شعر البريكان : أقاويل الجملة الشعرية وتأويلها

شعر البريكان : أقاويل الجملة الشعرية وتأويلها

شعر البريكان : أقاويل الجملة الشعرية وتأويلها
من بين منجزات الحداثة غير المنظورة، أو المحتسبة إيجاباً لها، إعادتها هيبة علامات الترقيم داخل الملفوظ الشعري، وإستثمارها لوصل الملفوظ ببعضه من جهة، وبالمغيّب أو المسكوت عنه خارج النص، من جهة أخرى.

إذ لم يكن لهذه العلامات قبل التحديث الشعري الذي بدأ بشعر الرواد – النصف الثاني من أربعينيات قرننا تحديداً – أي وجود. فقد إختصت بالنثر، وهمست شعرياً لصالح سياق القصيدة البيتي. أي المنبني على أساس وحدة البيت واستقلاله. فليس من مكان لوقف أو استفهام أو تفصيل أو فاصل صمت أو تعجب. إلا ضمن وقفة البيت العروضية والتقفوية التي جلبت معها – لتقوية كيانها البيتي المستقل – وقفة معنوية. بمعنى أن جرس القافية إيذان بانتهاء وحدة شعرية مستقلة وزناً وإيقاعاً ومعنى. وما يظل من تدوير أو ترابط في بعض التصنيفات الموسيقية التقليدية ليس إلا خطأ فادحاً يدل على عجز الشاعر أو غفلته أو خروجه على المألوف، لما يمثله اعتداؤه على استقلالية بنية البيت الشعري من تجاوز للذائقة. وهي ذائقة تكونت في ظل حاضنة شفاهية، كان مبرراً تماماً وفق نظامها السمعي على مستوى التلقي، والألقائي على مستوى الإرسال والبث، أن تحتاج لما يسوّر وحدة البيت ويصونها كي يصبح استيعاب المعنى والألفاظ ممكناً، ومتفقاً مع الوظيفة العضوية لعاملي الأرسال والأستقبال (اللسان – والأذن).

وبهبوب رياح التحديث، تغير موقع المتلفظ والمتلقي معاً، وصار للعين مسرح ضاج حافل بالموجودات المكتوبة على سطح الورق. وكان الأمتداد المعنوي بسبب سعة الدلالة ولا نسقيتها ومفاجأة القصيدة النامية بلا نظام صارم، يفيض عن وحدة البيت، ليقترح بناءً سطرياً جديداً، يتطور لاحقاً إلى الجملة الشعرية بنوعيها : الكبرى ذات الهيمنة على البناء والدلالة والأيقاع والتركيب، والصغرى ذات الوجود الفرعي الخادم لوجود الجملة الكبرى، والمتنوع على وحدتها، والمتعدد على مركزيتها أو بؤرتها المولّدة.
بهذا التراتب التاريخي الذي هو حصيلة تطور نوعي لا زمني، وناتج عن وعي لا تقليد أو وراثة، صار للشكل الشعري ثلاثة تشكلات رئيسة تتدرج كالآتي :
ما قبل الحداثة  –  الحداثة الأولى  –  ما بعدها
بيت مستقل         سطر شعري     جملة شعرية : أ – كبرى  ب – صغرى
وصار لزاماً على القارئ المتعين كتابة لا مشافهة، أن يجدد لا ذائقته حسب، بل ذخيرته النصية. فيهجم على النصوص لأحتوائها واستيعابها بما يجهز به نفسه في عدة كتابية تناسب السطح الذي تطالعه عليه القصيدة. صار على هذا القارئ البصري أن يتأمل دلالات علامات الترقيم وأن يجدد نظرته إلى التقفية والتكرار، والمطالع والخواتم وما بينها، ليتسع أفقه كي يلتهم أبعاد النص ويتمثلها قراءة وفحصاً وإدراكاً.
