محمود البريكان.. شاعر الفكرة، والسؤال الفلسفي

محمود البريكان.. شاعر الفكرة، والسؤال الفلسفي

علي حسن الفواز
محمود البريكان الشاعر والظاهرة والغموض يشكلون فضاء واسعا لجدل ثقافي اكثر مما هو نقدي،  اذ ظل الشاعر البريكان خارج السياق دائما،يؤسس عبر عزلته سؤالا يرتبط بجدل الحداثة الشعرية العربية،وباسئلتها والباساتها  المبكرة التي حملت معها  اغواءات وحساسيات جعلت من البريكان الضحية التراجيدية في اجندة المشغل الحداثوي الشعري...

قال عنه  الشاعر بدر شاكر السياب،(ان محمود البريكان شاعر عظيم،لكنه مغمور بسبب عزوفه عن النشر) هذا الرأي يؤشر حقيقة حضور البريكان في الفاعلية الشعرية العراقية والعربية،مثلما تعكس اهمية النشر كظاهرة وجود في مرحلة صخب ثقافي كثر فيه المتنافسون على كسب الرهان التأسيسي فيما سمي ب(قصيدة الشعر الحر) الذي ظل ملتبسا على مستوى المصطلح والمفهوم  خاصة في الفضاء الثقافي العربي،رغم ان هذه القصيدة كظاهرة شعرية هي جزء حيوي من المنجز الشعري الغربي  ومزاجه التجديدي منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين..
ولاشك ان محمود البريكان وبسبب طبيعته الشخصية التي تميل الى العزلة والانطواء والخوف من الاخرين قد وضع نفسه خارج هذا الصخب واستأثر بنوع من الصيرورة الداخلية التي منحته احساسا غرائبيا بالتوازن الوجودي الداخلي،،  رغم ما يشوب ذلك من احساسات قد يفسرها البعض بانها تعكس طبائع  شخصية مضطربة تعاني من فوبيا الاخرين!! او قد يفسرها البعض الاخر بانها جزء من نظرته العدمية والعبثية  للحياة والتي  عبّرت  قصيدته (خذع يا ضياع حقيقتي واسمي) الكثير عن  سياقتها التعبيرية والفلسفية...
ومن هنا نجد ان محمود  البريكان كان يمثل نقطة جذب للكثير من الشعراء التجديدين الذين وجدوا في شعريته نمطا من الكتابة الباعثة على الاسئلة،بدءا من الخاصية الفنية لهذه الشعرية وانتهاء بانماطها الشكلية التي وجدت في تفكيك السياق التقليدي/البنائي مشغلها الواسع عبر انحنائه على اليات التنوع في استخدام القوافي والبنيات الموسيقية  والرؤية الاشمل والتي جسدها في قصيدته المشهورة (حارس الفنار).. اذ كان البريكان يطأ ارضا شعرية مليئة بالافكار والنزوع الى التجريب،وان صياغاته تتكأ على وعي متجاوز يشخصن فيه خصوصية كتابته التي توحي بوعيه لعبة الشعر جيدا..
ان اهتمام البريكان بالافكار في شعريته يؤكد حيوية المخيلة اللغوية الحاضرة التي تنسج من الحكاية فكرة متوترة تتراكب فيها التفعيلات لتؤدي وظيفة صوتية راوية تمثل  في صياغتها علاقات وتراكيب هي في  الاصل جوهر الشعر..
           اروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
                          يسير في المنام احيانا ولايفيق
          اصغوا الي اصدقائي! وهو قد يكون
           أي امرىء ترونه يسير في الطريق
                           في وسط الزحام..
                          وقد يكون بيننا الان،وقد يكون
        في الغرفة الاخرى،يمط حلقه العتيق

ان هذه النبرة الوجودية التي حملتها قصيدة (حارس الفنار) تؤكد الوعي الفلسفي الوجودي الذي ادركه الشاعر مبكرا،والذي وضعه في مشغله الشعري كسؤال اشكالوي موجّه لانشغالات معرفية وتجريدية وجدت اهتماماتها في انحيازه العميق للموسيقى العالمية، مثلما استغرقه  كفضاء محرك للكثير من الدلالات والافكار التي لم تضع في حسابها  كامل الخصائص الفنية التي اعتاد الشعراء من مجايليه الاهتمام بها وبصياغتها التزيينية،ولعل هذا المنحى الفكري الفلسفي في شعرية البريكان هو احد اسباب عزلته وتمركزه حول اسطورة الذات المتعالية،والتي تحولت فيما بعد الى عبء وجودي على الشاعر لم يستطع تجاوزه مع عودته الى النشر الشعري خاصة مع قصيدة (اساطير) التي كتبها عام 1984،اذ بدى الشاعر اقرب الى الفضاءات السيابية الخمسينية ذات البناء النبروي العالي..

