حيث هنالك دائماً أيادٍ خفية تحرِّكنا .. الحياة تُشبه رقعة الشطرنج

حيث هنالك دائماً أيادٍ خفية تحرِّكنا .. الحياة تُشبه رقعة الشطرنج

زينب المشاط
 الحياة ما هي إلا رقعة شطرنج، أمس كان كاليوم، كومة حروب، وألم يضيق بنا، حدّ الاختناق، البسطاء يرحلون، بما يحملوه في صدورهم من أحلام بسيطة، وامنيات صغيرة، من أجل أن يعتلي الجبناء عرش السلطة، اؤلئك الذين يقفون في الصفوف الاخيرة دائماً خوفاً على حياتهم، غير مبالين بما سيحدث من دمار، نعم ما حالنا إلا رقعة شطرنج،

 لسنا من يُسّير حياته، فهنالك أيدٍ خفية، هي من تضع الملوك الذين تختارهم في الصفوف الخلفية، وترصُ أمانينا فداءً لهم دون إرادةٍ منا، وتنحرنا تحت اقدامهم في حروب لانعرف ما أسبابها، لنترك أنصافنا من العشاق على قيد انتظار وألم، ليترجل أولادنا إلى المدارس حفاة بلا حقائب مدرسية، لنترك ضفيرة الطفلة ودميتها جالسة على إرجوحة تأخذها حيث المجهول، أما من يجلس خارج تلك الرقعة، فينظر مستمتعاً بكم البؤس الذي يراه، يُصفق لتلك الايادي التي تُحركنا بشغف نحو  انتصارٍ لا معنى له...
 لهذا كتب النمساوي ستيفان تسفايج روايته”لاعب الشطرنج”التي تحمل في مضمونها فضاءات سردية تسير بموازاة العالم الغارق في الحروب دون أن تتورط في جولاتها مباشرة، أبطالها جيوش من خشب تسير إلى حتفها في صراع اللاعبين، كتبها تسفايج بعد أن اتخَّذ قراره بالانتحار احتجاجاً على الحرب العالمية الثانية التي رأى بوادرها تعصف بالقارة العجوز وبلدانها.
الرواية تقوم في جوهرها على شخصين مسافرين فقط، الأول لاعب الشطرنج العالمي”سيركو زينتوفيك”الذي توفي والده البحار غرقاً فعانى طويلاً من الأوصاف المسبقة حول عدم أهليته، وعدم قدرته على الكتابة والقراءة، حتى تم اكتشاف قدراته الهائلة في الشطرنج وهو في عامه الخامس عشر حين قادته الأقدار إلى اللعب أمام ضابط متقاعد في غرفة قس تم استدعاؤه على عجل ليحضر احتضار امرأة مسنة، غرفة القس كانت بوابة الطفل الذي هزم الضابط في لعبة الشطرنج نحو الحياة، فانتقل إلى المدينة المجاورة ومنها إلى النمسا حيث تدرب لعام كامل على يد أحد أمهر العارفين بهذه اللعبة، وليتفوق بعد ذلك عالمياً هازماً الجميع منفردين ومجتمعين.
أما الثاني فهو الدكتور”ب”أو السيد”ب”، نمساوي ينتمي إلى أفراد عائلة كانت مقربة من القصر الإمبراطوري في فيينا، كاتمو أسرار الأمراء وواجهاتهم المالية ناصعة البياض، هذه العلاقات المتشابكة كانت وبالاً على الدكتور”ب”الذي تم اعتقاله على يد جهاز الأمن الألماني عقب احتلال النمسا ومطاردة كل رموز العهد المنتهي، فتم اعتقاله في سجن حيث وجد ذاته في مواجهة حادة مع الفراغ القاتل ودورات التحقيق التي لا تنتهي، ضمن لعبة روائية يحصل بطريقة ما السجين على كتاب يكون ملاذه وعالمه في السجن، ذلك الكتاب تضمن فنون لعبة الشطرنج، فضلاً عن مئة وخمسين شوطاً من أشهر المباريات العالمية في هذا المضمار، كان هذا هو الثقب الأسود الذي غرق به العمود الثاني في الرواية، فذاب في معادلات الاحتمالات وتوقُّع حركات الخصوم رغم عدم جلوسه يوماً أمام رقعة شطرنج، فهو يمارس هذا النشاط ذهنياً فقط من خلال ما اطلع عليه من كتب حول الشطرنج.
ولخلق مساحة مشتركة بين العالمين لجأ تسفايج  إلى شخصيات إضافية، كالراوي الذي ينقل للقارئ ما حدث دون فعل واضح في مجريات الحكاية، والسيد هاوي الشطرنج الذي يتكفل بإقناع بطل العالم بحضور نزال لمرة واحدة أمام الدكتور”ب".
منذ العتبة الأولى للنص تبدأ الرواية بالابتعاد عن الذاتية التي تغيب ليسيطر ضمير”الغائب”في الحديث الحاضر في الرؤيا أمام الراوي، لتحقيق هذه المعادلة كان لا بد من استجلاب صديق آخر أيضاً بلا هوية واضحة ليخبر الراوي والقارئ معاً عن أسرار لاعب الشطرنج الشهير، بينما تكفل الراوي بتفكيك أسرار الدكتور”ب”.
الدكتور”ب”المصاب بهوس الشطرنج، يواجه بطل العالم فيربح النزال الأول وسط دهشة الجميع بمن فيهم البطل، لكن سرعان ما يكتشف الأخير نقطة ضعف الأول مع بدء النزال الثاني، فالانتظار كان مقتل الدكتور”ب”وبهذا راح “سيركو زينتوفيك” باستنزاف عشر دقائق كاملة بين كل نقلة ونقلة، وهذا ما وضع الدكتور”ب”في مواجهة صادمة مع حالة السجن، فعادت أحوال الاضطراب الذهني لمداهمته حتى يتدخل الراوي لإنهاء المشهدية بإقرار”ب”الهزيمة كي لا ينفجر تحت الضغط الهائل.
هكذا تغدو رواية تسفايج شهادة قاسية عن اللاعبين في هذا العالم وعن المتفرجين الذين لا يعرفون أسرار اللعبة أو مكامن النجاح والخسارة فيها.