التناص بين قصيدتي الطارق  لـ(محمود البريكان) و(الغراب) لادغار الان بو..

التناص بين قصيدتي الطارق لـ(محمود البريكان) و(الغراب) لادغار الان بو..

ياسر جاسم قاسم
يعد الشاعر البريكان من الشعراء القلائل الذين استغرقوا في عالم الموت والرحيل، وفي فضاءات الموت المترامية، بل بلغ درجة استغراقه في عالم الموت وثنائية الموت والحياة حد الامتلاء الشعري فلا مناص من العالمين وهو يفلسف عبر شعره ما يراه فيهما، فبحق عدت ثنائية الموت والحياة هي الثنائية الفلسفية المميزة لشعر الراحل البريكان، وتعد قصيدة الطارق هي القصيدة الاقوى في هذا المجال،

 حيث يتنبأ بها بموته ويترقب بها ساعة الموت هذه، الا ان القصيدة تعد محاكية وبشكل كبير لقصيدة الغراب لادغار الانبو.. وسأحاول في هذه الدراسة ان ابين جوانب المحكاة والتناص بين قصيدة الطارق الفلسفية للبريكان وقصيدة الغراب لادغار الانبو التي سبقة قصيدة الطارق كثيرا.....
 يقول البريكان في قصيدة الطارق لتي يترقب بها ساعة موته:
على الباب نقر خفيف
على الباب نقر بصوت خفيض ولكن شديد الوضوح
يعاود ليلا اراقبه اتوقعه ليلة بعد ليلة
اصيخ اليه بايقاعه المتماثل
يعلو قليلا قليلا
ويخفت
افتح بابي
وليس هناك احد
من الطارق المتخفي؟ترى؟
شبح عائد من ظلام المقابر؟
ضحية ماض مضى وحياة خلت
انت تطلب الثار؟
روح على الافق هائمة ارهقتها جريمتها
اقبلت تنشد الصفح والمغفرة؟
رسول من الغيب يحمل لي دعوة غامضة
ومهرا لاجل الرحيل؟
فالباب يمثل في القصيدة العتبة الاولى لنفاذ الموت الذي يستهدف الغاء وجود الشاعر.وفي هذه القصيدة يحاكي البريكان قصيدة الغراب لادغار الانبو التي يقول فيها :/
منتصف الليل الكئيب،مرةاذ كنت ارنو مرهقا
وضجرا
الى كتاب حكمة منسية غريب
مرجحا رأسي وشبه نائم فاجأني صوت خفيف
كما لو ان واحدا يقرع في وداع، يقرع باب حجرتي
تمتمت هذا زائر يقرع باب حجرتي
لا شيء غير هذا..لا،ليس شيء اخر
اه لاذكرن جيدا فقد حدث هذا في دسمبر يجمد الدماء
في العروق
تحفر كل جدوة ظلا على الارض لها وهي تموت
وكم تمنيت بان ياتي الصباح،ذاك اني عبثا
ودونما جدوى سألت كتبي نهاية لحزني..حزني لفقدي
ليونور
الغادة الفريدة المشعة التي يسميها الملاك ليونور
تلك التي لا احد بعد يسميها هاهنا
كان تموّج الستار الارجواني الحزين والحريري المريب
يرجفني،يملأني ذعرا غريبا
بحيث قمت واقفا،مهدئا وجيب قلبي وانا مردد
((ملتمس هذا امام باب حجرتي
ملتمس أبطأ في المجيء،عند باب حجرتي
هذا فقط وليس شيء اخر))
في الحال عادت قوتي،ودونما تردد رأيتني أقول:
((سيدتي او سيدي،عفوك لكن
كنت انام،جئت انت قارعا بلطف
قرعت قرعا خافتا،قرعت باب حجرتي
فكدت لا اسمع شيئا غير انني فتحت الباب مشرعا:
الظلمات!ليس شيء اخر!
بقيت وقتا وانا مندهش وخائف،فيما اراقب الظلام
مرتبكا،احلم احلامي التي لم يرها من قبل راء
ما من علامة ولا اي ضجيج جاء من قلب الظلام
كلمة واحدة مهموسة:لينور
انا همستها وردد الصدى:لينور
هذا فقط! وليس شيئ اخر
وعدت نحو مخدعي مضطرم النفس اضطراما
ثانية،سمعت قرعا كان اقوى منه قبل
((لا ريب –قلت-انه شيء على نافذتي
فلانظرن من هناك اكشفن السر هذا
وليهدأن وجيب قلبي لحظة وليكشفن السر هذا
الريح ثم!ليس شيء اخر!