                         على مقلتيك انتظار بعيد
                          وشيء يريد
                          ظلال يغمغم في جانبيها سؤال
                          وشوق حزين
                          يريد اعتصار السراب..

ازاء هذا لانجد ان ثمة منحى محدد  لتطور شعرية البريكان،ولا  منظور خاص  يملكه لتمثل تحولاته الشعرية في اطار تحولات الزمن الشعري العربي، فهو شاعر خالص الانحياز لكينونته الشعرية/الثقافية التي جعلته امام السؤال الشعري بهوس!!اذ يختصر هذا السؤال وعيه الفلسفي ورؤيته التي يضعها في جدل دائم مع الافكار،،فضلا عن ان  البريكان يمنح شعريته وهجا خاصا من افكاره وليس من لغته!!حيث تبدو اللغة عن السياب ونازك الملائكة وعند بلند الحيدري مثلا مصاغة بشكل اكثر حذاقة ومهارة وفيها تلوينات تزيينية كبيرة،وهي التي تغيب عند  شعرية البريكان الذي تبدو شعريته اقرب الى هندسة الافكار والصور الخالية من التلوينات المفرطة التي نجدها عند السياب خاصة....
يكتب البريكان القصيدة البسيطة التي لاتوغل في متاهات التجريب او غواية التقعير الاسلوبي الذي تحوّل فيما بعد الى مهيمنة مركزية في الاحتيال اللغوي،ولعل هذه الخاصية هي الاكثر اثارة في مواقف البعض من شعرية البريكان الذين اسهبوا في اطلاق النعوت حول القيمة الفنية لشعريته،واسقاط الكثير من الطروحات مقابل الانشداد الى عزلته الاسطورية التي نسجت حوله عالما من السحر والغموض.....ز
ان البريكان شاعر اللحظة التاريخية التي وجدت فيها الشعرية العربية انها امام انزياح اسلوبي وبنائي،وشاعر الافكار التي ظل مخلصا لها لانها جوهره المعرفي الذي يجعله شاعرا يؤمن بالتجاوز الفكري الخالص غير المتورط بالايديولوجيات!!تلك التي تحولت عند العض من الشعراء الى شعارات وافكار محلية وقطعت العديد من خيوطها مع الجوهر الفكري..كما انه شاعر التشاؤم القريب من فكرة العدم،تلك التي جعلته باعث اشكالوي عن لحظة وجودية خالصة استأثرها في نزعته الذاتوية العميقة....وربما كانت لحظة موته المفارقة هي قمة هذا الاحساس المتعالي  والمرعب في آن معا بالعدم الذي استبطنه كعلاقة وجودية مرعبة تركته عند المتاهة او الفنار الذي لم يعد حارسه الاليف..........

أروي لكم عن كائن يعرفه الظلام
يسير في المنام أحيانا، ولا يفيق
أصغوا اليّ أصدقائي! وهو قد يكون
أي امرئ يسير في الطريق
في وسط الزحام.
وقد يكون بيننا الآن، وقد يكون
في الغرفة المجاورة. يمط حلمه العتيق!

***

اعتاد أن ينهض حين تقرع الساعة
دقاتها السبع، ويعلو صخب الباعة
يفتح مذياعه
يصلح شاربيه أو يدهن عارضيه
ويرسم ابتسامة غبراء خداعه
على زوايا شفتيه، ثم في عجل
يمضي إلى العمل.
يمر بالناس الكثيرين وبالأشجار
فلا يرى شيئا.. وقد يبتاع في الطريق
جريدة يقرأ منها آخر الأخبار
وهو غريق يعد في سباته العميق...

***

إن له وجها كوجه الناس أجمعين
لكن إذا رأيته يلهث في العتمة
تجده كالذئب الذي أيقظت الظلمة
أسراره، فهو مخيف خشن حزين

***

ماضيه لا يعرف الا انه بعيد
بداية غامضة من حلم مديد
ليس له مدى.
حاضره ليس له صوت ولا صدى.
منشودة! يفلت من كفيه ما يريد.
فهو هنا شبح
وكائن وحيد
لا يعرف الفرح!
وهو نداء ميت أبح
في مجهل بعيد...

***

يا أصدقائي هل عرفتم ذلك المخلوق
الشاحب الذي يجف صوته المخنوق؟
الكائن المخدر الهائم في المنام؟
الكائن الذي تبثّ كفه الصفراء
من حوله أشياء
ترعبه
أشياء
لا يمكن القبض عليها مرة أخرى!؟
يعرفه الظلام
تعرفه برودة الليل! وقد يكون
أي امرئ ترونه يسير في الطريق.


* من مجموعة الأولى "حارس الفنار"
(1958 -1969)