وإذا كانت هذه المقدمة ضرورية لتحديد نقطة النظر إلى شعر البريكان ضمن سياق الحداثة التي ينتمي اليها في ذاكرة الشعر العراقي وخارطته، فإن شعر محمود البريكان – وهذه مناسبة ثانية – هو شعر قراءة بصرية لا مشافهة وسماع. وعلى هذا الأساس سوف نتفحص عنايته بتوزيع الأسطر الشعرية لصالح الجملة الكبرى وتفريعاتها الصغرى، ولكي لا نفترض التقاويل والتلفظات سنعمد إلى مسودة إحدى قصائده (غياب الشاشة) 1990- ونتأملها بخطّه لنرى وعيه بالمكتوب ومادية الورقة وصلتها بالعبارة الشعرية.
ما يتيحه (غياب الشاشة) إذن هو اتصال بصري بنص حديث لنرى قصائده وحبائله وملاحظاته ونكته وحكمته ونزقه.. لنرى وجوده كله مختبئاً وراء الصوغ الشعري المتقدم في جمل حية ذات فواصل ونهايات ومتن وبدايات واعتراضات واستطالات وقَطْعٍ بالغ الحدة، واستئناف غريب المبتدأ.. غريب المنتهى.. غريب المسار.
في قصيدة (غياب الشاشة) لمحمود البريكان، يطالعنا الوجه السطحي المقروء للنص، أو هيئته الخطّية بثلاثة مقاطع تفصل بينها نقطتان سوداوان أراهما الشاعر علامتين على الأنتقال من المقطع الأول إلى الثاني ومن الثاني إلى الثالث. وهذا البناء المقطعي بعض أقاويل التحديث وفذلكاته سواء أجاء كما في هذه القصيدة من دون ترقيم، أم جاء مرقماً بارقام أو مسلسلاً باحرف وما شابه. وليس البناء المقطعي هنا عبثياً. إن النقطة السوداء تعلن نهاية حركة وموقف يشملها المقطع، وتمهد لحركة وموقف يليانه، ولا بد أنهما متغايران على مستوى التركيب والدلالة. وهذا ما حققته قصيدة البريكان. فقد كان مقطعها الثاني تثبيتياً يقدم مشهداً حاضراً. بينما كان الأول ينقض كآلة تصوير على كِسْرةٍ مشهدية ليرينا المكان أو مسرح الأحداث بجملة صغرى تمتد على خمسة اسطر، ثم يذهب إلى الماضي مسترجعاً ماضي القاعة كلها من خلال الشاشة (التي كانت.. وسط هذا الجدار). أما المقطع الثالث فهو استعادة لفراغ الشاشة من المعروضات والخروج إلى الدلالة الصريحة (انطوى مهرجان الحياة).
على هذا الأساس تنقسم القصيدة إلى ثلاثة مقاطع ظاهرياً. لكن تقنية جملها الشعرية التي لا تلتزم بحدود السطر الشعري ترينا وجود أربعة انتظامات مقطعية واضحة التباين هي :
1-   مقطع المكان – مسرح الأحداث والأستلهامات الشعورية وتجليات البؤرة الأولية ويبدأ من (مخزن ألأمتعة) إلى (كغبار).
2-   مقطع الحضور الغيابي أي استحضار الشاشة الغائبة الآن، لتحوّل القاعة السينمائية إلى مخزن عاديات قديمة. (ها هنا كانت الشاشة الساطعة) إلى (والدموع).
3-   مقطع تثبيتي يهدف إلى تكريس مقطع المكان، لكنه يتنوع على فراغ فلسفي أو وجودي (للمكان روحه الصامتة) إلى (متعلقة بالجدار).
4-   مقطع السؤال المصيري الذي يبدأ دلالة من السطر الخامس (من يرى يتذكر؟).. إلى حين (تضاء المصابيح ثانية). فالشاعر قدّم اللحظة على السؤال بنائياً.
