شهادة: سيرة المعرفة

شهادة: سيرة المعرفة

د. مالك المطلبي
القصد من هذا التسمية، من سيرة العارف إلى سيرة المعرفة، لفت الانتباه إلى الفرق بين المعرفة الفردية، والمعرفة المؤسساتية. وانا اتطلع إلى التنويه باعمال ناجح المعوري، وإحالاتها إلى تلك المعرفة التي عرفت بمعرفة تاريخ الافكار، اسأل نفسي: هل بإمكاننا ان نسجل براءة اختراع في تلك المعرفة، مثلنا، في ذلك، مثل مفكري المعرفة المؤسساتية في الغرب؟

الجواب بالنفي. وسبب هذا النفي ان تاريخ الافكار هو تاريخ التأويل ذاته، وكلاهما- الافكار والتاويل – ينبغي لهما ان يتحركا في فضاء مفتوح، لا قيد، ولا عين، ولا ظن، يعترض طريقه. في حين ظلّت حدود تحليل انظمة الافكار الشرقية، تتوقف عند الفروع دون الأصول، والتوصيف دون النقد. حين تتبع سيرة الفيلسوف الفرنسي (ميشال فوكو / 1926 – 1984) وهو يُعيد تفكيك المؤسسات الاجتماعية التي ندعوها بالامكنة، كالمستشفيات، والسجون والمصحات النفسية، والاسواق، ومدن الالعاب، والمواخير، والامكنة المبحرة كالسفن.. إلخ
نتساءل: هل كان يتسلل إلى عقل الفيلسوف الفرنسي، ولو خاطراً من شك، أن ما يعيد تركيبه من الافكار البشرية ما قبل نشوء التأريخ، كان سيخضع للمساءلة الايديولوجية؟
في الجانب الآخر،يقود الظن المرهق مفكري الشرق، والعرب خاصة، إلى أن يكونوا مؤولين تقنيين، لا معرفيين يسهمون في تحويل مجرى الافكار الساندة.
وانا القي نظرة على كتابات ناجح المعموري، وبؤرة خطابه القائم على ثنائية: الاسطوري / الديني، الرافديني، التوراتي :
- المسكوت عنه في ملحمة كلكامش
- ملحمة كلكامش والتوراة
- تقشير النص : قراءة في اسطورة انانا كلكامش وشجرة الخالوب
- اساطير الآلهة في وادي الرافدين
- اقنعة التوراة / تزوير الرموز
- التوراة السياسية – السلطة اليهودية : انساقها ووظفائفها.
- الأصول التوراتية في قصة يوسف التوراتي.
- تأويل النص التوراتي / قميص يوسف
- موسى واساطير الشرق.
يمكن  ان اشير إلى وعي ينفذ إلى ما اسميه المقدس الهامشي (التوراة)، من جهة، واللامقدس (الاسطورة). وقد ظل في نطاق هذا الوعي، تدوير الافكار في فضاء لمس المقدس المسموح به، وتأويل رموز، او بعض رموز الاساير الرافدينية، لتنقية بعض المفاهيم. غير ان ما يُحسب للمعموري انه ترك البنية الثقافية العراقية التي شكلها الابتذال السياسي، حيث هيمنة النزعة الانطباعية التي ترتد إلى المرحل الثقافية الشفاهية، بثوب الكتابة، ليتجه إلى لغة البحث المكثفة داخل معرك الحفر المعرفي، حيث تنقب المعرفة عن الحقيقة المتوارية ابدا. إن المعموري ينتمي إلى شبكة الاركيولوجيين المعرفيين الذين تجمعهم بالاركيولوجيين الاثاريين النفوذ إلى الأول، من أنهم يتعاملون مع نظام مجرّد، هو نظام الافكار، والاخرين يتعاملون مع نظام مشخص بالاثر. لا يتعامل الاركيولوجي (المعرفي) مع الرمز بكونه دلاً على مدلولٍ، بل بكون مدلوله يتحوّل إلى دال آخر يتضمن مدلولا آخر، وهكذا حتى يتمكن من موضوعه في كتابة (تأويل النص التوراتي / قميص يوسف) [دمشق – 2015] وتحت عنوان (مستويات قراءة القميص) / ص 22/، يكتب:”فالقميص علامة رمزية (مفتوحة الذلالة) مكونة من دال ومدلول. والمدلول منظومة واسعة كشفت عن البنية الذهنية العبرانية : لنستخلص ما يأتي:
الدال : القميص (قميص يوسف).
المدلول : الاستدعاء.
الدال :الاستدعاء.
المدلول : التبادل
الدال : التبادل.
المدلول : السلطة.
وهكذا يمكن بناء متوالية دلالية، تقيم انساقها في قلب السرد.
فكأن الدال الأول جذر يقيم افرع شجرة الدلالة، بلغة تترك الاطناب للنص، والاختزال لتفكيك ذلك النص.

