محمود البريكان الشاعر المتأمل الزاهد

محمود البريكان الشاعر المتأمل الزاهد

هاشم شفيق
قضى محمود البريكان (1931 - 2002)، أحد الشعراء المثاليين والأبولونيين النادرين، في حادث مؤسف وغريب، لكنه لم يعد غريباً في عراق اليوم. ذات يوم بغيض، دهم منزله صبي يمتّ له بصلة قرابة من ناحية زوجته لينتهي الشاعر الكبير ضحية سرقة لدريهمات قليلة كان يعتاش منها الشاعر القتيل. ولا أعرف لماذا كلمة الشاعر القتيل تذكرني،

 أو تحيلني مباشرة إلى الإسباني العظيم فريدريكو غارسيا لوركا، ذلك الشاعر الذي ذهب ضحية شعره وموقفه الإنساني من فاشية الجنرال فرانكو وميليشياته الدموية التي فتكتْ بالشعب الإسباني.
لم يمدح محمود البريكان المتحدّر من أسرة نجدية، الطغاةَ أو المستبدّين مثلما فعلت قافلة من شعراء العراق في مدح الطاغية. لم يقف يوماً في باب وزارة ثقافة، ليتحصّل على مكافأة ما، ولم يشترك في أيّما مهرجان شعري أو يتقدم إلى احتفالية أو تكريم ما، لتتدلى الميداليات على صدره كما يحدث مع بعض الشعراء أو ممن يتشبهون بالشعراء.
كان البريكان عزيز النفس ومن المتأملين الزاهدين عن متاع الدنيا، بل زاهداً حتى في عطاء الشعر. فلم يكن مهذاراً، غزير الإنتاج، إنما كان الشاعر سياسيَّ نفسه، يساريَّ روحه وعمقه الداخلي، منحازاً من دون شك إلى الأفق الطبقي الذي نادى به ماركس من غير أن يتحزّب أو يقع أسير الدوغمائية، تلك التي نادى بها بعضهم.
التقيت بالبريكان مرة واحدة فقط، كان اللقاء غامضاً وأسطورياً كأسطورة محمود البريكان نفسه، التقيته ذات ظهيرة من عام 1976 في البصرة. ذهبتُ أبحث عنه في مدينة الزبير البصرية، في أزقتها المتربة وبيوتها الجصّية الشبيهة بالبودرة المذرورة في سمائها الصغيرة. وبعد رحلة مضنية في صيفية لاهبة كانت درجة حرارتها تتعدى الخمسين، قيل لنا من عبر الباب الذي طرقناه أنّ البريكان تزوّج حديثاً وذهب إلى البصرة ليقيم في مركزها. لم أعدم الحيلة في البحث عنه، فذهبتُ إليه بصحبة الشاعر البوهيمي البصري، عبد الحسن الشذر، فوجدناه بعد عناء وبحث طويلين، على رغم معرفة الشذر بخفايا البصرة ودروبها العتيقة وحاناتها الكثيرة ومقاهيها الشعبية. التقينا الرجل في منزله الصغير المترع بالظلال عصراً. كشف لي هذا اللقاء عن كائن شاعري هادئ، ضامر البنية، بنظارات مظللة، تشي بطريقة حياته المنعزلة، البعيدة من صخب الدنيا، كأنها حياة لمؤلف موسيقي، أو حياة فيلسوف متأمل، حادب على الرؤى، أو كاهن مترهبن قابع في صومعته، أو لكأنه صوفي متنسك في يده نول من الأحلام، نول يدور في خَلدِه ليصنع عبره عالمه الحالم. شربنا الشاي عنده، من قوري خزفي أزرق، مع أقداح صغيرة مذهّبة، ذات صحون خزفية محزّزة بأقواس أرجوانية نُقِشتْ على أرضية بيضاء بلورية، وبجانب الشاي كعك وبقصمات.
كان البريكان دائم الترحيب بنا، سألنا، أن نسمعه بعض الشعر، تجاوزت نفسي، فقلت نسمع الشذر الذي كان يحمل قصيدة مطوية في كتاب «قوت الأرض» لأندريه جيد، الكتاب كان قد سقط غلافه الخارجي، من كثرة الدعك والتنقل بين أيدي الأصدقاء، والقصيدة خُطّتْ بخط عبد الحسن الجميل ولكنها كانت مبقعة بنقاط الشاي والمرق، القصيدة كانت في غاية الأناقة والسبك والمقدرة في مسك زمام البوصلة اللغوية، تلك القصيدة التي ستطرد الصمت الأليف من منزل البريكان الهادئ.