اشرعت شباكي فاذ يدخل دون خجل وفي ضجيج
منه غراب ذو جلال،لائق بغابر الاعياد
لا لم يحي، لم يقف،لم يتردد لحظة
بل حط شامخا باعلى باب حجرتي
حط على تمثال بالاس تماما فوق باب حجرتي
حط استقر ليس شيء اخر!
اذ ذاك احلامي سلاها همها طير الابانوس
وهيئة عبوس كان يكتسيها
قلت له:  ((وان يكن عرفك دون ريش زينة
فما انت جبان
ياذا الغراب الشبحي الهرم القاتم والتائه في بعد
بعيد عن سواحل الظلام
قل لي ترى ما اسمك هذا المولوي في سواحل الظلام))
قال الغراب((نيفيمور))
عجبت كيف كان يصغي الطائر الكريه لي بغاية اللباقة
وان يكن جوابه يفتقد المعنى،العلاقة
لانه،فلنعترف،ما كائن حي من الناس  راى
يوما غرابا مستقرا فوق باب حجرته
ويحمل اسم: نيفيمور
لكنما الغراب باقيا على التمثال ما قال سوى
كلمة وحيدة كانما ضمنها جماع روحه
ما قال غيرها،وما حرك ريشه
حتى همست، ((اصدقاء اخرون قبله طاروا
وهو غدا يتركني كما مضت جميع امالي من قبل))
فقال الطير فورا: ((نيفيمور))
قلت وقد ارعبني ان يقطع الصمت جواب مفحم كذلك
الجواب:
((لا ريب هذا كل معجم الغراب،كل ما لديه
لقنه اياه شيخ بائس طارده قدره
القاسي الى ان اصبحت كل اغانيه بلازمة وحيدة
كل اناشيد امانيه الجنازية صارت تشمل
اللازمة الحزينة التي تقول:
((نيفه،نيفيمور))
ومرة اخرى الغراب،مذهلا روحي الحزينة
سرعان ما اتخذت مقعدا ازاءه ازاء الباب والتمثال
ورحت بعدما استويت جالسا
اربط رؤيا برؤى مفكرا ما الطائر المشؤوم هذا،
الطائر الغابر والمهزول والعبوس يعني وهو
ينعب:  ((نيفيمور))
هذا الذي حاولت ان اعرفه،مراقبا من دون ما كلام
الطائر الذي مضت عيناه يحرق اللهيب فيهما صميم
روحي
هذا الذي كنت احاول اكتشافه وراسي مسند
الى وسادات من المخمل حيث الق المصباح ينساب
ولن تحفره هامته،اه،واه، نيفيمور!
حيث بدا الهواء تتكثف العطور فيه من مبخرة خفية
تهزها ملائك تكاد رجلاها تلامسان صفحة البساط
صرخت:  ((ايها التعيس متع النفس! فها يمنحك الله استراحة
تحملها الملائك-استراحة كانها شراب سلوان
لذكرى ليونور
اكرع اذن شراب سلوانك هذا وانس لينور الفقيدة
قال الغراب:  ((نيفيمور))
فقلت : ((يا هذا النبي!ايها الشرير!طيرا كنت ام ابليس ام نبيا!
ارسلك الشيطان ام قاءتك ريح العاصفة
مكتئبا،لكن عنيدا،فوق هذا القفر المسحور
في منزلي المسكون بالرعب،رجاء قل حقيقة وأصدقني
الخبر:
هل ثم عطر في يهوذا؟قل رجاء قل واصدقني الخبر
قال الغراب:نيفيمور
كررت: يا هذا النبي ايها الشرير طيرا كنت او ابليس او نبيا
بحق هذه السماء فوقنا!بحق رب واحد نعبده انا وانت!
قل لي، لروح يسحق الحزن حشاها،هل هناك في النعيم الابعد
هل استطيع ان اضم الغادة القديسة التي يسميها الملاك ليونور
اعانق الطاهرة المشعة التي يسميها الملاك ليونور
قال الغراب: ((نيفيمور))
لتك هذه بيننا كلمة اخيرة،يا ايها الطائر او يا ايها الشيطان
صحت فجأة
ارجع الى العاصفة ارجع نحو ساحل الظلام
لاتنس في هذا المكان ريشة سوداء من ريشك ذكرى
كذبة قهت بها
دعني لوحدتي وغادر ذلك التمثال فوق باب حجرتي
انتزع المنقار من قلبي ابتعد عن باب حجرتي
قال الغراب نيفيمور
مذ ذاك ما زال الغراب جاثما على الدوام جاثما دون حراك
ما فوق تمثال لبالاس باعلى باب حجرتي
عيناه عينان لشيطان اذا ما يحلم
وضوء مصباحي على الارض يمد ظله الظليل
لكن روحي خارج الدائرة التي طفت من ظله الظليل
لا لن تعود،نيفيمور!
