لم يكن معارضا سطحيا

لم يكن معارضا سطحيا

محمد بدوي
أمل دنقل شاعر سلطة.. ولكنها سلطة 'مناوئة' هو قيمة كشاعر معارضة، وقيمة في ديوان الشعر العربي.. وجزء من عمل السلطة ان تعلي من الشعراء المصريين، كأن أمل دنقل تجاوز مرحلة المواجهة والكفاح، وأصبح يضم الى كتاب الثقافة المصرية بمعناه الواسع، السلطة في كل مكان تأخذ معارضيها، تنسب نفسها لهم، وكأن ذلك نوع من الإرث..

كما ان السلطة تري ان أمل جزء من موروث التكوين الاجتماعي الثقافي المصري فلابد ان تتبناه، شاعر مصري سيضيف الى السلطة أن تحتفل به وبالذات في بحث الدولة عن تأكيد دورها في الثقافة المصرية، شاعر كبير لن تتركه حتى لو كان شاعر معارضة، بدليل ان المسألة لم تعد محصورة في الدلالة الضيقة لمعني هذا الشعر بداية من رفض الصلح مع إسرائيل رغم ان السياسة الرسمية تقوم الآن علي استراتيجية السلام، كما ان أشعاره ضد حكم الديكتاتور وضد كثير من أخلاق البرجوازية المصرية. فيكاد يكون احد القلائل الذين كتبوا ضد حكم عبدا لناصر، الى نقد مظاهر تفتت الحياة المصرية بعد 67 وهو ما نلاحظه في قصيدته (سفر ألف دال)، كما أن قصائده، ضد نفاق المجتمع (ونلحظ ذلك في قصائد ه التي يصور فيها المومس التي ذهب أخوها إلي الجبهة أو المقاتل القديم الذي فقد ساقه.
إذن أمل هو شاعر معارضة بحق، ولكنه ليس شاعر معارضة سطحيا يلتقي مع السلطة في مجمل رؤيتها للعالم مثل نزار قباني، ولكنه شاعر 'معارضة' في نقده للأسس التي قامت عليها كل أشكال السلطات، سلطات قهر الجسم البشري، مراقبة هذا الجسم، الاعتداء والعنف وهو ما نكاد نجده في كل قصائده، الشيء الوحيد الذي التقي فيه أمل مع السلطة العربية هو انه آمن بالأصل العربي لهذه السلطة كهوية وكثقافة. وهذه المفارقة بين جذرية نقده الشعري وكلاسيكية اللغة عنده وانضباطها وصرامتها الشديدة، هذه يمكن ان تكون المنطقة الوحيدة التي التقي فيها أمل مع مجمل السلطة العربية كوجهة نظر للعالم وكهوية وعناصر تقوم عليها هذه الهوية!
وجزء من واجب السلطة التي تنظم المجتمع ان تحتفي بكل كتابها حتى ولو اختلفوا معها.. والمثال الأكثر دلالة هو نجيب محفوظ المعارض للسلطة، فهو يقول بالفردية والعدالة الاجتماعية وهي قيم غير موجودة في ارث السلطة، ولذلك يصعب على السلطة ألا تحتفي بشاعر مثل أمل يكفيها أنها لم تعطه جائزة الدولة التقديرية