في تلك اللحظات البليغة، كنت متوجّساً، من فعل ما يقوم به الشذر، فهو له مثل هذه الحركات الغريبة التي صارت جزءاً من شخصيته، لكن الغريب في الأمر كان الشذر في حضرة البريكان في غاية التهذيب والهدوء، فتجنب حدوث مثل تلك الأفعال السوريالية التي يعدّها نوعاً من جنون الشعر والشاعر. وضع البريكان أسطوانة موسيقية في آلة الغرامافون وأدار الإبرة على قطعة موسيقية خلبتْ ذهني وانتزعتْ لُبابي حين سمعتها، كانت معزوفة «كارمن”لبيزيه، وكنت أسمعها للمرة الأولى، كنت وقتذاك حديث العهد بمعرفة الموسيقى على رغم ذهابي المتكرر إلى دار الفرقة السمفونية العراقية القريبة من مقهى «البرلمان”حيث كانت تجلس «الشبيبة الأدبية» في ذلك الوقت.
بعد انتهاء المقطوعة الموسيقية، سألته بضع أسئلة حول قصائد مثل «حارس الفنار”و «أسطورة السائر في نومه» و «أغنية حب من معقل المنسيين»... تمحورتْ الأسئلة حول طبيعة الكتابة ودوافعها، وطريقته في كتابة قصائد لا تشبه السائد من الشعر العربي الحديث، ثم سألته عن حقيقة كتابته قصائد كثيرة ظلّ متردداً في نشرها، فاستغرب قولي وابتسم، ثمّ نهض وغاب عنا قليلاً، ليجيء بدفتر صغير أزرق الغلاف، أوراقه قليلة، فقال: «ليس لديّ سوى هذا الدفتر»، وأضاف: «لو كانت لديّ حقاً قصائد كثيرة لسعدت بنشرها. إنها مجرد إشاعات، لكوني مقلاً وبعيداً من منابر النشر والحياة الثقافية في بغداد».
كان الشاعر عبدالرحمن طهمازي من أكثر الشعراء قرباً إلى البريكان، وهو أيضاً من خامة البريكان، إن لم يكن متأثراً بأسلوب حياته وعيشه مع الشعر والفن. كان عبدالرحمن يسعى جاهداً كلما التقى بالبريكان إلى انتزاع قصائد جديدة منه لغرض نشرها، وكان يتم له هذا، وحين تجمّعت لديه حصيلة من شعر البريكان سارع إلى إصدارها في كتاب شعري، مضفياً عليها مقدمة ناصعة وشارحة. والقصائد القليلة التي كنت قد اطلعت عليها، كانت منشورة في مجلة «الموقف»، وهي مجلة أدبية ثقافية، عراقية، صادرة في نهاية الستينات. اشتريت هذا العدد القديم من مجلة متوقفة عن الصدور لسبب واحد هو نشرها على صفحاتها الأولى قصائد لمحمود البريكان.
في نهاية السبعينات، حين قيّض لي أن أكون في بيروت، كان ملحق جريدة «النهار”اللبنانية، يقدم زاوية، عن شاعر مفضل، له مكانته وبصمته وصوته الخاص. في تلك الآونة، وعلى رغم وجود أجواء حربية، وصراع علني بين أطراف متنازعة لبنانية - لبنانية وعربية - عربية، كانت بيروت كعادتها مدينة صحافة وسهر وكتابة ونضال أيضاً. في تلك الأيام المفعمة برائحة الشعر والبارود وأغاني فيروز، قدّمتُ لملحق «النهار”الشاعر البريكان في مقتطفات قصيرة، كشاعر فريد، نسيج وحده، غرائبي البناء داخل القصيدة، وغريب الطباع ضمن نطاق حياته الخاصة، لم تكن حينذاك تصدر للشاعر القتيل أية مجموعة شعرية، أو مختارات كالتي جمعها طهمازي، أو كديوان «متاهة الفراشة» الذي صدر بعد مقتله، وهو يضم مما وجد للبريكان من قصائد منشورة هنا وهناك.
السؤال الذي ظل يراودني منذ غيابه التراجيدي: أين هي أعمال الشاعر محمود البريكان، خطاطاته، مدوّناته، آراؤه الشعرية والأدبية والثقافية؟
شعراء يمضون في الظلام، محروسون فقط بتمتمات قصائدهم، والذكريات التي يحملها عنهم محبّوهم من الشعراء والأدباء العراقيين والعرب، عبدالوهاب البياتي، بلند الحيدري، محمود البريكان، محمد سعيد الصكار، رشدي العامل، سركون بولص، شيركو بيكس، محمد علي الخفاجي، حسين عبداللطيف، مهدي محمد علي، كزار حنتوش، كمال سبتي، رعد عبدالقادر، عبد الحسن الشذر، وصولاً إلى أصغر شاعر من جيل الثمانينات هو مشرق غانم، ذلك الشاعر الجميل الذي مات وحيداً في كوبنهاغن، من دون أن يرثيه أحد أو يكتب عنه أحد، ليغيب مثل الكثيرين، مدفوناً في بلاد الثلوج، غريباً عن عالمه ومدينته.