هنالك فرق  بين القصيدتين يكمن في
طول قصيدة الغراب لادغار الانبو وكثافة المعنى في قصيدة الطارق للبريكان
وتشترك القصيدتان في عدد من المفردات ذات الدلالات الواحدة ومنها: خفيف،نقر وقرع،فتحت الباب،افتح بابي... وهكذا
اما التشابه والتناص فيكمن في المقاطع التالية:
أ‌-     يقول ادغار الانبو)) فاجأني صوت خفيف،كما لو ان واحدا يقرع في وداعة،يقرع باب حجرتي))،اما البريكان فيقول: ((على الباب نقر خفيف، على الباب نقر بصوت خفيض شديد الوضوح)) حيث يتبين ان قرع باب الحجرة وقع في القصيدتين وبصوت خفيض.
ب‌-    يقول الانبو((بقيت وقتا وانا مندهش وخائف،فيما اراقب الظلام مرتبكا،احلم احلامي التي لم يرها من قبل راء، الى ان يقول وعدت نحو مخدعي مضطرم النفس اضطراما،ثانية سمعت قرعا كان اقوى منه قبل)) اما البريكان فيقول((يعاود ليلا اراقبه اتوقعه ليلة بعد ليلة اصيخ اليه بايقاعه المتماثل يعلو قليلا قليلا)) ويتبين من هذين المقطعين ان الشاعرين يترقبان الزائر هذا وصوت القرع يعلو لدى البريكان شيئا فشيئا اما لدى الانبو فهو سمع صوتا كان اقوى منه قبل.
ت‌-    يقول الانبو((فكدت لا اسمع شيئا غير انني فتحت الباب مشرعا:الظلمات ليس شيء اخر)) والبريكان يقول((افتح بابي وليس هناك احد)) ففي كلتا الحالتين لا يوجد شخص في الباب.
ث‌-    يقول الانبو ((ما من علامة ولا اي ضجيج جاء من قلب الظلام)) متكلما عن الطارق للباب ويقول البريكان ((شبح عائد من ظلام المقابر؟)) فكلا  الشاعرين يعتبران القادم جاء من قلب الظلام وظلام المقابر.
ج‌-    التساؤلات التي يثيرها الانبو في قصيدته الغراب((فقلت يا هذا النبي ايها الشرير طيرا كنت ام ابليس ام نبيا ارسلك الشيطان ام قادتك ريح العاصفة...)) فهو يسال عن ماهية هذا الطير وشخصه ومن اين جاء اي عن هويته وكذلك البريكان يحاكي المقطع هذا بقوله: ((من الطارق المتخفي؟ترى؟ شبح عائد من ظلام المقابر.ضحية ماض مضى وحياة خلت؟انت تطلب الثأر))فهو يسال عن هويته ايضا.
ح‌-    واخيرا يقول الانبو((لكن روحي خارج الدائرة التي طفت من ظله الظليل لا لن تعود،نيفيمور)) مشيرا بذلك الى عدم امكانية عودته للحياة وانتقاله الى العالم الاخر اما البريكان فيقول((رسول من الغيب يحمل لي دعوة غامضة ومهرا لاجل الرحيل))وهو بذلك ايضا يبين انتقالته للعالم الاخر ورحيله.وهذا التناص ليس الوحيد لدى البريكان ففي قصيدة حارس الفنار يقول
في أعمق الساعات صمتا، حين ينكسر الصباح  ونيتشة يقول:
 ((في أعمق الساعات صمتا كنت أتأمل صورة الارض)). فالتناص واضح جدا بين الصورتين. ويكرر التناص في قصيدة”سدم تكوينات عوالم”
من يبتسم في المراة
في اعمق ساعات الحزن؟
الاموات.(فهنا: اعمق الساعات حزنا) فقط ابدل صمتا بحزن.


من كتاب”المنحى الفلسفي في شعر
 محمود البريكان”ياسر جاسم قاسم