبسّط النصوص، وتحل رموزها بميكانيكية تتساوى فيها تلك الرموز مع مدلولاتها الخارجية وتنحصر في أفقها.. فلا يعود للتفسيرات والقراءات الأخرى مجال أو فسحة لطرح رؤيتها. كأن تفسَّر القصيدة بصراع القيم والواقع حين رفض أهل كليب أية دية أو صلح كما تقترح الأعراف القبلية، وتجسد ذلك في صرخة أخيه الشاعر المهلهل أو الزير سالم في السيرة الهلالية الذي ردد لازمة”ذهب الصلح أو تردوا كليباً”، التي سيكررها أمل دنقل حين يقول في القصيدة:
لا تصالح /إلى أن يعود الوجود إلى دائرته الأبدية/النجوم.. لميقاتها
والطيور.. لأصواتها/ والرمال.. لذرّاتها/ والقتيل لطفلته الناظرةْ.
يؤيد ذلك قول لأمل في أحد حواراته: إن القضية ليست في أن يعود كليب حياً أو يراق من أجله الدم، بل العدل، أي كما قُتل كليب يجب أن يعود إلى الحياة مرة أخرى؛ لأن قاتله لا يملك الحق في أن يقتله.
لكن لم يظل كثير أثر لأية قراءة تناصية مقارنة تتأمل الصلة بين المرجع – قصة حرب البسوس ومفردة مقتل كليب في ثناياها – وبين النص الحديث – مقاطع القصيدة الثلاث التي نشرها أمل دنقل في ديوان مستقل بعنوان (أقوال جديدة عن حرب البسوس) وما جرى من تكييف للواقعة التاريخية لحساب تقنية القناع التي اعتمدها الشاعر في مجمل العمل وانسحب ليدع شخصيات القصة يتكلمون أو يدلون بأقوال (جديدة) عن تلك الحرب فكانوا ساردي تفاصيلها بينما هيمنت رؤية الشاعر أو وجهة نظره بالمصطلح السردي. ثم توفرت الفرصة بهذه التقنية ليستبطن الشاعر أعماق الشخصيات وصراع عواطفهم تجاه الأسرة المختصمة وواجبهم تجاه القتيل الذي أورثهم حملاً ثقيلاً حين خطَّ بدمه على التراب بجانب جثته عبارة طلبية تتركز حدتها في أسلوب النهي الذي صيغت فيه : لا تصالح.
عثر أمل دنقل على عناصر حكائية بالغة الدلالة بسرد قصة مقتل كليب في المدونات العربية القديمة المتضمنة أيام العرب ووقائعهم فاطمأن للرواية الشعبية التي تعدل كثيرا وتحذف وتضيف فلا يظل من كليب مثلا سوى صورة السيد الكريم المهيمن على مقدرات قومه والمغدور غيلة بيدي جساس أخ زوجته متناسيا ما يروى من تعاليه وطغيانه على من حوله فهو”قد عز وساد في ربيعة، فبغى بغياً شديداً، وكان هو الذي ينزلهم منازلهم ويرحّلهم، ولا ينزلون ولا يرحلون إلا بأمره ولا يجيرون أحدا إلا بإذنه”، لذا أغاظه وجود ناقة البسوس خالة جساس ترعى وأن يجير جساس خالته بغير إذنه! فأمر برميها فقام جساس بقتل كليب في مشهد حجاجي تظهر فيه غطرسة كليب التي لم ترد قراءة أمل دنقل للأحداث أن تقف عندها واكتفت بصورة البطل. هكذا ابتدأت الحرب التي ضرب العرب بطولها الأمثال فقيل إنها استمرت أربعين عاما، وتابع المهلهل الشاعر أخو كليب الطلب بثأره وبكاه راثيا لكننا لم نجد له صوتا في عمل أمل دنقل المنشور، كما لم ينجز الشاعر مأساة جليلة زوجة كليب التي تذكر المعاجم سيرتها بكونها شاعرة ذات شأن في الجاهلية حيث وجدت نفسها ممزقة بين واجب الحزن على الزوج القتيل، والسخط على الأخ القاتل، حيث طُردت وتخلى عنها ابنها وابنتها اليمامة التي كانت شديدة الحزن والغضب. لكن الشاعر لم يستطع استكمال مشروعه الشعري بسرد الأقوال الأخرى لجساس نفسه (في تبرير جريمته) كما يقول في تذييل الديوان، وشهادة جليلة وبعض الشخصيات التي تعلق على الأحداث.
لقد صادر العنف الدرامي في النص الكيفيات الفنية المتاحة والمتحققة وحجز الأنظار عن رؤية التعديلات والتكييفات التي أجراها الشاعر لإسقاط تلك المفردات على الواقع المعاصر، كما أغفلت القراءات ما أراد الشاعر إسباغه من قدسية على وصايا كليب رغم أنها وصية واحدة (لا تصالح) فأسماها في العنوان (مقتل كليب - الوصايا العشر) مستثمرا دلالات الوصايا العشر المُلزِمة في العهد القديم ثم التعديلات المسيحية عليها، لكن الوصايا العشر تتغير صياغتها في كل مقطع، أما وصايا كليب العشر فهي كما ترد في مقاطع القصيدة العشر تبدأ بالجملة الطلبية ذاتها: لا تصالح.