إن المقاطع الأربعة المستنبطة بالقراءة الثانية المدققة بالعلاقات والأرتباطات وكذلك بالأنقطاعات والفصل البنائي والدلالي، تجسد كلها ثنائية (الماضي / الحاضر) التي هيمنت على النص كله. وسنرى أن الجملة الشعرية الكبرى وتفريعاتها موظفة هي الأخرى لتجسيد دلالات هذه الثنائية التي بهظت روح الشاعر ووجوده حتى جعلته يتخلى عن حيادية التصوير التي عرف بها وخروجه من المشهد الشعري وتغييب الأنا – أنا الشاعر – لصالح أنا النص ووجوده، وهي اسلوبية خاصة بالبريكان لازمت تعبيراته الشعرية منذ البدء. فدوماً هناك راو أو سارد أو مصور مختلف وراء الروي والسرد والتصوير. إنه يعرض علينا ما يراه سينمائياً دون تعليق. وهذه الميزة جعلت البريكان متناسق الأداة والهدف في هذا النص، مجافياً – كعادته – أية غنائية من لوازمها هيمنة الذات وعائدية الضمائر والأطفال لها.
لكنه في هذه القصيدة بالذات يتخلّى عن حياديته في الأسطر الشعرية الثلاثة الأخيرة حين تساءل خارج سياق الشاشة ووجوهها المضيئة ومشاهديها، عن الناس هل غادروا (أحلامهم) لا مكان العرض وحده.. وفسّر ذلك بالسؤال أيضاً عن تلاشي مهرجان الحياة كتلاشي الظلال على شاشة خالية. وكأنه جاء بالمعادل الرمزي المساوي لخلو الشاشة وفراغ القاعة فصار :
تلاشي ظلال الشاشة الخالية = انطواء مهرجان الحياة ومغادرة الناس..
إن هذا البوح الدلالي ربما أضرّ بإيقاع النص المعتمد على حيادية إيهامية. فالشاعر لا يقف محايداً إزاء الحياة والموت، إمتلاء الشاشة وفراغ القاعة. لكنه اكتفى بالتستر وراء الموتيفات الذكية الحزينة والجارحة، الحادة بفعل التذكّر ويقظة الذاكرة. أما النهاية فقد جاءت اقتحامية إقحامية. هجم الشاعر على المشهد وسأل سؤاله الحاد فأقحم وعيه في صمت الأشياء وغبارها ورمادها.

تعرفنا حتى الآن على ثنائية وثلاثة مقاطع ظاهرية وأربعة مقاطع دلالية. ونصل عند هذه النقطة إلى التعرف على الجمل الشعرية، لنجد أن العنوان (غياب الشاشة) هو من النوع المباشر المعبر عن المحتوى. إنه عنوان استباقي أي أنه يحكي ما سيجري ويرشدنا إلى بؤرة الحدث فكل ما سنقرأ هو عن (غياب الشاشة). وجمل النص الأخرى هي تفريعات تنويعية لهذا الغياب. إن الشاشة ذات وجود محيّر. فظلامها انتهاء، وضوؤها إعلان عن بدئها وحياتها. لكنها لا تضيء إلا وسط ظلام القاعة. إن الظلام المطبق إشارة إلى بدء توهج الشاشة، فهل أراد البريكان باستحضار هذه الثنائية أن يذكّرنا بخروج الحياة من العدم أو لزوم العدم لوجود الحياة وأنبثاقها؟
لقد تسبب هذا الأزدواج بأزدواج دلالي محيّر. فالشاعر يعدّ الفراغ التالي لأنتهاء العرض مساوياً للأضاءة التي تعني النهاية. فخروج المشاهد مقترن بالضوء الذي ينتزعه من تماهيه بالمرئيات على الشاشة. فتحقق على مستوى الترميز شيء مزدوج هو :
– إضاءة القاعة = فراغ الشاشة + غيابها
بمقابل – عتمة القاعة = امتلاء الشاشة + حضورها
يترتب على ذلك سؤال يتصل بالتلقي : أيكون غياب الشاشة وفراغها بالضوء مساوياً لغبار القاعة وتحولها إلى رماد من الذكريات والأشياء العادية؟
إن الجمل الشعرية التالية للعنوان كلها تجيب على هذا السؤال وتكرس الثنائية الكبرى أعني ثنائية الماضي / الحاضر أو الحياة / الموت أو الحضور / الغياب.