بقاء الأسطورة
في الكتاب الذي احتفى بأعمال ناجح المعموري (ناجح المعموري الاسطورة التي تبقى) / ط1 / الحلة – 2009 /
لا يُقرأ هذا العنوان إلا متصلا، برغم مناورة مصمّم الغلاف في التوزيع الخطي والعمودي التي توهم في الفصل بين كتلتي الاسم (ناجح المعموري) والعنوان (الاسطورة التي تبقى)، لتستعاد قراءة الاتصال بواو الاستنئاف، في الصفح التالية : (ناجح المعموري والاسطورة التي تبقى) لتزيل إبهام المتصل الغلافي من كون ناجح المعموري هو الاسطورة!
إن قراءة الاتصال، في الغلاف، إشارة مواربة في الوعي الثقافي العراقي، لتمجيد المحتفى به، لا لتقديم قراءة نقدية لا تحتمل رفع اللافتات: إن لافتة الغلاف الأخير، برؤوسها الأربعة: أزاح – اتاح – اقتحم – فكك، تنسجم تماماً مع قراءة عنوان الغلاف المتصل. لا أقلل من شأن ملاحظات الزملاء الذين اضاؤوا زوايا مختلفة لمتن المعموري، ولكنني أنوه إلى افة تنخر في جسد الثقافة العراقية، وتتمثل بما اسميه البروبجندا الثقافية. ان المفارقة تكمن في ان موضوع الكتاب يتناول باحثاُ قام مشروعه على تجنب الصراخ، وهو يحفر بإزميله الآثاري مغاليق الرموز الأولى، وشبكة علاقاتها، وتحولاتها. لكن (تقييم) هذا الفعل بذاته، شيء، وتحقيق نتائجه شيء آخر. متى يمكن وصف عمل، أو اعمال، بكونها تمثل مشروعاً، ذلك هو السؤال.
أعني ان بنا حاجة إلى مراجعة ما قدم الباحث ناجح المعموري، وما يُقدم، مراجعة نسبية، لا إطلاقية، بالنسبة إلى اللغة الاصطلاحية، والقراءة المنهجية، والتناص، والمصادر، والنتائج ودعوة المراجعة هذه، تمثل تنويها بتلك الاعمال.