مآخذ ومزايا
وُجهتْ لتجربة أمل دنقل إجمالا ولنصه عن مقتل كليب بعض الملاحظات المتصلة بالمضمون والبنية الشكلية وحول ما تردد في القصيدة من تمجيد لقيم الثأر والدعوة للدم وقيم الماضي التي ربما تتناقض مع ما عرف من ثورية في أشعار أمل السابقة، لكن ثمة من يرى في تلك الصرخة تناقضا إيجابيا بتعبير الدكتور سيد البحراوي لأنها تسمح بقيام”المفارقة كقيمة فنية عالية”في شعر أمل دنقل وتكرس تمرده الذي يكون”على مستوى الفن أكثر أهمية من الثورية”.
فنيا تتضح في شعره ميزة الاهتمام بالقافية والاحتفاء بها والإلحاح عليها ما يؤدي إلى التبسيط أحياناً، ووقوعها في ما يسميه صلاح فضل”فائض الدلالة الذي يجعل معنى القصيدة واضحا.. يتكئ على فائض الإيقاع أيضاً”ويتعزز انكشاف النص وتبسيط الرؤية فيه بالإلحاح على القافية وتواليها في القصيدة - وسائر شعر أمل دنقل - رغم أن اعتماد القصيدة على المقاطع وترقيمها من 1 إلى 10 خفف من اندفاع الإيقاع وتتابع القافية، واختيار وزن المتدارك الذي يشيع إيقاعا واحداً لا تتنوع فيه التفعيلات ولا تتمدد موسيقاه لتستريح الجملة الشعرية، وبجانب ذلك انطبعت قصيدة أمل بأسلوب خاص به يستفيد من تلك المزايا ويطور الصلة بالتراث واستلهام رموزه لإسقاطها على الواقع، والاستعانة بالتقنيات الحديثة كالارتداد والتداعيات والمونتاج الشعري الذي يولف بين اللقطات دون العطف برابط نحوي مباشر، كما يكرس المفارقة والمحاكاة الساخرة من خلال الصورة ويهتم بموجهات القراءة كالعناوين ذات الدلالة والتمهيدات الافتتاحية المقتبسة من السيرة أو مدونات البسوس، و الإشارات التاريخية التي تعرّف بالشخصيات، والتذييل في آخر القصيدة لكشف استراتيجياتها حيث يصرح الشاعر بأن كليب”رمز المجد العربي القتيل أو للأرض العربية السليبة”. القصيدة تجسد صلة الشاعر بالتراث أو التاريخ على وجه التحديد كما دأب في أغلب قصائده ؛ لأنه يرى أن (استلهام التراث)”جزء مهم من تطوير القصيدة، والحفاظ على انتماء الشعب لتاريخه ولكن العودة للتراث - يحترز الشاعر - يجب ألا تعني السكن فيه بل اختراق الماضي للوصول إلى الحاضر واستشراف المستقبل”. ويعني بذلك التراث كل ما استلهمه عربيا وإغريقيا.
تلك مهمة نهضت بها نداءات كليب وحققت ما يسميه الشاعر التواصل مع الناس كناية عن الجمهور، ورفض تجاوز الواقع. وهو ما يميز رؤية أمل دنقل داخل الاصطفاف الحداثي، رغم أن ما قدمه سيُقرأ بكونه أدبا لا تاريخا في النهاية.
لم تتمدد قصيدة (لا تصالح) خارج بؤرتها المولّدة: رفض الصلح بعد ما جرى من جرائم، وما الوصايا المستعادة من الصرخة الجاهلية إلا جملة شعرية واحدة ألهبت الضمائر، ونطقت باسم المحكومين الذين للأسف ليسوا من يقرر سبل الحرب والسلم في الواقع.
لا تصالح!
لا تصالح!
..ولو منحوك الذهبْ
أترى حين أفقأ عينيكَ،
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تُشترى
... لا تصالح!
فما ذنب تلك اليمامة

لترى العش محترقا..فجأةً،
وهي تجلس فوق الرماد؟!
.... لا تصالح
ولو توجوك بتاج الإمارة
كيف تخطو على جثة ابن أبيك..؟
وكيف تصير المليك..
على أوجه البهجة المستعارة؟
كيف تنظر في يد من صافحوكَ..
فلا تبصر الدم..
في كل كف؟
إن سهما أتاني من الخلف.
سوف يجيئك من ألف خلف.
فالدم الآن صار وساما وشارة.
لا تصالح ولو توجوك بتاج الإمارة.
...... لا تصالح،
ولو قيل إن التصالحَ حيلة.
إنه الثأر
تبهت شعلته في الضلوع..
إذا ما توالت عليها الفصول..
ثم تبقى يد العار مرسومة (بأصابعها الخمس)
فوق الجباه الذليلة!
صوت وصورة رأي الناس