تعرفنا هنا على ثنائية كبرى إذن وتنويعاتها الداخلية الثانوية. كما تعرفنا على جملة كبرى يلخصها العنوان وتشتغل القصيدة كلها من أجل تكريسها منذ السطر الأول حتى علامة الأستفهام التي ختمت السطر الأخير من القصيدة. وصار المخطط التجريدي للنص واضحاً بتعيين الجمل الصغرى وهي بالتتابع :
– جملة (مخزن الأمتعة ….)
– جملة (للمكان روحه الصامته …)
– جملة (ها هنا كانت الشاشة الساطعة)
– جملة (من ترى يتذكّر؟ لحظة تتصاعد …)
– جملة (الختام – السؤال الذاتي الإقحامي : وهل غادر الناس.. وانتهوا وانطوى مهرجان الحياة؟)
تتخلها كلها وتخترقها وتعلوها جملة النص الكبرى (= جملة العنوان) : غياب الشاشة.
إن البناء الجملي الحقيقي (= النحوي) مؤسس على الإسمية. فالجمل لدى البريكان اسمية أي أنه يتخذ هيئة المخبر عن الأشياء لا الفاعل. وهذا يناسب مقام الدلالة. فالتلفظ  بالإخبار يوافق تماماً موضع الشاعر كسارد للنهاية : نهاية الشاشة والقاعة والحياة والماضي. هنا لن تقوم الأطفال إلا بدور ثانوي. لذا نجدها مكملات لا أساسيات. أي أنها تستخدم لصوغ الخبر أو الحال أو الصفة لا لتترأس الصياغة وتقدمها لبناء الحدث.
حتى البناء الجملي الفعلي ياتي ناقصاً أي بالفعل (كان). أما البناء الفعلي التام فهو تابع للأسم مثل :
1-    الشعاع الذي يتراقص ….
يموج … ( صلة الموصول + خبر )
2-       السكون
وحده يتنفس ( خبر )
3-    الكائنات الخفية تكمن [ صلة الموصول ]
4-   المهود التي صدئت [ صلة الموصول ]
5-   لحظة تتصاعد …
حين تشع..
حين تضاء [ إضافة للزمن – تكملة للحظة والحين ]
6-    من ترى يتذكر [ خبر ]
7-  التي أئتلقت – التي شاهدت [ صلة الموصول]
 8-  هل غادر … [ تابع للسؤال ]وانطوى.. [ تابع للسؤال ]كما تتلاشى.. [ تابع للسؤال – تكملة بالوصف – التشبيه ]   إضافة إلى المطلع (الأثاث القديم يتنفس فيه السكون / يتساقط) [ خبر ]إننا لن نجد بناءً فعلياً عدا هذه المواضع العشرة التي يمكن اختزالها إلى وظائف محددة هي :
1-  الإخبار  2- صلة الموصول  3- تعلق بالزمن  4- بناء الأستفهام  5- التشبيه.
إن الشاعر ليس معنياً بالحدث وكيفية ما حدث بل الإخبار عمّا حدث، والتفلسف حول مغزى هذا الحدث، لذا جاءت الجمل الأسمية ذات هيمنة مطلقة على الجمل الشعرية كبراها وصغراها. وكان تصوير المكان والماضي والحاضر بالمفردات التي تبدو متناثرة منفصلة لا يجمعها إلا مونتاج شعري ذكي، يسهم بربط مفرداته قارئ ذو خبرة سينمائية. لعله أحد الخارجين إلى النور من عتمة القاعة نفسها، والعائدين اليها للسؤال عن مصير الشعر.
إذا شئنا تسمية الجمل الصغرى فسنجدها في:
1-مقطع المكان – مسرح الأحداث والإستلهامات الشعورية وتجليات البؤرة الأولية. ويبدأ من (مخزن الأمتعة..) إلى (كغبار).
2-    ها هنا كانت الشاشة.. والدموع
3-   للمكان روحه … متعلقة بالجدار
4-   من ترى يتذكر؟ لحظة تتصاعد وشوشة الناس..
5-   وهل غادر الناس … على شاشة خالية.