الاسطورة والجنس في النحت الحديث
يتناول كتاب الاسطورة والجنس في النحت الحديث (66 صفحة من القطع الصغير / ط1 – دمشق 2014) قراءة الاسطورة والجنس في النحت الحديث. ويمثل هذا العنوان تحوّلا من قراءة لنصوص الكتابة ذات الصور الذهنية، في موضوع الاسطورة والجنس، ما قبل التأريخ، إلى قراءة الأسطورة والجنس في صور عيانية تأريخية. ويشي هذا التحول بأن الاسطورة والرموز الجنسية، ليست موضوعاً يستعيده التأريخ لعوامل مختلفة، بل لأنها نحن. الاسطورة ذات بقدر ما هي موضوع، والنزعة الايروتيكية هي ميل لحفظ الكائن، عن طريق ما لا يمكن الفكاك منه، وهو الاقتضاء الايروتيكي. فكيف قرأ ناجح المعموري منحوتات محمود عجمي؟ لكي اجيب عن هذا السؤال احتاج إلى مساحة اوسع من مساحة شهادة عابرة. وهذا ما سأحاول العمل عليه مستقبلاً. اما في فضاء الشهادة هذه، فسأختزل تلك الملاحظات بنقطتين.
الأولى : تتعلق بمنهج الكتاب. تخلص قراءة الكتاب إلى ان الكتاب، في الأصل، كان مقالات مختلفة في الزمان، ثم جمعت في هذا الكتاب. وهذا الأمر، برغم ايجابيته، في جمع المتفرق، فإن مخاطره لا يمكن تجنبها، ففضاء الكتابة في جريدة، أو مجلة، أو محاضرة، ليس هو فضاء الكتاب الذي يستدعي نسقا تراتبيا بين اجزائه، وصولا إلى نهايته. سأشير مثالا على ذلك ما ورد من عنوان في مفتتح الكتاب، وهو:
- الرمز والافضاء نحو الجنس / من ص5-10
ثم عنوان :
- تمهيد / من ص10 -22
والتمهيد ينبغي ان يحتل فضاء الافتتاح، حيث يُدلي بملاحظات توجه قراءة العنوانات التي تعقبه.
ومثال آخر: في ص10 نقرأ في سياق (الرمز وافضاء نحو الجنس)، ما يأتي:
«ومثلما للفن طاقته الفكرية والجمالية الممنوحة له من رموزه الظاهرة والمخفية، فإن فخاريات محمود عجمي لا تتشكل إلا في هذا المحيط، وتفضي إلى معان منطوية على قوة الرمز الذي احال له، واحيانا عبر تكراراته وتناظره مع محيطات ثقافية / دينية / حضارية».
في ص16 نقرأ السطور ذاتها، مع تغير سياقها (تمهيد):”ومثلما للفن طاقته الفكرية والجمالية الممنوحة له من رموزه الظاهرة والمخفية، فإن فخاريات محمود عجمي لا تتشكل إلا في هذا المحيط»،  ثم يكمل الجزء الأخير بصياغة مختلفة:”ولا تُفضي إلى معانيها إلا عبر قوة الرموز المتكونة من تكررها – الرموز – وتناظرها الذي يوميء إلى مجال حضاري وثقافة معينة ودين ايضاً. لكن تلك الرموز، في اعماله، تجاوزت النمط عبر تنوع المعنى المتشكل من واحدية التوظيف في احيان عديدة».
يشير ذلك إلى اختلاف الزمنين، واتفاق المكانين. وهو ما يترك تخلخلاً في بناء منهج الكتاب.
الثانية تتعلق بالجهاز النقدي الذي يتعامل مع منحوتات محمود عجمي:
افترض ان عدة الاركيولوجي المعرفي لا تكفي وحدها لقراءة تلك المنحوتات. قراءة كهذه يجب ان تكون قراءة نقدية تشكيلية. وبدون جهوزية الادوات النقدية تلك تتحول القراءة إلى قراءة محتوى، لا قراءة دمج مع الشكل الذي يتحويها، بل قراءة فصل بحيث يُنتزع قلب العمل الفني، ويرمى خارجا، وتعود القراءة الى سابق عهدها: قراءة في ثنائية النص الديني والنص الاسطوري. اعني ان ادوات النقد التشكيلي ينبغي ان تنبع من طبيعة التشكيل (نحت – رسم – خزف) فالمادة وتقنياتها، وعناصر التكوين لا فكاك منها لقراءة اي عمل تشكيلي. ولا يكفي ان نعي هذه العناصر – بل ان تحولها إلى لغة فنية. فالمنحوتات، برغم تماهيها مع الواقع (الابعاد الثلاثية) هي في النهاية فضاء هندسي بخطوطه، وانحناءاته، وفضاء فيزيقي بفراغه وامتلائه، بضوئه وعتمته، قبل ان يكون له موضوع اي موضوع. وسأذكر مثالا جاء في الكتاب.
عرضا الباحث للمادة التي يستخدمها (محمود عجمي) في خلق منحوتاته:”منحوتات عجمي طينية / فخارية واراد من مادتها الطيعة العودة الى لحظته الاسطورية الاولى”/ص8/ والسؤال هنا، هل النحت الفخاري ينطوي، وحده، على تلك الرسالة، ولا تتضمنها منحوتات مصنوعة من المعدن والجص والشمع والخشب؟ ما يعني ان كل نحت يستخدم الطين المفخور يتضمن تلك اللحظة، داخل حدود الجماليات التشكيلية، او خارجها، والحقيقة ان هذا الأمر لا يتعلق بطبيعة المادة بل بالعملية الفنية بذاتها، بذلك الخبال المسحور الذي نسميه فنا. اما المادة فهي تمثل التقنية التي تصبح جزءاً من مهارة الفنان، وتمرسهن ومن ثم، خبرته، والقول بأن المنحوتات الطينية طيعة، فغن الخطوط الرقيقة المنسابة، والاستدارات المفعمة بالحركة، والاشارات التي تومئ بها اصابع الكائن، ورقة الضوء، وكثافة العتمة، نجدها في منحوتات مصنوعة من المعادن التي تُعرض على تقنية الصقل. وكل ما تقدم يعني صراع الباحث في الناقد، لامتلاك الادوات النقدية داخل فضاء المعرفة.
واخيراً تمنحنا نتاجات الكاتب العراقي ناجح المعموري قدراً من الاستفزاز، وقدراً من الاغراء، ايضاً، في الكتابة مع – ضد. وهو امر نادر في حياتنا الثقافية الحالية.