(ساحر الأفاعي) البحث عن النمط الأسطوري في السيرة الشعرية

(ساحر الأفاعي) البحث عن النمط الأسطوري في السيرة الشعرية

جاسم عاصي
يبدو العنوان مشتبكاً في قياس الخلق الأسطوري، لأنه أساساً سيحذو حذو ما فعله الفنان والناقد (حمد شاكر) وهو يبحث عن عنوان للكتابة عن سيرة الشاعر(حسين عبد اللطيف) تلك التجربة المفعمة بلذة لقاء الذات مع الذات، ضمن خلوية صوفية فريدة. ولأن (حمد) مثقف كبير دخل من مستهل حذر ومغمس بالدهشة، فاختار عنواناً آخر للوّحة تخص الفنان (هنري روسّو)

 بعنوان (سحر الأفاعي) وهذا بتقديري لم يكن عفوياً، بقدر ما كانت سيرة الشاعر (حسين عبد اللطيف) مفعمة بدهشة الأسطورة، ومؤطرة  بالمخيّال الشعري. فهو شاعر العُزلة والتأمل، والدأب على تثقيف الذات عبر مسار انتاجي حياتي وشعري. مكثفاً سيرته في بضعة كتب تخص الشعر. لكن هذه الكثافة في الإنتاج، أوحت وستوحي للدارسين (إن توّفروا) بعوالم مركزة، سواء مع الشعر الذي أنتجه، أو في كثافة المعرفة التي رفدت شعره، ثم في سيرته كإنسان مثقف ضمن وجود لا يخلو من خلل ملازم. المعرفة التي خلقت جدلاً معرفياً وطرحت سؤالاً فلسفياً، بسبب نصاعة وعمق الصوّر أو المناخ الشعري الذي عاشه الشاعر، ودهشة التركيب التلقائي لما أنتج من شعر.
كتاب الفنان (حمد شاكر) شامل. وهذا راجع أنه كمثقف دائم  الوعي صاعد، عمل على اخراجه الجمالي والفكري ــ الشعري. ناقد مثقف وواعٍ لحيثيات أدواته، فهو حاضر البديهية، يسنده بما لديه من معارف تصطف مع تجربة الشاعر. فقد استطاع أن يستكمل الدوران حوّل محيط تجربته. بما مكّنه من كتابة (سيرة شعرية ــ بحثية ــ نقدية) إذا ما احتكمنا إلى ما توّصل إليه النقد من تطوير للمنهج، وابعاده عن ترسيمات ثابتة، تُحاكم كل ما مُنتج بما يناسبه، لا بما يُليق بالمنتج. لذا فقد كان (حمد) أقرب إلى النقد الثقافي، آخذاً بمناهج متعددة حددتها بصيرته النافذة. وقد تعامل الكاتب مع شخصية ونتاج الشاعر من منطلق ثقافته الواسعة والمتنوّعة وذات العمق الرؤيوي. وهذا بطبيعة الحال شكّل غنىً وحضوراً ملموساً لوجود الشاعر. فهو من خلال ما استله من علامات في شعره، أسس عليه رؤاه من منتطق فلسفي ومعرفي عام. فالعلاقة المباشرة بالشاعر ونتاجه الشعري، منح الكاتب نوعاً من حراك نظرته التحليلية لشعره، وطبيعة حياته. ذلك لأن كثيراً من جونب حياة (حسين عبد اللطيف)  كانت غامضة، كما هي شخصية (محمود البريكان) فالشاعر انشغل في حياته الشعرية بتطوير وعيه المعرفي لسند والصاعد بشعريته، وبلوّرت نظرته للأشياء ولطبيعة مدار حياته الوجودية، فللعزلة شأن ذاتي ووجودي خالص، استثمره الشاعر في اللحاق بركب المتأملين بالوجود. لذا نجده قد أسقط صوّر عزلته  على شعر، عبر رؤى هادئة، تتفرع من خلالها الأسئلة، يطرحها لا من أجل الحصول على الأجوبة، بقدر ما هي طروحات المتصوّف في عزلته. وعلى حد قول (كولن ولسن) في (اللامنتمي) من أن نموذجه يرى رؤى. والشاعر كان ضمن دائرة ما استنتجه (ولسون) فهو يستجمع خصائص نموذجه ويلملم أطرافه.
كان (حسين) يعمل على بلوّرة مشهده الشعري، عبر بلوّرة رؤاه الفلسفية. فغربته كانت بمثابة غربة المثقف داخل وجود مضطرب مصاب بالخلل والشلل. والشاعر لم يتطرق إلى ما هو خارج دائرته الشعرية، بقدر ما وضع هذه الدائرة وفق منظور النقد الذاتي. فـ (شاكر حمد) يؤكد على أن (منظومة رموز الخوّف ومحيطه الغامض والعالم الغرائبي مستمداً رؤيته من طبيعة البيئة للحياة الاجتماعية وبقدرة تخييلية على التحوير والتأويل وتوظيف العنصر الطبيعي واليومي المألوف لإحكام الرمز واللا مألوف المركّب، المتناقض، والمبهم) لذا نجده شاعراً حاذقاً ونبهاً في الانتقاء والاقتناص للحالات المرئية وتقصيّ ما هو غير مرئي، إنه يقتنص بدقة لحظته الشعرية، ليصوغها شعراً ذات أسئلة وجودية صرفة. وقد تأثر الشاعر شأنه شأن شعراء حقبة الستينيات، بما تم من تغيير سياسي مُحبِط. فبرز السؤال متناسلاً إلى أسئلة. وقد استثمره (حسين) بشكل مركز، خاصة في كتابه الشعري (أمير أور) وهو كتاب رثاء للنفس البشرية المعذبة، عبر الدخول إلى حياة (أحمد الجاسم) الفنان والشاعر المرهف. إن الشاعر واحد من الشعراء التجريبيين، وله بصمته في التجريب، خاصة في تعامله مع اللغة، فقد ابتكر نمطه اللغوي الشعري كالبريكان. كذلك امتلك ذاكرة شعرية محتشدة بالمتخيّل الشعري. لذا كان ــ وحسب (كولن ولسن) إنه يرى رؤى تكون مادة تواصله مع الوجود اليومي في عزلته. فقصائده منتقاة، ومختزلة، لا يشوبها الزيادات والترهل اللغوي، بل هو يتبع لزوم ما يلزم على حد رؤى (المعري). فتغريب الشاعر نمط متقن، واختزاله كان عبر اختيارات تعبيرية دقيقة. فهو لا يدور حوّل ذات اللحظة، بل يدخل من أصغر نافذة تؤدي إليها. وهذا متأتي من طبيعته التأملية، فهو لا يختزل الوجود إلا بجملة أسطر مكثفة قادرة على عكس الصورة الشعرية لما أراد عكسها في القصيدة.
إن الفنان والناقد (حمد شاكر) قدم من خلال كتابه (ساحر الأفاعي) رؤى محايثة لنمط حياة الشاعر المنطوية على نفسها، لكنه استطاع بقدرته على تفكيك الملتبس والمشتبك، وأن يعطي صورة لمدارات حياة (حسين عبد اللطيف) عبر رؤى مندمجة مع وجود الشعرية عند الشاعر، وليس من خرج كوّنه الشعري. كان دخولاً منضبطاً بمحاور ذكية ومرهفة، إنه كتب لوّحته التشكيلية، مستعيناً بحياة شاعر مرهف واستثنائي الوجود.