إننا لا نحفل بطول الجمل لتعيين موقعها في النص – فجملة (غياب الشاشة) ليست جملة نحوية فهي مصدر ومضاف اليه. لكن تقدير الحذف : هذا غياب الشاشة. أو المروي هنا غياب الشاشة. أو لماذا غياب الشاشة؟ يجعلنا نعطيها صفة جملة. بل نجعلها جملة النص الكبرى. ولهذا لم يكن الشاعر محتفياً بالبناء الجملي الداخلي بل يتجاوز وقفات العروض والقوافي والدلالة والتركيب، ليصنع جُمله ُ من عبارة واحدة أو كلمة واحدة أحياناً :
كغبار
والدموع
السكون
بينما يحشد أكثر من جملة نحوية في سطر شعري واحد يفصلهما عامداً بنقطة (= علامة الأنتهاء).
المهود التي صدئت ْ. السرّة ذات النقوش
ولتعمّد الفصل في غير مكانه النحوي يلجأ الشاعر إلى وسيلتين : 1- العطف الجملي بلا عاطف نحوي 2- الأنتهاء بالنقطة ثم ترك بياض أو فراغ قبل استئناف جملة جديدة. وإذا ما تأملنا مفردات السطر أعطينا الشاعر الحق في هذا الفصل. فالكلمة الأولى في السطر (المهود) ستؤول دلالياً بعد الكبر والزواج إلى (الأسرّة). وذلك يلزم صمتاً مكانياً يهيء للأنتقالة الدلالية. فما بين صدأ المهود ونقش الأسرّة عمر نكبر به ونجتاز المسافة من المهد إلى السرير بمتعة، سنرى أنها كاذبة حين يتساوى المهد والسرير في أرضية قاعة باهتة الروائح، مظلمة، فارغة.
إن الأختزال الرائع للعمر بـ (المهود التي..) و (الأسرّة ذات) إنما يعتمد على مشاركة القارئ وسياق الدلالة المشترك. فالسرير مكان جنسي ورمز المضاجعة والنوم المشترك مع الزوجة أو المرأة عامة. أما المهود فهي حاضنة البراءة والنوم المحايد غير الموظف لمتعة.
ولنتأمل سطراً آخر يراكم مفردات المخزن المهجور الذي كان قاعة عرض صاخبة تضج بالوجوه والسفن والنساء والكنوز والبيوت والفرسان.

الأواني – المعاطف – الأغطية
أن هذه الموتيفات الثلاثة غير متشابهة رغم أن الشاعر وضع نقطة لبنها ليباعدها. فالأواني غريزية – طعامية. والمعاطف تدثرية طقسية، والأغطية : تدثرية سريرية. لكنها تشترك في انسانيتها أولاً وكونها جموعاً تدل على ممارسة الحياة من خلالها.
النقطة إذن فاصل داخل السطر كما هي خاتمة في نهايته.
أما النقاط الثلاث التي تلي إضاءة المصابيح فلها دور امتدادي. إنها تقول للقاريء أن ثمة حدثاً سيجري. يخرج الناس من الأحلام والمتعة. من العدم المريح والتذكر لينغمسوا في التعب اليومي، لذا صاغها الشاعر خطياً هكذا :
حين تضاء المصابيح ثانية..
أما الأقواس التي تؤطر كلمة (النهاية) فهي استخدام حداثوي أيضاً. تلاعب الشاعر بكلمة النهاية فقوّسها ليصور ظهورها المكاني على الشاشة إيذاناً بانتهاء الفيلم المعروض ثم ليمزج ذلك بنهايتين : 1- نهاية النص نفسه 2- نهاية الحياة. وهما متولدتان من نهاية الفيلم التي تحملها حروف كلمة (النهاية). وعلى المستوى الإيقاعي دوّر الشاعر الأسطر الثلاثة ليصل إلى النهاية. لأن قراءة كلمة (حروف) دون إضافة إلى النهاية يوقع في كسر إيقاعي سببه الخطأ العروضي. أما القراءة المتصلة  فتظل فيها التفعيلة ضمن جو المتدارك (= الخبب) وتفعيلته (فاعلن – فعلن) والخارجة إلى (فاعلان) أحياناً.
حين تشع حروف           (النهاية)
إن الشاعر يرسمها (النهاية) بقوسين، مستقلة على سطر لما لها من دور بنائي ودلالي، جعله يغفل عن صلتها العروضية أو الإيقاعية بما حولها، ويتجاوز إضافتها إلى كلمة (حروف).
أما الأسئلة المتلاحقة في الخاتمة فقد جعلها الشاعر مختومة بعلامة الاستفهام التي لا نجدها في الاستفهام العمودي (أي الشعر المنظوم تقليدياً).
إن هذه العلامة (؟) ذات وجود بصري يضاعف بنية السؤال ومعناه إذا ما غفل القارئ أو طال السؤال أو تجرأ أحياناً :
من ترى يتذكر؟ أيبن الوجوه التي إئتلفت؟
وللشاعر في التقنية الداخلية عدة أساليب منها : الاستطراد بالوصف وهو أكثر الأساليب ترداداً (20 صفة صريحة + صفات بالاسم الموصول). وهذا يناسب مقام الإخبار عن (غياب) الشاشة.
أما مجيء الحال بالصيغ التي أكثر منها شعراء الحداثة لتقوية بناء الجملة مثل (البيوت رافلة) أو (السعادة خالصة) فهناك (أربعة أحوال).
(البيوت رافلة / السعادة خالصة / المناضد مكسورة / الخزانات مغلقة)
ويكون التتابع التركيبي حسب درجة ترداده اسلوبياً كالآتي :
1-    الجملة الاسمية (الأخبار الفعلية)
2-   الموتيف المتراكم بالمفردة
3-    بالوصف
4-    بالحال
5-     بالتشبيه (3 مواضع فقط : كرماد / كغبار / كما تتلاشى..
ويلزمنا أخيراً تأمل موقع الإيقاع في البناء الجملي الجديد. فإذا كانت الدلالة (= التحسر على ما آلت إليه الحياة والأحلام) هي المهيمنة انبثاقاً من جملة النص (= جملة العنوان : غياب الشاشة) فإن الإيقاع بمستوييه العروضي والتقفوي يؤازر توزيع الجمل الشعرية.
فكما إن الشاعر لم يراع = النظام البيتي أو السطري لصالح البناء أو الأنتظام الجملي الأعم، فإنه لم يراع، التوزيع العروضي رغم أن تفعيلة المتدارك تسمح بصلة أكثر حميمية لتقارب سكناتها وقصرها (فاعلن – فعلن) لكن الشاعر جعل منها امتداداً للدلالة والصوغ. فلم يلتزم بوقفاتها. هكذا نقرأ (والأثاث القديم) : فاعلن / فاعلان. ونقرأ كلمة الختام في المقطع الخطي الأول : (والدموع) : فاعلان. وكذلك (للمكان) : فاعلان …
أما التقفية فهي مهملة في شعر البريكان دائماً. وفي هذا النص جاءت القافية في المقطع الأول:
.. الشاشة الساطعة
………….
القاعة الواسعة …./ والمغامرة الرائعة
ثم تظهر غير مكتملة في كلمة (والدعّة) تفصل بينهما أسطر كثيرة بحيث لا يظل لجرس القافية من أثر في نفس المتلقي الذي يتسلم معاني لا أصواتاً في هذا النص الكتابي الحديث.
وفي المقطع الثاني : سطران مقفيان تتابعيان :
روحه الصامتة
.. روائحه الباهتة
سرعان ما تُنسى إذ نغرق في أسطر مرسلة دون تقفية. لكن مهيمنة صوتية أخرى تفاجئنا هي حروف المد الكثيرة في النص التي تتواتر لتصل إلى حد تصويت القافية أو الإيقاع مثل :
الناحلة / الشاحبة / الفارغة / خالية
وقبلها / الرائعة وقوافيها والباهتة وقوافيها..
إن غياب الشاشة أو خلوها بالضياء والضجيج ثم بالفراغ والغبار لهي كناية بجملة واحدة طويلة عن النهاية : ذلك السؤال – اللغز الذي حيّر جلجامش وظل على صدور البشر الشعراء حتى يومنا هذا – فلقد غاب بغياب الشاشة المشهد والمشاهد ومكان المشاهدة معاً.

عن الموقع الالكتروني للناقد حاتم الصكر